استراتيجية التآكل الوجودي:
الفشل العسكري والارتباك البنيوي في الدولة الروسية ومنعطف 2026

وحدة الدراسات العسكرية – مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية
17\3\2026
تقتضي القراءة الاستراتيجية لمسار العمليات العسكرية للغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في مطلع عام 2026 فحصاً دقيقاً لعدة تحولات بنيوية أصابت العقيدة القتالية الروسية في مقتل، حيث يكشف التأخر العملياتي الحاد، الذي رصده المحللون الاستراتيجيون، عن معضلة “تآكل الأنساق الهجومية” وفشل ذريع في الحركية التكتيكية والاستراتيجية على حد سواء؛ إذ تشير التقديرات الرصينة إلى وجود فجوة زمنية حرجة تتراوح بين ثمانية إلى عشرة أشهر عن الجداول الزمنية الموضوعة سلفاً في “غرفة العمليات المشتركة”، مما حوّل الزخم العسكري إلى صراع استنزاف خطي بطيء يفتقر تماماً لروح المناورة الواسعة، ويجعل من السيطرة على التجمع الاستراتيجي الفائق الأهمية في محور سلافيانسك-كونستانتينوفكا، في إقليم دونيتسك، هدفاً غائماً وبعيد المنال قد لا يتبلور كواقع ميداني قبل نهاية عام 2026، وهو ما منح القوات الأوكرانية المدافعة فرصة ذهبية غير مستغلة سابقاً لتحصين العمق الدفاعي وتحويل الحواضر الكبرى إلى “ثقوب سوداء” لوجستية وبشرية تستنزف النخبة من المقدرات الروسية التي تآكلت بالفعل في معارك المدن الصغرى والبلدات الحدودية، حيث أدى الفشل في تحقيق اختراق هام في جبهة دونيتسك إلى تجميد الفاعلية القتالية للفرق المدرعة الروسية وتحويلها إلى مجرد منصات نيران ثابتة عرضة للاستهداف الدقيق.
ويتجاوز هذا الاستعصاء جبهة دونيتسك ليمتد بظلاله القاتمة على جبهات استراتيجية أخرى، لاسيما في جبهة كوبيانسك-ليمان في إقليم خاركيف شمال شرق البلاد، حيث تعجز القوات الروسية عن تحويل النجاحات التكتيكية المحدودة إلى مكاسب استراتيجية نتيجة التغطية الرادارية الكثيفة والاستخدام الفعال للمسيرات الاستطلاعية الأوكرانية التي تحرم القوات المهاجمة من عنصر المفاجأة، مما جعل المحاولات الروسية لعبور نهر أوسكيل أو تطويق المراكز الحضرية هناك تصطدم بحوائط نارية ودفاعات مرنة تستنزف عديد القوات دون جدوى. وفي ذات السياق، تبرز جبهة زابوريجيا كنموذج لجمود الموقف العملياتي، حيث تحولت المساحات الشاسعة إلى حقول ألغام معقدة ومقابر للمعدات الثقيلة، مما أجبر القيادة الروسية على الانتقال من وضعية الهجوم الاستراتيجي إلى “الدفاع النشط” الذي يهدف لمنع الانهيار الكلي للخطوط الخلفية، مما يعمق من أزمة “فقر البدائل الاستراتيجية” لدى هيئة الأركان العامة. أما في جبهة خيرسون والضفة اليسرى لنهر دنيبرو، فقد تحولت العمليات إلى حرب استنزاف من نوع فريد تعتمد على القصف المدفعي المتبادل وحرب الزوارق والمسيرات، حيث فشلت القوات الروسية في القضاء على الجيوب الأوكرانية الدفاعية المتقدمة، مما اضطرها لسحب وحدات من النخبة وتوجيهها لدعم جبهات منهارة أخرى. وهذا التشتيت في الموارد البشرية واللوجستية بين عدة جبهات مشتعلة في وقت واحد أضعف القدرة على بناء “كتلة حرجة” كافية للقيام بأي عملية هجومية كبرى ناجحة، مما يؤكد أن الاستراتيجية العسكرية الروسية قد دخلت مرحلة “الجمود الهيكلي”، حيث أصبحت الخطط العسكرية مجرد تكرار لتكتيكات الأرض المحروقة التي لا تنتج انتصارات حاسمة بل تزيد من تكلفة الحرب مادياً وسياسياً، وتضع الدولة الروسية أمام استنزاف جيوسياسي شامل يهدد مكانتها الدولية وقدرتها على الاستمرار في حرب طويلة الأمد لا تلوح في أفق عام 2026 نهاياتها المرجوة.
وفي ظل هذا الاستعصاء الميداني وتصلب الجبهات، تبلورت استراتيجية “الانتصار الإعلامي البديل” أو ما يُصطلح عليه بنيوياً بـ “الاستيلاء الافتراضي”، وهي تكتيك دفاعي نفسي يتبناه رئيس الأركان العامة فاليري غيراسيموف ووزير الدفاع بالتنسيق مع الدوائر الإعلامية المقربة من الكرملين. تهدف هذه الاستراتيجية إلى خلق واقع موازي يعوض الإخفاق العملياتي المتراكم ويسكّن القلق المتزايد في الجبهة الداخلية، عبر إصدار تقارير دورية تدعي بسط السيطرة على نقاط ارتكاز حيوية ومراكز ثقل استراتيجية، بينما تكشف خرائط السيطرة الفعلية المعتمدة على الاستخبارات الجغرافية وصور الأقمار الصناعية المفتوحة عن واقع مغاير يتسم بالجمود المطلق أو التراجع التكتيكي تحت وطأة الضربات الدقيقة.
ويبرز محور كوبيانسك كنموذج صارخ لهذا “التضليل الاستراتيجي”، حيث تكررت الادعاءات الروسية على لسان الرئيس فلاديمير بوتين وكبار القادة العسكريين حول “إحكام السيطرة” على المدينة وتحويلها إلى قاعدة انطلاق نحو مركز إقليم خاركيف. فبينما كان وزير الدفاع ورئيس الأركان يرفعون تقارير “النصر المكتمل” ويؤكدون تطهير الضواحي الشرقية، كانت الوقائع الميدانية والبيانات الرسمية الأوكرانية، المدعومة بتصريحات الرئيس زيلينسكي من مدخل المدينة، حول دحر القوات الروسية وتأمين المناطق المحيطة، تثبت أن الوجود الروسي لم يتجاوز كونه محاولات اختراق انتحارية تم صدها بعيداً عن مركز المدينة.
إن هذا الإصرار الهيكلي على تزييف الإنجاز الميداني في كوبيانسك لا يقف عند حدود الدعاية التقليدية، بل يمتد كنسق تضليلي ممنهج ليعيد صياغة الواقع العملياتي في محوري ليمان وكونستانتينوفكا، حيث تحول المشهد من “بروبغاندا” استهلاكية إلى آلية “خداع ذاتي” جذرية نخرت بنية القرار العسكري الروسي؛ ففي محور ليمان، جرى تشويه الحقيقة الميدانية عبر الاستثمار المضلل في “المساحات الرمادية” وتوظيف الأرشيف البصري القديم للإيحاء بسيطرة موهومة على مراكز الثقل الاستراتيجي، مما أوقع هيئة الأركان في فخ تقديراتها الخاصة ودفعها لإلقاء وحداتها في أتون هجمات انتحارية نحو نقاط ميتة عسكرياً. وفي ذات السياق، خضعت ضواحي كونستانتينوفكا لعملية “استيلاء ورقي” قامت على التلاعب الجيومكاني بالتقارير المرفوعة للكرملين، بهدف اصطناع نصر افتراضي يبرر تبديد الترسانة والميزانيات المليارية، وهو ما ولّد “فقاعة معلوماتية” معزولة كلياً عن الواقع، جعلت القيادة العليا سجينة لتصوراتها الافتراضية، مما أفضى في نهاية المطاف إلى شلل تام في منظومة التغذية الراجعة، وتحويل التحركات الميدانية إلى ارتطامات دموية عنيفة بوقع ميداني مغاير جذرياً لما ترسمه “خرائط الوهم” المحمية بجدار من البيروقراطية الزائفة.
هذا التباين الصارخ بين “المدينة الافتراضية” في تقارير غيراسيموف و”المدينة الحقيقية” التي ما زالت تحت السيادة الأوكرانية، أدى إلى تصدع بنيوي في الحاضنة الشعبية الأكثر راديكالية، وبخاصة لدى القوميين الراديكاليين ومدوني الحرب الذين يمتلكون مصادر ميدانية مباشرة. لقد تحول هؤلاء من ظهير تعبوي صلب إلى ناقدين شرسين يتهمون هيئة الأركان بالخيانة المعلوماتية وتقديم “تقارير وردية” مضللة للقيادة السياسية. هذا الشرخ لا يهدد التماسك القومي فحسب، بل يمهد الطريق لشلل كامل في صناعة القرار الاستراتيجي؛ فعندما تصبح البيانات المرفوعة إلى الكرملين منفصلة عن الواقع الجيومكاني، تفقد الأوامر العسكرية قيمتها التنفيذية، وتتحول التحركات على الخارطة إلى مجرد “مناورات ورقية” لا تجد لها صدى في الميدان، مما يجعل القيادة الروسية أسيرة لأوهام انتصاراتها بينما يستمر الاستنزاف الفعلي لقواتها على الأرض.
وعلى صعيد الصراع التكنولوجي واللوجستي المعقد، تفرض القوات الأوكرانية من خلال الطائرات المسيرة الانتحارية والاستطلاعية بعيدة المدى حصاراً تقنياً خانقاً أدى إلى عزل جبهات القتال عن عمقها الإمدادي الاستراتيجي بأسلوب “الخنق العملياتي”، حيث تحول طريق بيرديانسك-ماريوبول السريع، الذي يمثل النخاع الشوكي لما يُعرف بـ “الجسر البري” الروسي الرابط بين “دونباس” و “القرم”، إلى منطقة قتل لوجستي دائمة وعالية المخاطر. ورغم ابتعاد هذا الشريان بنحو مئة كيلومتر عن خطوط التماس، إلا أن كثافة الاستهداف الدقيق حولته إلى مقبرة للمعدات والوقود، مما خلق واقعاً عملياتياً يُعرف بـ “عقدة الحركة المعطلة”؛ وهي حالة يفقد فيها الجيش الروسي قدرته على تأمين تدفق القوات والذخائر نحو الجبهات الجنوبية، مما يجعل أي محاولة لشن هجوم واسع النطاق محكوماً عليها بالفشل المسبق نتيجة نضوب المخزون القتالي في الساعات الأولى للمواجهة.
من الاستنزاف إلى السيادة: هندسة المعادلة الأوكرانية الجديدة والتحول نحو فرض الإرادة الميدانية
وتتفاقم هذه المعضلة البنيوية بسبب تغلغل “الفساد المؤسسي العابر للقطاعات” داخل المجمع الصناعي العسكري الروسي، حيث كشفت تقارير ميدانية مسربة أن المخصصات المالية الهائلة التي رُصدت لتطوير الجيل الجديد من أجهزة “إعادة الإرسال الجوية” وحلول الحرب الإلكترونية الشاملة قد تبخرت في دهاليز البيروقراطية والمحسوبيات، ولم يصل منها للميدان سوى نماذج أولية غير فعالة أو معدات تعتمد على رقائق إلكترونية استهلاكية منخفضة الجودة مهربة من الأسواق المدنية. هذا الفساد التقني ترك مشغلي المسيرات الروس في حالة “عجز استخباري وعملياتي” أمام أنظمة التشويش والاعتراض الغربية المتطورة التي تمتلكها القوات الأوكرانية، والتي أثبتت قدرتها على عزل المسيرات الروسية عن مشغليها بمجرد إقلاعها، مما حول غالبية الترسانة الجوية الروسية المسيرة إلى “أجسام عمياء” في فضاء معقد تقنياً.
إن هذا الانكشاف التكنولوجي وضع القيادة العسكرية الروسية أمام حقيقة صادمة، وهي أن الأزمة لم تكن يوماً في وفرة الموارد المالية أو الخام، بل في انعدام جودة ومصداقية الترسانة التكنولوجية التي باتت تعتمد على مواصفات فنية وهمية ومكونات صينية أو غربية معاد تدويرها لا ترقى لمعايير الصمود في بيئة حرب إلكترونية مكثفة، وهو ما أدى إلى فقدان الثقة المتبادلة بين الميدان والمصانع؛ فالجنود على الخطوط الأمامية يدركون أن أجهزتهم متهالكة تقنياً، والقيادة في موسكو تدرك أن ما يتم استعراضه في الساحات العامة من أسلحة “لا تضاهى” لا يجد له صدى في الواقع العملياتي المرير، مما يجعل من “سيادة الأجواء” الروسية مجرد شعار إعلامي يتلاشى أمام أول طائرة مسيرة رخيصة التكلفة تخترق عمقهم اللوجستي وتدمر مفاصل قدرتهم على البقاء.
أما المأزق الأكثر خطورة وتأثيراً على المدى الاستراتيجي البعيد، فيكمن في حالة “التحلل المعنوي والاجتماعي الشاملة”، الناتجة عن سياسات التعبئة القسرية التي ضربت عرض الحائط بالبروتوكولات العسكرية والطبية التقليدية. إن اللجوء الممنهج لتجنيد الفئات غير المؤهلة جسدياً، بما في ذلك ذوو الإعاقة، لسد الثغرات المتسعة في ما يُعرف بـ “قوائم الشطب البشرية” ، يمثل انحداراً خطيراً؛ هذه القوائم في المفهوم العسكري تعبّر عن السجلات التي تُرصد فيها الخسائر البشرية اليومية بدم بارد، حيث يتم “شطب” الأسماء التي قُتلت أو فُقدت واستبدالها فوراً بأرقام بشرية جديدة دون النظر لكفاءتها، لمجرد الحفاظ على “الهيكل الرقمي” للوحدات على الورق. هذا الإجراء هو مؤشر قاطع على نضوب الخزان البشري النوعي وتآكل رأس المال العسكري، مما أنتج “اقتصاد حرب موازي” داخل الثكنات يعتاش على ابتزاز المجندين وعائلاتهم مقابل وعود واهية بتجنب إرسالهم إلى “فرامة اللحم”. وتنتقل هذه المأساة إلى العمق الاجتماعي الروسي بحدة أكبر عند وقوع الوفيات، حيث تنفجر نزاعات قضائية مريرة بين الأقارب حول “استحقاقات الوفاة”، مما أفرغ مفهوم “التضحية الوطنية” من محتواه القيمي وحوله إلى سلعة مادية مثيرة للشقاق المجتمعي. إن هذا الانهيار في المنظومة الأخلاقية ينذر بتمزق العقد الاجتماعي التاريخي بين الكرملين والمجتمع، ويحوّل الولاء من الانتماء للدولة إلى الصراع على الفتات المادي، مما يجعل الاستقرار الداخلي الروسي هشاً أمام أي هزيمة ميدانية كبرى أو تحول مفاجئ في موازين القوى الدولية عام 2026.
هذا التشابك المعقد والمزمن من الإخفاقات العسكرية والتقنية والبشرية أفضى إلى حالة من “الارتباك الاستراتيجي الشامل” لدى القيادة العليا في الكرملين؛ إذ لم تعد القرارات المصيرية تصدر بناءً على تقديرات الموقف الميداني الرصينة أو مقتضيات الضرورة العسكرية، بل أصبحت رهينة لصراع الأجنحة المحتدم داخل مراكز القوى الروسية، وتحديداً بين أقطاب المؤسسة الأمنية “جناح الصقور الأمنيين”، والبيروقراطية التكنوقراطية، وأقطاب المال. وتبين القراءة المتفحصة لمواقف هذه القوى داخل أروقة القرار خلال الأسابيع الأولى من شهر مارس 2026، حالة من الانقسام الراديكالي غير المسبوق؛ حيث لم يعد الانسداد الميداني مجرد عائق عملياتي عابر، بل تحول إلى وقود لصراع أجنحة محتدم يهدف لإعادة صياغة تراتبية القوة في موسكو، وفرض رؤى متباينة لمستقبل الدولة وسط هذا المنعطف الوجودي.
ويمكن رصد هذا التباين في ردود الفعل عبر ثلاثة مسارات رئيسية؛ أولها جناح “العسكرة الشاملة” (أقطاب المؤسسة الأمنية “جناح الصقور الأمنيين”)، الذين يرون في “الجمود الهيكلي” نتيجة لتردد القيادة السياسية، ويضغطون بقوة نحو تحويل الاقتصاد الروسي بالكامل إلى “اقتصاد حرب” مغلق مع اعتماد إجراءات قمعية ضد ما يصفونه بـ “البيروقراطية المعطلة”، معتبرين أن حل “عقدة الحركة المعطلة” يمر عبر زج “الكتلة البشرية الهائلة” مهما بلغت تكلفة “قوائم الشطب”. وفي المقابل، برز مسار جناح “البراغماتية المتشددة” (أتباع التوازن الاستراتيجي)، الذين أبدوا رد فعل أكثر حذراً يعكس القلق من “الاستنزاف الوجودي المزدوج”، متخذاً طابع “البحث عن كبش فداء” وتحميل هيئة الأركان وفاليري غيراسيموف شخصياً مسؤولية الإخفاق، مع ميل لتجميد الجبهات عند “الدفاع النشط” تجنباً لانهيار العقد الاجتماعي. أما المسار الثالث، فيمثله تيار التعبئة القومية المتشددة والراديكاليون الجدد، الذين انتقلوا من “التعبئة القومية” إلى “الاحتجاج الهيكلي”، حيث اتسمت ردود فعلهم تجاه ادعاءات السيطرة على كوبيانسك وليمان بالتهكم والعدائية تجاه “التقارير الوردية”، ليتحولوا إلى “معارضة من داخل الخندق” تطالب بتطهير مؤسسي شامل، مما يخلق ضغطاً شعبياً راديكالياً قد يخرج عن السيطرة.
إن هذا التباين يعكس حقيقة أن “الصقور” لم يعودوا كتلة واحدة، بل تفرقوا بين من يرى في الانسداد فرصة لفرض “ديكتاتورية حرب” ومن يراه نذير شؤم يستوجب تغيير القيادات، وهو ما يغذي حالة “الارتباك الاستراتيجي” ويجعل صناعة القرار في موسكو عملية محفوفة بالمخاطر والتناقضات.
لقد قلّص هذا التسييس للقرار العسكري هوامش المناورة السياسية إلى حدودها الدنيا، وأدخل الدولة الروسية في حالة “استنزاف داخلي هيكلي” حوّل المؤسسة العسكرية من أداة جيوسياسية إلى عبء يهدد الاستقرار البنيوي. ويضع هذا المشهد المنظومة الروسية أمام “استحقاقات تاريخية صفرية” تبدو فيها كافة الخيارات أحلاها مُرّ؛ فخيار التصعيد الشامل بات محفوفاً بمخاطر الانفجار المجتمعي، بينما يُمثل الانسحاب تهديداً لشرعية النظام قد يفضي إلى انهيار يشبه سيناريوهات التفكك الكبرى. ومن هنا، يبرز عام 2026 كعام للحسم الوجودي، ليس فقط لتحديد مآلات الحرب، بل لإعادة صياغة هوية الدولة الروسية ومستقبل تموضعها الدولي، كقوة فاعلة أو ككيان منكفئ يصارع أزماته البنيوية.
ختاماً، يمكن القول إن الدولة الروسية قد دخلت مرحلة “الاستنزاف الوجودي المزدوج”؛ حيث لم يعد التهديد منحصراً في الفشل العسكري الميداني فحسب، بل في التآكل العضوي لمؤسساتها وقيمها الاجتماعية. إن انسداد الأفق الاستراتيجي أمام القيادة في موسكو، بين مطرقة التصعيد الانتحاري وسندان التراجع الانهياري، يشير إلى أن الحرب لم تعد تُدار لتحقيق أهداف جيوسياسية خارجية، بل تحولت إلى أداة للبقاء السياسي الداخلي، مما يجعل من عام 2026 نقطة انعطاف تاريخية ستحدد ما إذا كانت روسيا ستخرج ككيان متماسك وقادر على المنافسة، أم ستنزلق نحو مرحلة من الاضطراب البنيوي الطويل الذي قد يعيد تشكيل خارطة القوى في أوراسيا لعقود قادمة.

