Україна та арабський світ 2026: від емоційних зв'язків до мостів сталого партнерства
كيف رسم الشتات العربي والأمن الغذائي ملامح الحضور الأوكراني الجديد؟
19\1\2026
استضاف “المركز الأوكراني لإعلام الأزمات” (Ukraine crisis media center) نقاشا مهنيا بارزا نظمه مركز دراسات الشرق الأوسط (AMES) بدعم من المؤسسة الدولية “النهضة”. حيث كان موضوع النقاش — “الحرب الروسية – الأوكرانية والعالم العربي: التحديات الاستراتيجية لعام 2026” — حيث شارك دبلوماسيين أوكرانيين بارزين وخبراء واعلاميين أوكرانيين ومن وسط الشتات العربي في أوكرانيا لتلخيص نتائج العام الماضي.

كانت النقاشات مهمة ليس فقط بسبب الحاجة إلى سرد الإنجازات، بل أيضا بسبب التحول الجذري في العلاقة بين أوكرانيا والعالم العربي. حيث، كما أشار المشاركون، انتقلت منطقة الشرق الأوسط من مرحلة رد الفعل العاطفي الظرفي في بداية الغزو الروسي إلى مرحلة البراغماتية الصارمة وموازنة المصالح. بالنسبة لأوكرانيا، هذا يعني الحاجة لإعادة التفكير في دورها: لا يجب الاعتماد فقط على التعاطف، بل يجب تقديم حلولا أمنية واقتصادية ملموسة. كان المحور الرئيسي للاجتماع هو إدراك أنه رغم الدعاية الروسية القوية والسياق الجيوسياسي المعقد (وخاصة الحرب الإسرائيلية على غزة)، تمكنت أوكرانيا ليس فقط من الحفاظ على مواقعها، بل أيضا من تحقيق عدد من الاختراقات الدبلوماسية، محولة الشتات إلى “عقد وكالة” فعالة للتأثير.

اختراق دبلوماسي: “القضية السورية” وبوابة جديدة إلى الشرق الأوسط
واحدة من أبرز النجاحات للدبلوماسية الأوكرانية في عام 2025 كانت استعادة العلاقات مع سوريا، والتي أصبحت ممكنة بعد انهيار نظام بشار الأسد. وصف المشاركون في النقاش هذه الحالة بأنها مثال نموذجي على التفاعل الفعال بين الدولة والمجتمع المدني. لعب الشتات السوري في أوكرانيا، الذي أطلق عليه الخبراء “وكلاء التغيير”، دور التواصل الحاسم مع الحكومة الجديدة في دمشق. وبفضل جهود رواد الأعمال والنشطاء الأوكرانيين – السوريين، أصبح من الممكن ليس فقط استعادة الاتصالات الدبلوماسية، بل أيضا التوصل إلى اتفاقيات لافتتاح سفارة وبدء الأعمال الأوكرانية في ميناء طرطوس.
هذا انتصار استراتيجي يفتح “بوابة” جديدة لأوكرانيا إلى الشرق الأوسط ويخلق فرصا لطرد النفوذ الروسي من المنطقة. وفي الوقت نفسه، يبقى المشهد الدبلوماسي العام معقدا. تواصل معظم الدول العربية (الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية) سياسة الموازنة، ومع ذلك، فإن فشل قمة “روسيا-العالم العربي” التي كانت مقررة في أكتوبر 2025 أظهر أن موسكو فقدت مكانة قطب القوة بلا منازع، ورفض القادة العرب إضفاء الشرعية على طموحات بوتين العالمية.

البراغماتية الاقتصادية: التحول الجنوبي والأمن الغذائي
أظهر المكون الاقتصادي للعلاقات في عام 2025 ديناميكيات مثيرة للإعجاب، أطلق عليها الخبراء “انقلاب جنوبي”. في ظل إعادة فرض نظام الحصص والقيود من قبل الاتحاد الأوروبي على الصادرات الأوكرانية، أعادت أوكرانيا تركيز الصادرات الزراعية على أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكان النمو حوالي 60٪. حيث نجحت أوكرانيا في الحصول على صفة ضامن للأمن الغذائي في المنطقة. تبقى مصر شريكا رئيسيا بحجم مبيعات تقارب مليار دولار في النصف الأول من العام، والجزائر، رغم المشاعر السياسية التقليدية المؤيدة لروسيا، أصبحت مستوردا قياسيا للقمح الأوكراني (739 ألف طن). وهذا يؤكد الفرضية القائلة بأن المصالح الوطنية والحاجة إلى الخبز تتغلب على الإعلانات السياسية. بالإضافة إلى التجارة، هناك آفاق لجذب الاستثمارات من دول الخليج (الإمارات العربية – السعودية) في إعادة إعمار أوكرانيا. تشير مناقشة اتفاقيات التجارة التفضيلية وإنشاء مراكز الحبوب إلى تحول من التجارة الوضعية إلى التخطيط طويل الأمد. تثبت الحالات الناجحة، مثل فائدة أموال الإمارات في الأصول الأوكرانية، أن رأس المال العربي مستعد لدخول أوكرانيا دون انتظار النهاية الرسمية للحرب.

حرب المعلومات: التعاطف مقابل الدعاية ودور “القوة الناعمة”
يبقى مجال المعلومات هو التحدي الأصعب. تستثمر روسيا موارد هائلة في الحرب المعرفية، مستخدمة سرديات عن “المعايير المزدوجة” الغربية تجاه غزة وأوكرانيا، بالإضافة إلى تخطيط وتدريب واسع النطاق للصحفيين العرب عبر أكاديمية RT. ومع ذلك، وجدت أوكرانيا إجابة غير متماثلة — “ترجمة المعاني” بدلا من الترجمة البسيطة للغة. أصبح الشتات ومشاريع مثل “المجموعة الأوكرانية – العربية الإعلامية” أداة رئيسية. أظهرت التجربة أن الحقائق الجافة تخسر أمام القصص العاطفية. لذلك، تحول التواصل الأوكراني نحو التعاطف — قصص عن الحرب من خلال مصائر الإنسان، تتوافق مع تجربة الجمهور العربي. حيث يلعب المجتمع اللبناني دورا خاصا، الذي، من خلال الدبلوماسية الثقافية (إقامة نصب تذكاري للشاعر الاوكراني شيفتشينكو، ونشر الكتب)، يعزز حضور أوكرانيا في الفضاء الثقافي. كما كانت الدبلوماسية الإنسانية إنجازا مهما. وساطة قطر والسعودية والامارات والكويت في إطلاق سراح الأسرى وإعادة الأطفال الاوكرانيين المرحلين كانت اختراقا جعل من الممكن اختراق جدار الحياد. هذا يثبت أن الحجج الإنسانية والدينية تعمل بشكل أفضل من الخطاب الجيوسياسي الجاف.

ولتلخيص النقاش، يمكن القول إن أوكرانيا تدخل عام 2026 بفهم جديد وأكثر نضجا للشرق الأوسط. تتخلص من الأوهام حول الدعم التلقائي وتتعلم كيف تلعب في ميدان البراغماتية. الاستنتاج الاستراتيجي الرئيسي هو أن روسيا لم تعد تحتكر النفوذ في المنطقة، ويمكن تدمير سردياتها بفعالية من خلال الحقيقة والتعاطف والتعاون الاقتصادي. حيث نجاح أوكرانيا في العالم العربي يعتمد الآن على الاتساق: الانتقال من الجهود التطوعية إلى استراتيجية الدولة، حيث يكون كل سفير متحدثا نشطا، وكل طن من الحبوب هو أداة للتأثير. كما أشار أولكسندر بوغومولوف، مدير المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية، هذه حرب استنزاف ليس فقط في ساحة المعركة، بل أيضا في الفضاء المعرفي، حيث الفائز هو من لا يمل من تكرار الحقيقة.

يجب أن يكون عام 2026 هو عام ترسيخ مكانة أوكرانيا ليس كدولة تطلب للمساعدة، بل كعنصر أساسي في هيكل الأمن — من الغذاء إلى الجيوسياسة.


