من القرصنة الروسية إلى الموانئ الإسرائيلية: تفكيك التواطؤ الإسرائيلي في تبييض الحبوب الأوكرانية المنهوبة وتمويل آلة الحرب الروسية

من القرصنة الروسية إلى الموانئ الإسرائيلية: تفكيك التواطؤ الإسرائيلي في تبييض الحبوب الأوكرانية المنهوبة وتمويل آلة الحرب الروسية

من القرصنة الروسية إلى الموانئ الإسرائيلية:

تفكيك التواطؤ الإسرائيلي في تبييض الحبوب الأوكرانية المنهوبة وتمويل آلة الحرب الروسية

مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية

د. سعيد سلّام – مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية

30\4\2026

تتجه العلاقات الأوكرانية الإسرائيلية نحو مواجهة استراتيجية شاملة ومنعطف تاريخي غير مسبوق، يتجاوز في أبعاده الأطر الدبلوماسية التقليدية ليدخل مرحلة الصدام الجيوسياسي الكامل، حيث أن الخلاف ليس مقتصرًا فقط على الجوانب التقنية لتجارة الحبوب أو تأمين سلاسل التوريد، بل تحول إلى مواجهة سيادية وقيمية وشخصية مفتوحة يقودها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مباشرة، وبشكل صدامي غير معهود، ضد العقيدة السياسية لحكومة بنيامين نتنياهو التي تتهمها كييف بتبني براغماتية لا أخلاقية تخدم الأجندة التوسعية للكرملين وتوفر رئة اقتصادية حيوية لموسكو في ذروة نظام العقوبات الدولية المشدد المفروض عليها.

وفي تصعيد دراماتيكي يعكس وصول السيل الزبى واستنفاد كافة قنوات المناورة الدبلوماسية، تحدث الرئيس زيلينسكي في كلمته اليومية للشعب الأوكراني بنبرة اتسمت بالتوصيف الجرمي الاستباقي والقوة الأخلاقية، محولاً المواجهة من خلاف أوكراني إسرائيلي إلى قضية أمن عالمي، إذ شدد على أن شراء السلع المسروقة وتحويل الموانئ الإسرائيلية إلى منصة لغسيل المنهوبات ليس مجرد خطأ تجاري عابر أو استغلال لثغرات السوق الحرة، بل هو فعل جنائي دولي مكتمل الأركان يستوجب المحاسبة تحت بند تمويل الإرهاب العابر للحدود ودعم الغزو الروسي لأوكرانيا. وحذر زيلينسكي بوضوح غير مسبوق من أن كل رغيف خبز يُنتج من “الحبوب الملطخة بالدماء” المفرغة في الموانئ الإسرائيلية يمثل في الجوهر مساهمة مالية مباشرة في آلة الحرب الروسية، وتمويلاً للصواريخ التي تستهدف تدمير البنية التحتية للطاقة وقتل المدنيين الأوكرانيين، معتبراً أن الاستثمار في الموارد المنهوبة هو شراكة في الجريمة لا تسقط بالتقادم. وعزز زيلينسكي حديثه بكشف النقاب عن معطيات استخباراتية عالية الحساسية، ناتجة عن عمليات تعقب تقني سيبراني وفضائي متطورة بالتعاون مع وكالات استخبارات حليفة، توفر أدلة مادية غير قابلة للدحض تفيد برصد ناقلتين ضخمتين داخل أرصفة ميناء حيفا، محملتين بآلاف الأطنان من القمح والشعير المسروق من صوامع الأراضي الأوكرانية المحتلة مؤقتاً، وهي الشحنات التي خضعت لعمليات تعمية لوجستية عبر بروتوكولات غسيل المنشأ المعقدة وعمليات النقل من سفينة إلى أخرى في المناطق الرمادية من عرض البحر لإخفاء هويتها الملاحية الحقيقية وتجنب الملاحقة. وقد شدد الرئيس زيلينسكي أن السلطات الإسرائيلية، بامتلاكها منظومات رقابة أمنية وإدارة موانئ تعد الأحدث والأكثر صرامة وتطوراً على مستوى العالم، لا يمكنها بأي حال من الأحوال التذرع بالعمى الدبلوماسي أو ادعاء الغفلة والجهل المتعمد حيال هوية السفن المشبوهة التي ترسو في مياهها الإقليمية، أو المصدر الحقيقي لحمولاتها المنهوبة التي انتُزعت تحت تهديد السلاح من المزارعين الأوكرانيين في المناطق المحتلة.

وترى كييف أن هذا السلوك الإسرائيلي يتجاوز كونه تغاضياً تجارياً ليصبح انتهاكاً صارخاً للسيادة الأوكرانية وازدراءً علنياً لمواثيق جنيف الرابعة والبروتوكولات الدولية التي تُجرم بشكل قاطع نهب الموارد الطبيعية والزراعية في الأراضي الواقعة تحت الاحتلال، وهو ما يضع تل أبيب، وفق المنظور الاستراتيجي الأوكراني الجديد، في خندق واحد مع القوى التي تسعى لتقويض النظام الدولي القائم على القواعد، محولاً الحياد المدعى من موقف سياسي إلى تواطؤ وظيفي يهدف للتربح من اقتصاديات الحرب، حيث أكدت كييف أن الصمت على سرقة الرغيف الأوكراني يمثل شرعنة لسياسة النهب الجيوسياسي التي ينتهجها الكرملين بمساندة مستترة من أطراف إقليمية تسعى لتحقيق مكاسب آنية على حساب دماء الشعوب.

وبناءً على جميع هذه المعطيات، أعلن الرئيس الأوكراني عن تفعيل عقيدة الردع الاقتصادي، عبر الإيعاز للأجهزة الأمنية والقانونية المختصة بفرض حزمة عقوبات شاملة وفورية على إسرائيل، يتم التنسيق بشأنها على أعلى المستويات السيادية مع المفوضية الأوروبية لضمان تحويلها إلى عقوبات ثانوية عابرة للحدود، حيث لا تقتصر هذه الإجراءات على إدراج الناقلين والشركات المشغلة في القوائم السوداء، بل تمتد لتضرب العمق المالي للكيانات الإسرائيلية المتورطة في تغطية هذه الصفقات بأموال “ملطخة بالدماء”، وتستهدف هذه الخطوة وضع الشركات والبنوك الإسرائيلية تحت مقصلة القانون الأوروبي وقانون ماجنيتسكي، مما ينذر بعزل هذه الكيانات عن النظام المالي العالمي، في سابقة استراتيجية قد تعيد تعريف أسس التعاون الاقتصادي والأمني بين إسرائيل والقارة الأوروبية، وتضع تل أبيب أمام خيار مصيري بين الحفاظ على تفاهماتها مع موسكو أو حماية شراكاتها الاستراتيجية مع الغرب.

وتكشف التحليلات المعمقة والبيانات الاستخباراتية المتقاطعة، ولا سيما ما تضمنه التحقيق الاستقصائي المشترك لصحيفة هآرتس والمركز الأوكراني للتحقيقات الصحفية، عن تفعيل روسيا لبروتوكول غسيل فائق التعقيد يدار مباشرة من غرف العمليات اللوجستية في الكرملين، بهدف الالتفاف على الرقابة الدولية وتحويل الموانئ الإسرائيلية إلى محطات تفريغ نهائية لغنائم الحرب.

وقد تمكن المحققون من تفكيك شيفرة مسارات السفن عبر منهجية التقاطع المعلوماتي الثلاثي، التي قاطعت بيانات الملاحة العالمية (MarineTraffic) مع الصور الرادارية والبصرية عالية الدقة من أقمار (Planet Labs) وبرنامج كوبيرنيكوس التابع للاتحاد الأوروبي، مما كشف عن هندسة لوجستية تعتمد على التضليل المكاني؛ إذ تبين أن هذه العمليات لا تنطلق من موانئ روسية رسمية خاضعة للتدقيق، بل تعتمد تكتيك أساطيل الظل أو السفن الشبح التي يتم التلاعب بهويتها الرقمية بشكل ممنهج، وتعتمد هذه الآلية على تنفيذ عمليات نقل من سفينة إلى أخرى في نقاط ميتة جيوسياسياً تقع جنوب مضيق كيرتش، وهي مناطق رمادية ملاحياً تُستخدم كستار لتنفيذ غسيل المنشأ، حيث تفرغ سفن صغيرة الحمولات المنهوبة في ناقلات ضخمة مُعدة للتصدير الدولي، مع الإغلاق المتعمد والممنهج لنظام التعريف الآلي لطمس البصمة الجغرافية وقطع سلسلة التتبع الرقمي التي تربط هذه السفن بالموانئ الأوكرانية المحتلة في سيفاستوبول وبيرديانسك وكيرتش.

إن هذا الاختراق التقني الذي كشفته كييف، معززاً بأدلة بصرية لا تقبل التأويل، يضع الرقابة المينائية الإسرائيلية ومنظومتها الاستخباراتية والاقتصادية أمام استحقاق قانوني وأخلاقي حاسم يُسقط بالضرورة فرضية حسن النية أو الجهل بالمنشأ، ويحول قبول هذه الشحنات من مجرد نشاط تجاري إلى اعتراف ضمني بنتائج الغزو والاحتلال وتكريس لسياسة الاستيلاء على الأراضي بالقوة المسلحة، وهو ما تصنفه أوكرانيا كتهديد وجودي مباشر ومنظم لمنظومة القيم التي تأسس عليها الأمن الجماعي والقانون الدولي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، محذرة من أن التساهل مع قرصنة الموارد يؤسس لسابقة جيوسياسية تشرعن الفوضى في إدارة التجارة العالمية.

ووفقاً لنتائج التحقيقات الميدانية الأخيرة المتقاطعة مع تسريبات استخباراتية عالية الموثوقية، فقد كُشف النقاب عن حجم التغلغل الروسي الهيكلي في السوق الإسرائيلية. إذ شهد العام الجاري وحده تفريغ أربع شحنات ضخمة من الحبوب الأوكرانية المنهوبة في الموانئ الإسرائيلية، في حين رصدت الرادارات الملاحية وأنظمة التتبع السيبراني سلوكاً مريباً لسبع سفن أخرى خلال عام 2023، مما يقطع بوجود محاولات منظمة ومعقدة لإخفاء المنشأ الحقيقي لشحنات تُسوّق بأسعار تفضيلية مغرية تقل عن السعر العالمي السائد بنسبة تتراوح بين 20% إلى 30%. إن هذا الفارق السعري الكبير لا يمثل مجرد ميزة تنافسية، بل هو في الجوهر حافز استراتيجي لا أخلاقي يهدف إلى توريط القطاع الخاص الإسرائيلي في اقتصاديات الحرب، ويدفع المستوردين لاستغلال اضطرابات سلاسل التوريد العالمية لتأمين الاحتياجات الغذائية بأسعار زهيدة تقتات مباشرة على دماء ومقدرات المزارعين الأوكرانيين في المناطق الواقعة تحت الاحتلال. وبناءً على هذا المسار اللوجستي الملتوي، يتحول الغذاء في إسرائيل، عبر هذا التواطؤ التجاري المغلف بالبراغماتية الباردة، إلى قناة تمويل حيوية وغير مباشرة تغذي الخزينة العسكرية للكرملين، وتمنح آلة القتل الروسية القدرة على الاستمرار في عملياتها الهجومية وتقويض الأمن الاستراتيجي الأوروبي.

وتتبدى خطورة الموقف عند فحص إحصائيات التوريد الصادمة التي تعكس استراتيجية روسية ممنهجة لاستخدام الغذاء كسلاح مالي وسياسي، حيث تظهر الوثائق الرسمية الروسية المسربة والبيانات اللوجستية مرور أكثر من 120 شحنة ضخمة من الحبوب المنهوبة عبر الموانئ الأوكرانية المحتلة، كانت إسرائيل الوجهة الرئيسية لـ 31 شحنة منها في الفترة ما بين 2022 و2023، بإجمالي ناهز 90 ألف طن، وهو ما يمثل نسبة كارثية تعادل 25% من إجمالي الكتلة الحيوية للحبوب التي سطت عليها روسيا في تلك المرحلة.

وبالرغم من أن كييف بادرت بتقديم ملفات أدلة استباقية متكاملة مدعومة بوثائق ملكية قانونية وخرائط أقمار صناعية آنية ترصد مسار السرقة المنظمة من الحقول الأوكرانية وصولاً إلى الموانئ، إلا أن السلطات في تل أبيب واصلت منح تصاريح الرسو والتفريغ في موانئ حيفا وأسدود بدم بارد، ضاربة عرض الحائط بكل التحذيرات السيادية، وقد بلغ هذا التجاهل ذروته العملياتية في مطلع أبريل 2026، حين أفرغت السفينة (ABINSK) التي تحمل رقم المنظمة البحرية الدولية (IMO: 9303869) حمولة تجاوزت 43 ألف طن من القمح المسروق، في وقت ترابط فيه السفينة (PANORAMITIS) حالياً في حالة تأهب لتفريغ شحنة إضافية تقدر بـ 6.2 ألف طن من القمح و19 ألف طن من الشعير المنهوب، مما يمثل تحدياً صارخاً لقرارات الشرعية الدولية.

وتكمن الخطورة الاستراتيجية في أن إسرائيل، بقبولها لهذه الشحنات، تمنح موسكو اعترافاً اقتصادياً ضمنياً بالأمر الواقع في الأراضي المحتلة، وهو ما يتجاوز كونه خللاً تجارياً ليصبح خرقاً جسيماً لمنظومة العقوبات الدولية، حيث تساهم هذه الأموال في الالتفاف على العزلة المالية لروسيا، وتحويل الموانئ الإسرائيلية إلى ثغرة جيوسياسية في جدار الردع الغربي، مما يضع تل أبيب في مواجهة مباشرة مع التزاماتها الدولية ومعايير التجارة الأخلاقية التي تحظر التربح من جرائم الحرب ونهب الموارد السيادية للشعوب.

وعلى وقع هذا التمادي الاستراتيجي، انتقلت الخارجية الأوكرانية من طور التحذير السياسي إلى طور “الاشتباك الإجرائي” باتخاذ خطوة دبلوماسية حازمة تمثلت في استدعاء السفير الإسرائيلي في كييف وتسليمه مذكرة تنديد شديدة اللهجة، لم تكتفِ بالاحتجاج البروتوكولي المعتاد، بل تضمنت مطالبة رسمية بتفعيل بروتوكولات “المساعدة القانونية المتبادلة” لاتخاذ تدابير قضائية فورية تشمل إصدار أوامر حجز تحفظي ومنع من الإبحار، واحتجاز السفن وحمولاتها داخل المياه الإقليمية الإسرائيلية بوصفها ممتلكات منهوبة وأدلة جرمية خاضعة للولاية القضائية الدولية ومواثيق الأمم المتحدة المتعلقة بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. كما شددت المذكرة على ضرورة إخضاع الربابنة والطواقم الملاحية لاستجوابات أمنية فورية تحت إشراف مراقبين دوليين لتحديد سلاسل التوريد الخلفية، محذرة من أن تقاعس السلطات القضائية في تل أبيب عن التحفظ على هذه الشحنات سيعد إمعاناً في انتهاك اتفاقية جنيف الرابعة، ويمنح أوكرانيا الحق السيادي في ملاحقة الكيانات المشغلة للموانئ الإسرائيلية أمام المحاكم الدولية بتهمة “التواطؤ العمدي” في إخفاء معالم جريمة نهب الموارد الوطنية أثناء النزاعات المسلحة، وهو ما يضع المنظومة القانونية الإسرائيلية برمتها تحت مجهر الرقابة الدولية المشددة.

وفي تحول استراتيجي لافت، اصطف الاتحاد الأوروبي بثقله السياسي والاقتصادي إلى جانب أوكرانيا، حيث انتقلت بروكسل من مربع “التضامن اللفظي” إلى مربع “الردع الهيكلي” بالشروع في صياغة مسودة عقوبات قاسية تستهدف الكيانات المالية واللوجستية الإسرائيلية المتورطة في تبييض وتدوير عوائد الحبوب المنهوبة، وذلك عبر تفعيل آليات “الرقابة على سلاسل التوريد العادلة” وتوسيع نطاق “نظام العقوبات العالمي لحقوق الإنسان” التابع للاتحاد، في مشهد يعكس تحولاً جذرياً في العقيدة الدبلوماسية الأوكرانية التي باتت تطلب من بروكسل ممارسة ولايتها العقابية العابرة للقارات لفرض حصار مالي على “الوسطاء الجيوسياسيين”، مؤذنةً ببروز “محور أخلاقي دولي” يسعى لتحويل المعايير الأوروبية إلى أداة ضغط عالمية تهدف بصرامة إلى تجفيف منابع الاقتصاد الأسود وتفكيك شبكات “أساطيل الظل” التي تغذي الطموحات التوسعية للكرملين، مما يضع الشركات الإسرائيلية أمام خطر الحرمان من الوصول إلى السوق الموحدة ونظام “سويفت” الأوروبي، ويؤسس لسابقة قانونية تعتبر “التربح من نهب موارد الدول التي تعاني من عدوان” سبباً كافياً للعزل المالي التام والادراج في القوائم السوداء للمفوضية الأوروبية.

أوكرانيا و “إسرائيل العظمى”

وفي المقابل، ترفض تل أبيب هذه الاتهامات الأوكرانية بحدة دبلوماسية لافتة تعكس حالة من الدفاع الهجومي، إذ صرح وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، برفضه القاطع لما أسماه دبلوماسية التويتر والمنابر الإعلامية، مطالباً بتقديم الأدلة الدامغة عبر القنوات الاستخباراتية والرسمية المعتمدة، في محاولة لترحيل الأزمة من الفضاء العام إلى الأروقة المغلقة لتمييع ضغط الرأي العام العالمي، مع التشديد على أن إسرائيل قدمت مساعدات إنسانية ولوجستية حيوية لكييف شملت مولدات الطاقة المتطورة وأنظمة الإنقاذ الإغاثية. وفي ذات السياق التصعيدي، ذهبت رئيسة لجنة العمل والرفاه في الكنيست، ميخال فولديغير، إلى توصيف التحذيرات الأوكرانية بنكران الجميل، مستحضرةً سجل المستشفيات الميدانية والمساعدات الدفاعية الأولية التي قدمتها إسرائيل في مطلع الغزو الروسي الشامل، في محاولة استراتيجية لتصدير رواية إسرائيلية مضادة ترتكز على الاستثمار في البعد الإغاثي للتغطية على الاتهامات المتعلقة بالتواطؤ التجاري والهيكلي في ملف الحبوب المسروقة.

إن هذا التراشق اللفظي يعكس عمق الفجوة الأخلاقية والسياسية التي باتت تفصل بين رؤية كييف للعدالة الدولية القائمة على مبادئ السيادة، وبين براغماتية تل أبيب الأمنية التي تعطي الأولوية للحفاظ على توازناتها مع موسكو، ولو كان ذلك عبر قنوات اقتصاد الظل الذي يغذي آلة الحرب.

وخلال الأيام الماضية دخل السجال في الميديا الإسرائيلية طوراً من الغليان الجيوسياسي، حيث لم تعد المقالات التحليلية في كبرى الصحف الإسرائيلية مجرد منصات للرصد، بل تحولت إلى جبهة للدفاع عن السيادة البراغماتية ضد ما وصفته بالهجوم الدبلوماسي الأوكراني. وبلغت هذه الموجة ذروتها ببروز نبرة تحدٍ سيادي غير مسبوقة، صاغها مراقبون يمينيون اتهموا كييف بممارسة الابتزاز الأخلاقي العابر للقارات ومحاولة هندسة القضاء الإسرائيلي عبر لغة الإنذارات، معتبرين أن مطالبة السلطات بمصادرة حمولات تجارية خاصة دون سند قانوني قطعي هو شرعنة لديكتاتورية المظلومية على حساب الأصول الدستورية وفصل السلطات. وذهبت التحليلات الأعمق في (Israel Hayom) إلى التحذير من مغبة تدويل القضاء المحلي وجرّه ليصبح أداة في صراعات دولية بالوكالة، مما قد يقوض ثقة المستثمرين في حياد المنظومة القانونية الإسرائيلية.

وفي موازاة ذلك، كشفت تقارير المتابعة الاستخباراتية والسياسية عن حالة من الإرهاق الدبلوماسي واستنفاد الصبر داخل دوائر صنع القرار في تل أبيب، تزامنت مع تحذيرات تقنية شديدة اللهجة في (Calcalist) من أن الرضوخ لتهديدات العقوبات الأوروبية الثانوية يمثل سابقة كارثية تمنح بروكسل وكييف حق النقض الجيوسياسي على المعاملات التجارية والسيادية الإسرائيلية، وهو ما يعكس في جوهره ذروة المأزق الاستراتيجي في الموازنة القلقة بين ضرورة الحفاظ على التحالف المستتر مع موسكو لضمان التوازنات الأمنية الحساسة في المنطقة، وبين الضغوط القانونية والأخلاقية المتسارعة التي تقودها جبهة أوكرانيا وحلفاؤها الغربيون. إن هذا الاشتباك يضع تل أبيب في مواجهة مكشوفة مع حقيقة بنيوية مفادها أن البراغماتية الباردة التي انتهجتها لسنوات باتت تتقاطع بشكل عضوي وخطير مع جرائم تمويل العدوان الروسي، مما يهدد بوضع الكيانات المالية الإسرائيلية تحت مقصلة قوانين الشفافية الملاحية الدولية، ويخاطر بعزلها عن المنظومة المالية الغربية بتهمة التواطؤ في غسيل الموارد المنهوبة الناتجة عن الصراعات المسلحة. وتعززت هذه الرؤية الدفاعية بتحليلات اقتصادية معمقة في صحيفة (Calcalist)، حذرت من أن الرضوخ للمطالب الأوكرانية سيؤدي حتماً إلى زعزعة استقرار سلاسل توريد الغذاء الاستراتيجية، ورفع كلفة استيراد القمح، مما يهدد استقرار أسعار الخبز ويلقي بتبعات التوتر الجيوسياسي مباشرة على كاهل المستهلك الإسرائيلي. ويرى المحللون الاقتصاديون أن تحميل الشركات والمستوردين من القطاع الخاص مسؤولية التحقق الجنائي من منشأ كل طن هو إجراء تعجيزي يتجاوز القدرات اللوجستية للشركات ويحولها إلى أدوات في صراع سياسي دولي لا ناقة لها فيه ولا جمل. وفي السياق القانوني، أشار خبراء في (The Times of Israel) إلى أن الصور الفضائية المسربة وتقارير المخابرات، رغم قوتها السياسية، لا ترقى لتكون وثائق ملكية قطعية بموجب القانون المدني الإسرائيلي الذي يمنح حماية صارمة للملكية الخاصة، مما يجعل مصادرة الشحنات دون أحكام قضائية نهائية خرقاً دستورياً للأصول القانونية للدولة.

وتتبلور حالياً في إسرائيل وجهة نظر القوى المناهضة للمقاربة الأوكرانية ضمن ثلاث ركائز متداخلة تشكل عقيدة المقاومة الدبلوماسية لهذا الملف. أولاً، التمسك الصارم بغياب العتبة القانونية للإثبات الجنائي داخل المحاكم المحلية، حيث يرى هؤلاء أن تقارير الملاحقة الميدانية لا ترقى لمستوى الأدلة القضائية الموجبة للمصادرة، مما يجعل أي استجابة لمطالب كييف خرقاً للمنظومة القانونية الإسرائيلية؛ ثانياً، التحذير من التبعات الجسيمة والضرر الاقتصادي المباشر على الأمن الغذائي القومي، في ظل مخاوف من أن يؤدي استهداف هذه الشحنات إلى اضطراب حاد في سلاسل التوريد ورفع كلفة المعيشة؛ وثالثاً، وهو الأهم سياسياً، الاعتراض المبدئي والجذري على مخاطبة إسرائيل من منطق قوة وفرض إملاءات سيادية تتجاوز الوزن الجيوسياسي الفعلي لأوكرانيا في إقليم الشرق الأوسط، وهو ما تعتبره هذه الدوائر مساساً بالهيبة الوطنية ومحاولة لجر تل أبيب إلى صراعات ليست طرفاً فيها.

ورغم انحصار هذه الانتقادات بنيوياً في دوائر اليمين القومي المتشدد وقطاع الأعمال والمستوردين، إلا أنها بدأت بالفعل في إحداث شرخ عمودي في الرأي العام الإسرائيلي، إذ يلاحظ أن الشارع الذي حافظ طويلاً على تعاطف مع أوكرانيا، بدأ يبدي علامات واضحة من التوجس والقلق من احتمالية الانزلاق نحو هزات تضخمية واقتصادية ناتجة عما بات يُعرف بـ”صراع الحبوب الملطخة بالدم”. هذا التحول في المزاج الشعبي ينذر بتآكل الحاضنة المجتمعية المؤيدة لأوكرانيا، مما قد يمنح الحكومة غطاءً سياسياً أوسع للمضي قدماً في سياسة البراغماتية الباردة وتجاهل الضغوط الأوكرانية، معتبرة أن حماية الجبهة الداخلية من التضخم تتقدم على الالتزامات الأخلاقية الدولية تجاه حلفاء الخارج.

وفي المقابل، يتبنى الإعلام الأوكراني في منصاته الرصينة استراتيجية الهجوم السيادي المضاد، حيث تتجاوز التحليلات الأوكرانية سردية المظلومية لتشرح بعمق ما تصفه بالانتهازية الجيوسياسية الإسرائيلية، إذ يرى المحللون في كييف أن تذرع تل أبيب بضرورات التنسيق الأمني في سوريا ليس سوى غطاء وظيفي للتهرب من الالتزامات الأخلاقية تجاه “المعسكر الديمقراطي”. وتشدد هذه القراءات الاستراتيجية على أن قبول إسرائيل للحبوب المنهوبة يحولها من لاعب محايد إلى شريك هيكلي في تمويل آلة الحرب الروسية التي تنتج المسيرات الإيرانية لضرب المدن الأوكرانية، وهي مفارقة تصفها الصحافة الأوكرانية بالخطيئة الاستراتيجية التي تقوي المحور الروسي الإيراني ضد أمن إسرائيل ذاتها في المدى البعيد.

علاوة على ذلك، تعيد التحليلات الاستقصائية الأوكرانية توصيف ملف الحبوب، ناقلةً إياه من دائرة “النشاط التجاري الرمادي” إلى سياق “قرصنة الدولة” الممنهجة ومكتملة الأركان، حيث تعتبر كييف أن التغاضي المتعمد للرقابة المينائية في حيفا وأسدود يمنح موسكو “صك غفران اقتصادي” وحصانة لوجستية لمواصلة نهب الموارد الوطنية السيادية، الأمر الذي ينقل المصداقية الأخلاقية الإسرائيلية من حيز المناورة السياسية إلى مجهر المساءلة القانونية الدولية، ويضعها في مواجهة مباشرة مع التزاماتها أمام مبادئ “العالمية القانونية” التي تُجرّم التربح من نتائج العدوان المسلح. فمن منظور كييف، لم يعد الصدام مع حكومة نتنياهو مجرد خلاف ثنائي، بل هو معركة مبدئية ضد انتقائية العدالة، حيث تروج بعض النخب الفكرية الأوكرانية لفكرة أن الدفاع عن سيادة أوكرانيا والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني هما وجهان لعملة واحدة قوامها احترام القانون الدولي، مما يجعل القطيعة الدبلوماسية الوشيكة خياراً أوكرانياً اضطرارياً لإجبار تل أبيب على إدراك أن ثمن البراغماتية الباردة مع الكرملين سيكون باهظاً جداً على مستوى مكانتها في المنظومة الأخلاقية الدولية وشراكاتها المستقبلية مع القارة الأوروبية.

ولا يمكن سبر أغوار هذا التمادي الإسرائيلي في التغاضي عن القرصنة الروسية بمعزل عن الديناميكيات الجيوسياسية المعقدة في منطقة الشرق الأوسط؛ ففي جوهر هذا الاشتباك الجيوسياسي تتجلى ملامح المقايضة الاستراتيجية الكبرى التي تشكل العصب الحيوي للتحالف الروسي الإسرائيلي المستتر، والذي انتقل قسرياً إلى طور إعادة التموضع مدفوعاً بالتحولات الدراماتيكية في المشهد السوري عقب سقوط النظام السابق، فمع الانهيار المتسارع للنفوذ الإيراني وتفكك البنية العسكرية لميليشياته، وبالتوازي مع الانكفاء الروسي الاضطراري نتيجة الاستنزاف الاستراتيجي في الجبهة الأوكرانية، لم تعد الجغرافيا السورية ساحة نفوذ صلبة أو منصة للإسقاط الجيوسياسي، بل تحولت إلى فضاء مفتوح لإدارة الانكماش القسري. هذا الواقع المستجد حوّل موسكو من ضامن عسكري مهيمن إلى “سمسار سياسي” يسعى بيأس للحفاظ على ما تبقى من رمزيته الإقليمية عبر تبني سياسة “التواطؤ الهيكلي” التي تمنح إسرائيل هامش حركة يصل إلى فرض السيادة الجوية الفعلية في الأجواء السورية، مقابل ثمن باهظ ومقايضات حاسمة في ملفات دولية بالغة الحساسية، يبرز في مقدمتها الصمت الاستراتيجي الروسي الممنهج حيال الملفات المصيرية في فلسطين والعالم العربي، حيث تخلت موسكو عن إرثها التاريخي كداعم مزعوم للحقوق العربية، لتتحول إلى “منسق براغماتي وظيفي” يمرر الأجندات الأمنية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، في محاولة يائسة لاستخدام هذا التنسيق كرافعة جيوسياسية وأداة ضغط لتعويض خسارتها الوشيكة لمواقعها العسكرية، أو كـ “مصد رياح” سياسي يؤخر لحظة الاندحار الكامل مع تزايد إصرار “سوريا الجديدة” على إخراج القوات الروسية وإنهاء عقود القواعد في طرطوس وحميميم استعادةً للسيادة الوطنية الكاملة. وبناءً عليه، تحولت القضية الفلسطينية في ميزان الكرملين من “مبدأ سيادي” مُعلن إلى “ورقة مساومة” أخيرة تهدف لتأمين استمرار تدفق الحبوب الأوكرانية المنهوبة عبر الموانئ الإسرائيلية كشريان حياة مالي بديل، وتوفير غطاء “الوساطة الرمادية” التي تمارسها تل أبيب لتخفيف وطأة العزلة الدولية والاندحار الاستراتيجي الروسي من المنطقة، وهو ما يكشف عن هندسة جيوسياسية تضحي فيها موسكو بالثوابت العربية لضمان استمرارية آلة حربها في شرق أوروبا، في خطوة تعتبرها كييف “ازدواجية أخلاقية” وخذلاناً مزدوجاً للقيم الإنسانية ولحق الشعوب العربية والسورية في تقرير مصيرها بعيداً عن الوصاية العسكرية، بما يثبت وجود تحالف مصلحي بارد يبيع الحقوق التاريخية في “سوق النخاسة الجيوسياسية” لتأمين بقاء النفوذ المتآكل وتأخير لحظة الخروج من المياه الدافئة.

لهذا تبقى إسرائيل على الحياد في الحرب الروسية على اوكرانيا

إن التغاضي الإسرائيلي الممنهج عن تفريغ القمح الأوكراني المنهوب في موانئها لا يمكن قراءته كنشاط تجاري معزول، بل هو العملة السياسية الصعبة وسند الصرف الوحيد لسداد فاتورة هذه “المرونة الروسية”، إذ يمثل هذا التدفق غير القانوني للحبوب ضمانة لاستمرار القنوات المفتوحة وتأكيداً لالتزام تل أبيب الصارم بتحييد أسلحتها النوعية ومنع وصولها إلى كييف، ومن هنا تتبلور ملامح مقايضة أمنية تشتري فيها إسرائيل أمنها الإقليمي عبر شرعنة نهب الموارد السيادية الأوكرانية، محولةً رغيف الخبز المسروق إلى أداة لترسيخ توازنات القوة الجديدة، وشراكة صامتة في إطالة أمد العدوان الروسي عبر توفير الغطاء المالي واللوجستي اللازم لالتفاف الكرملين على العزلة الدولية، لا سيما وأن هذا التحالف يستند إلى رافعة نفوذ صلبة داخل مراكز صنع القرار في كلا البلدين، تتمثل في الكتلة البشرية التي تتجاوز مليوني مهاجر روسي يشكلون بيئة ضاغطة، واللوبي التقني والأوليغارشي العابر للحدود الذي يمتلك مصالح اقتصادية متشابكة تعمل كمصدات رياح سياسية تمنح هذه العلاقة حصانة بنوية ضد الضغوط الغربية ومطالبات كييف بفك هذا الارتباط الحرج، إذ يتجاوز هذا التداخل المصالحي حدود التنسيق الأمني ليصل إلى حد الارتباط العضوي الذي يجعل من الصعب على تل أبيب التخلي عن موسكو دون المغامرة بفتح جبهات إقليمية غير محسومة النتائج، مما يحول إسرائيل عملياً إلى “منطقة رمادية” تخدم استراتيجية الالتفاف الروسية وتكرس اعترافاً إسرائيلياً ضمنياً بالمرجعية الجيوسياسية الروسية المتبقية كقوة موازنة قادرة على ملء الفراغات الدولية، خاصة في ظل تذبذب الانخراط الأمريكي في المنطقة.

هذا الانكشاف الاستراتيجي لتحالف “المصالح الرمادية” وضع الدبلوماسية الأوكرانية أمام حتمية أخلاقية وسياسية لإنهاء حقبة “الحياد المفتعل”، والرد بصياغة معادلة جديدة ترتكز على وحدة المعايير الدولية، مما دفع الرئيس زيلينسكي لنقل المعركة إلى قلب الرواية الإسرائيلية عبر مسار تصاعدي من الاشتباك السيادي المفتوح، الذي لم يعد فيه ملف الحبوب المسروقة مجرد خلاف تجاري، بل تحول إلى ذروة التحول البنيوي في الأنماط الدبلوماسية التقليدية، فبعد سنوات من المحاولات الدؤوبة لكسر الجدار البراغماتي الإسرائيلي، انتقلت كييف إلى استراتيجية تفكيك المرتكزات الأخلاقية للموقف الإسرائيلي عبر تبني لغة توازن حازمة، تجلت بوضوح في إدانة أوكرانيا الصريحة للممارسات الإسرائيلية في قطاع غزة، حيث لم تتوانَ كييف عن توصيف المعاناة الإنسانية هناك بأنها نتاج لتجاوز مفرط لقواعد القانون الدولي الإنساني، وقد برز هذا التوجه في قمة “شانغري لا” للأمن وفي المحافل الأممية، حيث شدد الرئيس الأوكراني على أن حق الدفاع عن النفس لا يمنح تفويضاً مطلقاً لارتكاب انتهاكات بحق المدنيين أو فرض سياسات الحصار والتجويع، معتبراً أن ما يشهده القطاع يتطلب تدخلاً دولياً فورياً لضمان تدفق المساعدات الإغاثية دون عوائق. إن هذه الإدانة لم تكن مجرد موقف إنساني عابر، بل مثلت انعطافاً راديكالياً نحو لغة “وحدة المعايير الدولية” التي ترفض تجزئة المبادئ الأخلاقية، واضعةً تل أبيب أمام مرآة التزاماتها القانونية؛ إذ لا يمكن لمن يطالب بالعالمية في إدانة العدوان على أراضيه أن يصمت عن استهداف المدنيين في غزة.

وقد تُرجم هذا الموقف عملياً عبر تفعيل الاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية والاصطفاف التصويتي الصارم لصالح انتزاع عضويتها الكاملة في الأمم المتحدة، في رسالة جيوسياسية حازمة مفادها أن كييف انتقلت إلى التموضع في طليعة القوى العالمية المدافعة عن شمولية الشرعية الدولية، معلنةً رفضها القاطع لأي مقايضة استراتيجية تهدف للنيل من حقوق الشعوب المنكوبة في جبهات شرق أوروبا أو قلب العالم العربي. وهو ما ذهبت إليه الخارجية الأوكرانية في مذكراتها الدبلوماسية، حين شددت على أن تجزئة العدالة الدولية وشرعنة الاحتلال في أي سياق جغرافي هي التي منحت موسكو الغطاء الأخلاقي للاستمرار في عدوانها، محملةً تل أبيب كلفة استراتيجية باهظة لسياسة “الحياد الانتقائي” التي تقوض الحجة القانونية ضد القوى المعتدية وتعتبر تهديداً للأمن العالمي الشامل.

يتزامن هذا التحول الجذري في العقيدة الدبلوماسية الأوكرانية مع حزمة إجراءات عقابية ملموسة تهدف لنقل الصراع إلى الحيز الإجرائي الضاغط، حيث بدأت كييف بالتلويح الجدي بإلغاء إعفاء الإسرائيليين من تأشيرات الدخول لأوكرانيا، لإنهاء وضع الاستثناء الأمني الذي طالما استثمرت فيه تل أبيب، وصولاً إلى الخطاب الزلزالي في قمة “شانغري لا”، حيث صاغ زيلينسكي معادلة أمنية تربط عضوياً بين أمن أوروبا واستقرار الشرق الأوسط، محذراً من أن الصمت المطبق على نهب الموارد السيادية هو دعوة لتقويض أسس العقد الجيوسياسي العالمي وتعميم “قانون الغاب”.

زيلينسكي يعمل على تطوير العلاقات الاوكرانية مع دول الخليج العربي

إن هذا التطور الممنهج، المدفوع بتراكم الأدلة الجنائية، نقل المواجهة الاوكرانية – الاسرائيلية من حيز الاحتجاج الدبلوماسي إلى طور “الردع الهيكلي”، حيث غدا قرار العقوبات الوشيك ضد الشركات الإسرائيلية المتورطة في تبييض القمح المنهوب بمثابة إعلان رسمي لانتهاء حقبة الصبر الاستراتيجي، ومباشرة مواجهة شاملة ضد ما تصفه كييف “بالبراغماتية المظلمة” لحكومة نتنياهو، وهي المواجهة التي تسعى من خلالها أوكرانيا إلى كسر حلقة الوصل بين النهب الاقتصادي الروسي والتغطية اللوجستية الإسرائيلية، مؤكدة بصرامة سيادية أنها لن تسمح بتحويل مقدراتها الوطنية إلى “عملة سياسية” تستخدمها تل أبيب لسداد فاتورة توازنات القوة مع الكرملين في الملفات العربية والشرق أوسطية، أو استغلال رغيف الخبز الأوكراني كضمانة لاستمرار الصمت الروسي في سوريا، وهو ما يعكس انتقالاً راديكالياً في العقيدة العسكرية والسياسية لكييف، من التموضع في خندق الدفاع عن الأرض إلى شن هجوم استراتيجي لحماية الشرعية السيادية وتجفيف منابع تمويل العدوان العابر للحدود.

وفي هذا السياق، يحرص الرئيس زيلينسكي على ممارسة فصل دقيق بين النظام السياسي الإسرائيلي الحالي، الذي تراه كييف مرتهناً لمصالح براغماتية ضيقة وحسابات أمنية قصيرة النظر، وبين المكون والمجتمع اليهودي العالمي، لتستقر الرسالة الأوكرانية القاطعة كعنوان وحيد للمرحلة القادمة، مفادها أن كييف تؤسس لمنطق جيوسياسي جديد لا يقبل القسمة، يرتكز على أنه لا يمكن بناء شراكات استراتيجية أو أخلاقية خارج إطار الاعتراف الكامل بالسيادة والاحترام المطلق للقواعد الآمرة للقانون الدولي، مما يجعل التلويح الأوكراني بالاستعداد للمضي قدماً نحو القطيعة الدبلوماسية الكاملة ومقاطعة كافة المنصات الدولية التي تشرعن “تجارة الدم” بمثابة إنذار أخير يضع العلاقات الثنائية أمام منعطف تاريخي ينهي حقبة “الحياد المفتعل”، ويضع المصالح الاقتصادية العابرة للحدود في مواجهة حتمية ومباشرة مع استحقاقات الأمن القومي والكرامة السيادية الأوكرانية، في معركة وجودية ترفض فيها كييف أن تكون مجرد ورقة مساومة في سوق المقايضات الإقليمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *