الهدنة الأوكرانية الروسية:
هل هي جادة أم خاطفة؟ وهل تحمل بذور السلام؟
قراءة استراتيجية في كواليس المفاوضات وتوازنات “يوم النصر” 2026

د. سعيد سلّام – مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية
9\5\2026
تتجلى المعضلة الحقيقية في فهم ماهية “إعلانات التهدئة” التي شهدتها الجبهة الأوكرانية-الروسية في الفترة ما بين الخامس والحادي عشر من مايو 2026، في ضرورة استيعاب حقيقة مُضمَرة غائبة عن معظم القراءات؛ وهي أننا لم نكن بصدد هدنة واحدة متفق عليها، بل أمام ثلاث “روايات متصارعة” للهدنة، أعلن كل طرف نسخته الخاصة ضمن منطق الاستباق والمناكفة الجيوسياسية، قبل أن تُفضي الضغوط الأمريكية إلى صهرها قسرياً في إطار واحد.
رواية ثلاثة أطراف لا اتفاق واحد
لقد مثّل الإعلان الأوكراني عن هدنة أحادية الجانب في الخامس من مايو نقطة الانطلاق في مناورة محسوبة بدقة ضمن ديناميكية “إدارة التوقيت” لانتزاع المبادرة، حيث سعى صانع القرار في كييف من خلالها إلى تحطيم جدار العزلة الدبلوماسية وكسر حالة التغييب التي حاولت موسكو فرضها عبر التنسيق المنفرد مع واشنطن، مستهدفاً فرض واقع يربط التهدئة بآفاق وقف مستدام للعمليات القتالية. إلا أن الكرملين تبنى استراتيجية “التجاهل النشط” للتهرب من الانجرار خلف أجندة كييف الساعية لتدويل “الرغبة في السلام” ووصم موسكو بالطرف المعرقل، مما حوّل المبادرة الأوكرانية إلى أداة للاشتباك الإعلامي واستنزاف الرواية المقابلة. هذا الانسداد الوظيفي دفع كييف نحو تبني مقاربة هجومية لتفكيك الإعلانات الروسية وتجريدها من قيمتها، مسلطةً الضوء على التذبذب في الرواية الروسية التي تأرجحت بين هدنة تقنية ليومي التاسع والعاشر من مايو لتأمين عروض “يوم النصر”، وبين الإجراءات الميدانية القسرية التي فرضتها موسكو فعلياً بدءاً من الثامن من مايو؛ حيث حوّلت موسكو الهدنة إلى “حالة ردع عسكري” عبر التهديد الصريح بضربات صاروخية ساحقة لمركز القرار في كييف ونصح البعثات الدبلوماسية بمغادرة العاصمة، مما حوّل التهدئة من مبادرة سياسية إلى “منطقة عملياتية عازلة” محمية بالنار والترهيب.
وفي ظل هذا التباين البنيوي، انزلق المشهد نحو تبادل محموم للاتهامات بالانتهاكات كشفتها الإحصائيات الميدانية؛ إذ أعلنت موسكو عن اعتراض 264 طائرة مسيرة أوكرانية اخترقت أجوائها، فيما رصدت كييف هجمات روسية مكثفة بـ 850 طائرة مسيرة خلال فترة هدنتها الأحادية، فضلاً عن إحصاء الأركان العامة الأوكرانية لأكثر من 140 هجوماً روسياً في الساعات الأولى فقط من سريان التهدئة الروسية في الثامن من مايو، مما عكس هشاشة الميدان وانعدام الثقة المطلقة.
وفي هذه اللحظة الحرجة والمشبعة بالتوتر، جاء تدخل الرئيس ترامب في الثامن من مايو ليعيد هندسة المشهد قسرياً بفرض هدنة تمتد من التاسع حتى الحادي عشر من مايو، ميزتها الأساسية ارتباطها بإجراء ملموس يتمثل في صفقة تبادل “ألف مقابل ألف” من الأسرى. إن هذا التحول، المقترن بتصريحات ترامب حول أمله في أن تكون الخطوة “بداية النهاية لحرب دموية”، أكد الحقيقة الاستراتيجية الجوهرية بأن التهدئة لم تنضج في غرف التفاوض الثنائي، بل كانت نتاج ضغط خارجي وضع الطرفين أمام استحقاق دولي لا يمكن التنصل منه دون دفع كلفة سياسية باهظة، مما يجعل هذه الهدنة اختباراً لقدرة القوى الدولية على كبح جماح الصراع، أكثر من كونها بداية لنهاية عضوية للحرب.
ما الذي كشفته الهدنة من وقائع لا تُقال؟
إن القراءة المعمقة للمشهد الذي تبلور في مايو 2026 تتجاوز منطق البيانات الرسمية لتلامس جوهر التحولات في موازين القوة والردع؛ فالعرض العسكري الروسي في الذكرى الحادية والثمانين لـ “يوم النصر” لم يكن مجرد احتفالية بروتوكولية، بل جاء بمثابة كشف حساب قسري يعكس حجم الاستنزاف الذي طال الآلة العسكرية الروسية، حيث كان العرض الأكثر “تقشفاً وعزلة” منذ ما يقارب عقدين من الزمن. إن غياب الأسلحة الثقيلة والتشكيلات المدرعة والمنظومات الصاروخية الاستراتيجية لأول مرة منذ عشرين عاماً، لا يمكن اختزاله في التبرير الرسمي القائل بانشغال المعدات في الميدان؛ إذ يُضمر هذا الغياب حقيقةً بنيوية مفادها أن الكرملين بات يخشى المجازفة باستعراض رمزيات قوته أمام عدسات العالم في وقت توثق فيه الاستخبارات الميدانية خسائر فادحة في تلك الترسانة، فضلاً عن تحول العاصمة الروسية نفسها إلى هدف محتمل لمسيرات كييف بعيدة المدى، وهو ما حوّل “الساحة الحمراء” من منصة استعراض للقوة إلى مربع أمني محاط بالهواجس.
هذا الانكفاء الأمني لم يقتصر على العرض المركزي في موسكو، بل تمدد ليشمل الجغرافيا الروسية العريضة؛ حيث أكدت المعطيات الميدانية أن سلطات ما لا يقل عن إحدى عشرة اقليما روسيا ألغت احتفالاتها العامة كلياً بدافع التوجس من “اختراقات استراتيجية”، في حين اضطرت القيادة العسكرية لنقل منظومات دفاع جوي من الجبهات ومناطق نائية لتأمين سماء العاصمة، مما خلق فجوات في التغطية الجوية خارج المربع الأمني لموسكو.
وفي خضم هذا الاستنفار الصامت، برزت ملامح “دبلوماسية الضرورة” من خلال مستوى الحضور الدولي الذي اقتصر بشكل أساسي على قادة دول حليفة ضمن الفضاء السوفيتي السابق، ومنهم قادة بيلاروسيا، كازاخستان، قيرغيزستان، طاجيكستان، وتركمانستان، بالإضافة إلى كوبا ولاوس وغينيا بيساو، وهو حضور يعكس ضيق الخيارات الدبلوماسية لروسيا في مواجهة العزلة الدولية المتزايدة، على الرغم من أن هذا الحضور الجماعي لقادة آسيا الوسطى تحديداً، في لحظة “التقشف العسكري” التي ظهر بها العرض، كان يهدف إلى تعويض غياب القوة المادية بظهور سياسي متماسك يمنح الانطباع بأن موسكو لا تزال تحتفظ بمركزيتها الإقليمية.
إلا أن البعد الدبلوماسي الأكثر استثنائية تمثل في حضور رئيس الوزراء السلوفاكي، روبرت فيتسو، الذي شكّل حضوره خرقاً للموقف الأوروبي الموحد؛ وهو حضور لم يكن بروتوكولياً بقدر ما كان وظيفياً، حيث تشير التحليلات الوازنة إلى أنه لعب دور “القناة الخلفية” بحمله رسالة من زيلينسكي إلى بوتين. إن هذا التحرك يثبت أن قنوات الاتصال السرية لا تزال نابضة تحت ركام التصعيد الإعلامي، وأن الأطراف، رغم لغة التهديد الصاروخي والانتشار الدفاعي المكثف، لا تزال تبحث عن مخارج خلفية لتجاوز الانسداد الراهن في تسوية الصراع.
إن هذا التشابك المعقد بين “تقشف القوة” ميدانياً و”قنوات الظل” دبلوماسياً يعزز فرضية أن “هدنة ترامب” لم تكن مجرد صدفة توقيت، بل ثمرة لتقاطعات جرت خلف الستار، مما يُثبت بصورة موضوعية أن الهدنة كانت ضرورة روسية ملحة بقدر ما كانت مبادرة أمريكية طموحة، وأن موسكو انخرطت فيها من موضع الحاجة لتأمين جبهتها الداخلية المنهكة، لا من موضع الندّية أو الفائض الاستراتيجي.
هل الهدنة جادة أم خاطفة؟ — قراءة في المؤشرات المتعارضة
تتطلب الإجابة عن تساؤل “جدية الهدنة” تفكيكاً استراتيجياً يتجاوز السطح السياسي المباشر للغوص في بنية الدوافع العميقة التي تحرك أطراف الصراع، حيث يتبدى مستوى “البراغماتية الاضطرارية” في النوايا المعلنة ليكشف أن القبول بالتهدئة لم يكن نابعاً من تقارب في الرؤى، بل من “تقاطع المصالح القسرية”؛ فبينما وجدت موسكو في الهدنة ضرورة أمنية وجودية لتحصين رمزية “يوم النصر” من الاختراقات المذلة، أدركت كييف أن رفض المبادرة سيضعها في مأزق دبلوماسي يصورها كقوة تعيق مسارات التهدئة والسلام، في حين مثّل هذا القبول “نصراً سياسياً” للرئيس ترامب الساعي لتكريس صورته كصانع سلام عالمي، مما يجعلنا أمام “هدنة تحت ضغط الحاجة” يخشى فيها كل طرف الكلفة السياسية للرفض أكثر من رغبته في التهدئة ذاتها.
ويتوازى هذا المشهد مع مستوى “الاشتباك الرقمي” والسلوك الميداني الفعلي الذي يكشف عن فجوة هائلة بين الخطاب السياسي والواقع العملياتي، إذ استمر الطرفان في ممارسة “الهجوم الدفاعي” وتبادل الاتهامات حتى اللحظات الأخيرة، وما حديث الرئيس زيلينسكي عن تعرض أوكرانيا لأكثر من 850 هجوماً بالمسيّرات الروسية، ورد كييف النوعي باستهداف منشأة نفطية في “ياروسلافل”، إلا برهان على أن الميدان لا يزال محكوماً بعقيدة “الريبة المتبادلة” التي تدفع الجميع نحو الاستباق القتالي لضمان عدم منح الخصم ميزة ميدانية خلال فترة السكون الظاهري.
أما على مستوى “الهندسة البنيوية” وعقبات الاستدامة، فتواجه الهدنة معضلة غياب الأطر الضامنة، إذ إن المفاوضات انتهت إلى “استراحة ظرفية” دون اختراقات في القضايا السيادية والحدودية، وزاد من تعقيد الموقف تشتت التركيز الاستراتيجي لواشنطن نحو الحرب على إيران، مما أدى لتراجع الزخم الذي كان يمثل المحرك الإيقاعي للعملية التفاوضية.
وبناءً على هذه المعطيات، تبرز الحقيقة الاستراتيجية بأن الهدنة الثلاثية الحالية ليست “جادة” كتعبير عن نضج سياسي للتحول نحو الحل، بل هي “جادة” فقط في إثبات فاعلية “الضامن القسري” وقدرة الأطراف على الامتثال اللحظي حين يمارس الثقل الأمريكي ضغوطاً مرتبطة بحوافز ملموسة كصفقة تبادل الأسرى “ألف مقابل ألف”؛ مما يعني أننا لسنا أمام “بداية النهاية” للحرب، بل أمام مرحلة “إدارة الصراع بالتهدئة القسرية” التي تبقى فيها الهدنة “خاطفة” وقابلة للانهيار ما لم تتحول من مجرد إجراء أمني مؤقت إلى مشروع سياسي متكامل يحظى بضمانات دولية عابرة للأزمات الطارئة.
العقبات البنيوية أمام السلام الدائم
إن الغوص في بنية العقبات الهيكلية التي تعترض مسار السلام المستدام يكشف عن تعقيدات تتجاوز الترتيبات الميدانية لتلامس صراع الإرادات الوجودية؛ فوفقاً للقراءات الاستراتيجية الصادرة عن مؤسسة “كارنيغي” وتقارير مراكز الدراسات الدولية المتابعة للملف التفاوضي، بالتوازي مع الإحاطات الأممية المرفوعة لمجلس الأمن، يتضح أن العملية التفاوضية محاصرة داخل خمسة مسارات متداخلة (عسكري، سياسي، اقتصادي، إقليمي، وضمانات أمنية)، حيث يبقى التقدم النسبي في “المسار العسكري” المتعلق بآليات تنفيذ وقف إطلاق النار مجرد قشرة رقيقة تصطدم بصعوبة المسارات الأخرى التي يعطل بعضها بعضاً في دورة حتمية من التعقيد.
وتبرز مسألة الأراضي كأشد هذه العقبات استعصاءً، إذ تصر موسكو على مقايضة السلام بانسحاب أوكراني من أجزاء حيوية في إقليم دونيتسك عجزت الآلة العسكرية الروسية عن احتلالها طيلة سنوات الغزو الشامل، وهو ما تقابله كييف برفض قطعي للتخلي عن أراضٍ تقع تحت سيادتها الفعلية، ورغم ما يتردد في كواليس “التقييم الداخلي” الأوكراني حول دراسة خيارات مؤلمة بشأن أجزاء من دونباس، إلا أن الهوة بين الموقفين تبقى “تناقضاً صفرياً” غير قابل للجسر بالوسائل التقليدية.
أما المعضلة الثانية التي ترهن مستقبل الاستقرار، فتتمثل في هندسة “الضمانات الأمنية”؛ حيث تسعى أوكرانيا لانتزاع التزامات ترتقي لمستوى “المادة الخامسة” من ميثاق الناتو دون نيل العضوية الرسمية، مدعومة بمقترحات بريطانية وفرنسية لإنشاء “قواعد حصينة” وبنية تحتية عسكرية متطورة على أراضيها، وهو ما تعتبره روسيا خطاً أحمر استراتيجياً، إذ ترفض أي وجود عسكري للحلف تحت أي مسمى. هذا الصدام بين حاجة أوكرانيا لضمانات تحمي بقاءها وبين الهواجس الروسية الأمنية يخلق حالة من “الانسداد الوجودي” الذي لا يمكن تفكيكه بصياغات دبلوماسية مرنة، بل يتطلب تنازلات بنيوية ترفض الأطراف تقديمها حتى الآن. وتكتمل هذه الحلقة المفرغة بالموقف الروسي الذي يشترط “التسوية الشاملة” قبل “الهدنة”، في مفارقة منطقية تجعل من المستحيل توفير المناخ اللازم للتفاوض دون وقف القتال أولاً.
وفي سياق المناورة الجيوسياسية، تبرز القراءة التحليلية العميقة لمسار “التفاوض الاقتصادي” الذي تديره موسكو، حيث يُنظر إليه كأداة لاستمالة إدارة ترامب وتحييد الضغوط لا كجسر حقيقي نحو السلام؛ فالعروض الروسية التي بدأت بالمعادن النادرة في 2025 ووصلت إلى طرح “صفقة تريليونية” خيالية بقيمة أربعة عشر تريليون دولار تشمل قطاعات الهيدروكربونات وإعادة الإعمار، وُصفت من قبل خبراء “كارنيغي” بأنها “خيال جيوسياسي” يتجاوز القدرات الفعلية للاقتصاد الروسي بأضعاف مضاعفة. إن طرح هذه الأرقام الفلكية، التي تتخطى الناتج المحلي الإجمالي الروسي بمرات عديدة، يعزز القناعة بأن موسكو تمارس استراتيجية “التعطيل الناعم” من الداخل، عبر إغراق طاولة المفاوضات بوعود اقتصادية كبرى تداعب رغبات واشنطن، في حين تظل على الأرض متمسكة بمواقفها الراديكالية التي تمنع أي تحول حقيقي من حالة الحرب إلى حالة السلام المستدام.
هل تُشكّل الهدنة بداية أمل لوقف الحرب؟
يُعد التساؤل حول ما إذا كانت هذه الهدنة تمثل “بداية النهاية” للحرب الروسية على أوكرانيا السؤال الأعمق والأكثر حساسية في المشهد الراهن، وهو ما يستوجب إجابة مقيدة بالأمانة الفكرية ومنضبطة بصرامة المعطيات الاستراتيجية؛ فإذا طُرح التساؤل بصياغته المثالية “هل الهدنة فاتحة لسلام دائم؟” فإن الجواب المدعوم بوقائع الميدان وتعنت المواقف هو “لا” حتمية ومباشرة. أما إذا طُرح بصيغة مغايرة كإضافة صافية لمسار السلام الممكن، فالجواب يصبح “نعم” مشروطة بهوامش مناورة محدودة.
تكمن القيمة المضافة لهذه الهدنة في ثلاثة عناصر جوهرية؛ أولها أنها قدمت برهاناً عملياً على أن الأطراف المتحاربة تملك القدرة على الامتثال ووقف الآلة الحربية حين يتوفر “الضامن الموثوق” والمقابل الملموس، وهو درس تجريبي لم يتأكد بهذا الوضوح منذ اندلاع الغزو الشامل. وثانيها أن نجاح عملية تبادل الأسرى بصيغة “ألف مقابل ألف” قد يرسخ قناة تواصل إنسانية-تقنية عابرة للاستقطاب السياسي، وهذه القنوات تشكل تاريخياً في النزاعات الطويلة “نسيجاً رابطاً” يسهّل الانتقال اللاحق نحو القضايا السيادية الأكثر تعقيداً. أما العنصر الثالث، فيتمثل في التراكم الذي أنجزته مفاوضات “ميامي” في مسارها العسكري التطبيقي؛ فرغم توقفها الظرفي، إلا أنها وضعت اللبنات التقنية الصامتة لآليات مراقبة وقف إطلاق النار وتحديد معايير الانتهاكات، وهي بنية تحتية ضرورية لأي تسوية مستقبلية.
وفي المقابل، يبقى هذا الأمل مكبلاً بعوامل بنيوية تحول دون تحوله إلى واقع مستدام؛ فموسكو لا تزال تتحرك وفق عقيدة “الرهان على الزمن”، حيث يعتقد الرئيس بوتين أن الصمود الاستراتيجي للغرب في تآكل مستمر، وأن الضغوط الاقتصادية المتراكمة ستؤدي حتماً إلى إضعاف الموقف التفاوضي لكييف، بالتوازي مع تحولات سياسية محتملة في العواصم الأوروبية قد تفرز حكومات أقل حماساً لدعم أوكرانيا، وطالما بقي هذا الاعتقاد راسخاً في الكرملين، فإن تقديم تنازلات جوهرية سيكون أمراً بعيد المنال. ويضاف إلى ذلك عامل “تشتت التركيز الاستراتيجي” لواشنطن، حيث أدى انصراف الثقل الأمريكي جزئياً نحو احتواء الملف الإيراني المتفجر إلى إفراغ المسار الأوكراني من “الزخم الضاغط” الذي كان يمنحه الثقل والسرعة.
وبناءً على هذه القراءة المتقاطعة، تُشير تقديرات أسواق المراهنات السياسية ومراكز الاستشراف الاستراتيجي إلى احتمالية تصل لنحو 46% لبلوغ اتفاق هدنة رسمية شاملة خلال عام 2026، وهو رقم يعكس بدقة حالة “التعادل السلبي” بين قوى الدفع نحو التسوية وقوى الإبقاء على الحرب؛ مما يجعل من هذه الهدنة مجرد “نافذة اضطرارية” للتنفس في حرب منهكة، أكثر من كونها جسراً آمناً نحو سلام ناجز.
الهدنة كاختبار لا كحسم
الهدنة من التاسع إلى الحادي عشر من مايو 2026 لا تُقرأ بشكلها الصحيح إلا حين تُوضع في سياقها السليم: هي ليست إشارة سلام ولا مجرد فاصل تكتيكي عابر، بل هي اختبار أول لإمكانية السلام في الشروط القائمة، وشاهد على جملة من الحقائق البنيوية التي ستحكم مسار أي تسوية مقبلة.
أثبتت أن الوساطة الأمريكية قادرة على انتزاع موافقة الطرفين حين يُوجَد الإطار المناسب. وأثبتت أن ردود الفعل الروسية تكشف عن دولة تشعر بحاجة إلى الهدنة أكثر مما تريد الاعتراف بذلك. وأثبتت أن أوكرانيا أتقنت فن الاستخدام المُزدوج لأدوات السلم والحرب معاً في خدمة موقفها التفاوضي، حين جعلت من وثيقة دبلوماسية سلاحاً نفسياً يُعادل في أثره كثيراً من العمليات العسكرية.
لكن الهدنة أثبتت أيضاً أن الفجوة بين وقف إطلاق النار التكتيكي ووقف الحرب الاستراتيجي لا تزال واسعةً، وأن ردمها يستلزم تحولات في الحسابات الروسية لم تتوفّر بعد، وأن الطريق إلى السلام الدائم لا يمرّ بهدنة ثلاثة أيام فحسب، بل يمرّ بإجابات صعبة عن الأرض والحدود والضمانات والهوية، وهي أسئلة لم تجد بعد من يجرؤ على الإجابة عنها من موضع الإرادة الحقيقية لا من موضع الاضطرار المحسوب.
ترامب وصفها بـ”بداية النهاية”. وهو وصف يعكس رغبته في الإنجاز أكثر مما يعكس قراءة حرفية للمشهد. أما قراءة التحليل الاستراتيجي الأمينة فهي أن هذه الهدنة قد تكون في أحسن تأويلاتها بذرة مسار لا نهايةً لحرب، وأن الفارق بين البذرة والشجرة هو كل ما يستحق المتابعة والرصد في الأشهر القادمة.

