إعادة هندسة النفوذ الروسي في سوريا

إعادة هندسة النفوذ الروسي في سوريا

إعادة هندسة النفوذ الروسي في سوريا

Директор Центру стратегічних досліджень Vision

Д. Саїд Саллам - директор Vision Center for Strategic Studies
Опубліковано в журналі Masarat – Судан
٢١\٨\٢٠٢٦
يُشكل بيان وزارة الخارجية السورية الصادر في 10 أغسطس 2026 محطة مفصلية في مسار صياغة العلاقات الثنائية مع روسيا الاتحادية، حيث أعلن عن التوصل إلى مذكرة تفاهم استراتيجية تقضي بإعادة تنظيم التواجد العسكري الروسي في قاعدتي حميميم وطرطوس عبر تحويلهما إلى مراكز تدريب وإعادة تأهيل مشتركة خاضعة لولاية الدولة، مع نقل الإدارة الكاملة للمنشآت المدنية، وفي صدارتها مطار حميميم المدني والرصيف التجاري الرابع بميناء طرطوس، إلى الهيئات السورية المختصة، وذلك ضمن جدول زمني محدد بثلاثة أشهر.
تأتي هذه الخطوة لتنهي حقبة الالتباس القانوني والميداني التي خيمت على إدارة القواعد البحرية والجوية لسنوات طويلة، لتُدشن مرحلة جديدة من فرض السيادة الوطنية المطلقة. وتُعتبر هذه المذكرة تتويجاً لمسار تفاوضي استراتيجي استمر نحو عام ونصف العام، وتحديداً منذ التغيرات الهيكلية الشاملة التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد ومطلع عام 2025. تلك التغيرات فرضت على القيادة السورية مراجعة جذريّة لكافة العقود والاتفاقيات الأمنية الموروثة، ولا سيما اتفاقيتي عامي 2015 و2017 اللتين منحتا موسكو امتيازات استثنائية وعابرة للحدود السيادية، حيث تم إفراغ تلك الأطر القديمة من مضمونها الاستئثاري وإحلال هيكل أمني جديد يوازن بين الاستفادة من الشراكة الفنية مع روسيا وبين استعادة التحكم الوطني المباشر في المنشآت السيادية.
لا يقتصر مغزى الإعلان على التعديل الشكلي للمسميات القانونية، بل يمتد إلى تفكيك البنية الإدارية القديمة للقواعد التي عملت سابقاً كجزر مستقلة عن سلطة الدولة السورية. فالمذكرة الجديدة تُعيد صياغة النمط التشغيلي للقواعد لتصبح مراكز تدريب مشتركة تمنح المؤسسات العسكرية الوطنية حق الحضور والإشراف المباشر، بما يمنع أي شكل من أشكال القيادة والسيطرة المنفردة من قبل الجانب الروسي، ويُكرّس مرجعية الدولة السورية فوق أراضيها وفق أولوية الأمن القومي.
May be an image of text
تتضح الأهمية الجيواقتصادية واللوجستية للمذكرة في البند المتعلق باسترداد المرافق المدنية الحيوية، إذ إن نقل الإدارة والمجمعات الجمركية والتشغيلية في مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع بميناء طرطوس إلى المديرية العامة للطيران المدني وهيئة الجمارك ووزارة النقل يُمكّن الدولة السورية من إعادة إدماج هذه الشرايين اللوجستية في الاقتصاد الوطني. هذا التحول يتيح تحويل العوائد المالية والأنشطة التجارية في حوض الساحل السوري لخدمة برامج التعافي الاقتصادي ومشاريع إعادة الإعمار، بدلاً من بقائها خاضعة لترتيبات استثنائية خارج إطار الخزينة العامة.
ورغم الأهمية الاستراتيجية لمهلة الانتقال المحددة بثلاثة أشهر، إلا أنها تفرض تحديات تقنية وعملياتية حثيثة. فقد أدى نقل الجزء الأكبر من السلاح الجوي والقطع العسكرية والمعدات الروسية نحو الساحة الليبية على مدار الـ 18 شهراً الماضية إلى تخفيف أعباء الإخلاء اللوجستي؛ غير أن التعقيد التقني يظل محصوراً في تفكيك “النواة الصلبة” للقواعد. فالمنشآت المتبقية ما تزال تضم شبكات دفاع جوي متطورة، ومراكز استطلاع وتجسس إلكتروني، وبنى اتصالات مشفرة ترتبط استراتيجياً بالقيادة العسكرية في موسكو. ويتطلب فصل هذه المنظومات المعقدة عن البنية التحتية للمطار والميناء المدنيين احترازاً أمنياً وفنياً عالياً لمنع حدوث ثغرات استخبارية أو إيجاد فراغ في الحماية الجوية والبحرية للساحل السوري أثناء نقل الصلاحيات.
من جانب آخر، لا يمكن فصل هذا التطور الميداني عن التفاعلات الجيوسياسية والجيواقتصادية المعقدة المتعلقة بأمن الطاقة والعلاقات مع واشنطن. فمنذ شهر مايو 2026، شهدت الإمدادات النفطية الروسية المتجهة نحو الموانئ السورية ارتفاعاً ملحوظاً لسد العجز الحاد في السوق المحلية. ورغم أن هذه الشحنات مثلت شريان حياة حيوياً لتسير العجلة الاقتصادية، إلا أنها وضعت دمشق أمام مخاطر الانكشاف على حزم جديدة من العقوبات الغربية والأمريكية المشددة، مما فرض على القيادة السياسية إدارة التوازن بين متطلبات الشارع المعيشية والحفاظ على هامش المناورة الاستراتيجية.
اعتمدت الدبلوماسية السورية مقاربة براغماتية أدارت من خلالها ملف الطاقة كأداة تفاوضية في الحوار المباشر مع الإدارة الأمريكية، متضمنة الاستعداد لتخفيض الاعتماد على الطاقة الروسية تدريجياً مقابل الشروع في تفكيك طوق العقوبات المفروضة على البلاد. وقد أثمر هذا المسار التفاوضي عن خطوات أمريكية تنفذية وتشريعية متسارعة تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، بدأت بإلغاء برنامج العقوبات الشامل بموجب أمر تنفيذي في يونيو 2025، وتجميد آليات “قانون قيصر” وصولاً إلى إلغائه رسمياً ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026، ثم توجت بإشعار الكونغرس في يوليو 2026 ببدء إجراءات حذف اسم سوريا من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.
غير أن التفكيك التشريعي والتنفيذي السريع لطوق الحظر واجه كوابح جيواقتصادية ميدانية، حيث إن تقليص الشحنات النفطية الروسية لم يُقابل بضخ فوري وبديل للطاقة أو بعودة سريعة للأنشطة المصرفية الدولية، نظراً للتردد الحذر للقطاع المالي العالمي وانتظاره استكمال كافة فترات الامتثال التنظيمي. يضع هذا الواقع دمشق أمام اختبار حرج يتطلب تأمين شبكات أمان مالية وإمدادات بديلة عبر الشركاء الإقليميين في الخليج العربي ودول الجوار لمنع حدوث أزمات معيشية، مع ضرورة إدارة التوازنات بحذر لتفادي ردود فعل روسية مضادة قد تتمثل في المماطلة بإجراءات تسليم المنشآت العسكرية والمدنية في الساحل.
تؤكد هذه المعطيات المتشابكة قدرة الإدارة السياسية في دمشق على الفصل بين الحفاظ على شراكة أمنية ندية ومضبوطة مع موسكو في حدها الأدنى لا تمس بالسيادة، وبين الانفتاح الاستراتيجي على المنظومة الدولية لفك الحصار المالي والاقتصادي. وتؤسس مذكرة التفاهم الخاصة بقاعدتي حميميم وطرطوس لواقع إقليمي جديد في شرقي المتوسط، قائم على إنهاء صيغ النفوذ العسكري المباشر وتكريس مبادئ السيادة والندية الوطنية والاستقرار المستدام.

Залишити відповідь

Ваша e-mail адреса не оприлюднюватиметься. Обов’язкові поля позначені *