Субідентичності: між соціальною необхідністю та провалом національної держави
ضياء ليلوة – باحث سياسي
17\4\2026
ليس من اليسير مقاربة مسألة الهويات الفرعية في العراق دون الوقوع في أحد فخّين: فخّ التبسيط الذي يُحمّل هذه الهويات وزر كل انقسام، أو فخّ التبرير الذي يراها مجرد تعبير بريء عن التنوع. والحقيقة، كما تكشفها القراءة المتأنية، تقع في منطقة أكثر تعقيداً، حيث تتشابك البُنى التاريخية مع إخفاقات الدولة، وتتحول الهويات من معطى اجتماعي إلى أداة صراع.
من هنا، لا ينبغي أن يُطرح السؤال بصيغة: هل الهويات الفرعية مشكلة؟ بل بصيغة أدقّ وأكثر إحكامًا: كيف ولماذا تحوّلت هذه الهويات في العراق من مكوّن اجتماعي طبيعي إلى فاعل سياسي متفجّر؟ وهل يصحّ، أصلًا، تحميل الهويات الفرعية مسؤولية سياسية، كأن نطالبها-على سبيل المثال-بتحديد موقفها من قضايا عالمية؟
ولتفكيك هذا الإشكال، يمكن طرح الأسئلة الآتية:
- إذا كانت الهوية هي التي تحدّد الموقف، فلماذا تختلف مواقف أبناء الهوية الواحدة من قضية إلى أخرى؟
- هل يتفق جميع الشيعة أو السنة أو الأكراد أو العرب أو الآشوريين-إلى آخره-على رأي اقتصادي واحد؟
- إذا كان الجواب بالنفي، فلماذا يُصار إلى اختزالهم سياسيًا؟
أو بصيغة أكثر كشفًا:
- ما هو “الموقف السياسي الآشوري” أو “الكردي” أو “الشيعي” من تدمير غابات الأمازون؟
- هل توجد رؤية سياسية “سنية” أو “شيعية” أو “آشورية” أو “كردية” رسمية تجاه تغيّر المناخ؟
- ما هو “الموقف المندائي” من الحرب في السودان؟
قد تبدو هذه الأسئلة، للوهلة الأولى، ساذجة أو عبثية؛ غير أن الحقيقة أن السخرية الكامنة فيها لا تنبع من صياغتها، بل من الطريقة التي تُستَخدم بها الهويات الفرعية في الخطاب السياسي والاجتماعي والإعلامي، حيث يُرتكب اختزال فجّ يثير من الدهشة ما يقارب الشفقة.
و في تأمل مسألة الهويات الفرعية، كما تتبدّى في التجربة العراقية، لا يصحّ أن نبدأ من الحكم عليها، بل من فهم طبيعتها بوصفها بنية مركّبة تتجاوز حدود التوصيف السياسي الضيّق. فهي، في أصل تكوينها، ليست دخيلة على الاجتماع الإنساني، ولا نشازاً في تاريخ الأمم، بل هي، على العكس، هي التعبير الفني الأولي عن حاجة الإنسان إلى الانتماء، إلى أن يرى ذاته منعكسة في جماعة تُشاركه اللغة أو العقيدة أو الذاكرة أو حتى المصير. غير أن هذا المعطى، الذي يبدو في بدايته بريئاً، سرعان ما ينقلب إلى إشكال مركزي حين يدخل في مدار الدولة، ويغدو جزءاً من معادلة السلطة والثروة والمعنى.
والعراق، في هذا السياق، ليس استثناءً بقدر ما هو تكثيف حادّ لهذه الإشكالية. ففيه تتجاور الهويات الدينية والإثنية والقبلية والمناطقية، لا بوصفها طبقات سطحية يمكن تجاوزها بسهولة، بل كأنساق عميقة تشكّلت عبر قرون من التاريخ، وتراكمت داخلها تجارب من الاندماج والانقسام، من التعايش والصراع. غير أن التحوّل الحاسم لم يكن في وجود هذه الهويات، بل في الكيفية التي أُعيد بها إدراجها داخل بنية الدولة الحديثة، حيث لم تُستوعب بوصفها عناصر ثراء، بل استُخدمت، في كثير من الأحيان، كأدوات ضبط أو تفكيك.
إن القراءة المتأنية لمسار الدولة العراقية تكشف أن الخلل لم يكن في التعدد ذاته، بل في عجز الإطار الوطني عن تحويل هذا التعدد إلى وحدة سياسية قابلة للاستمرار. فالدولة، في صورتها المثلى، لا تُلغي الفوارق، بل تُعيد تنظيمها ضمن عقد اجتماعي يساوي بين الأفراد، لا بين الجماعات. غير أن ما حدث، في أزمنة مختلفة، هو العكس: إذ جرى التعامل مع المجتمع من خلال وحداته الفرعية، لا من خلال أفراده المواطنين، فصار الانتماء الجزئي يسبق الانتماء الكلي، وأضحى الطريق إلى الدولة يمرّ عبر الطائفة أو العشيرة أو القومية، لا عبر المواطنة المجردة.
ومن هنا ينبثق السؤال الجدلي الذي لا يمكن تجاوزه: هل الهويات الفرعية هي التي أضعفت الدولة، أم أن ضعف الدولة هو الذي أطلق العنان لهذه الهويات لتتضخم وتتمدد؟ إن الإجابة السريعة التي تُحمّل الهويات مسؤولية التفكك تبدو، عند التمحيص، نوعاً من التبسيط المخلّ، بل وربما من التواطؤ غير الواعي مع خطاب سياسي يرغب في التنصل من مسؤوليته. ذلك أن الهوية، في ذاتها، لا تتحرك في حيزٍ ما إلا بقدر ما تُحرّك، ولا تتحول إلى قوة صراع إلا حين تُستثمر وتُعبّأ وتُعاد صياغتها في خطاب يربط بين الانتماء والمصلحة، وبين الوجود والخطر.
وهنا يتجلّى البعد السياسي للمسألة في أوضح صوره: فالهويات الفرعية لم تدخل ميدان الصراع من تلقاء نفسها، بل أُدخلت إليه عبر عمليات معقدة من التسييس; (اختزال الغنى الثقافي للمجتمع العراقي الى كردي – سني – شيعي) حيث جرى تحويلها إلى أدوات تعبئة، تُستحضر عند الحاجة، وتُضخّم الفوارق بينها، وتُعاد كتابة سردياتها بطريقة تُنتج شعوراً دائماً بالتهديد. وفي هذه اللحظة تحديداً، تتحول الهوية من إطار تعريفي إلى بنية صراعية، ويغدو الفرد، لا بوصفه كائناً حراً، بل ممثلاً لهوية مُتخيَّلة، يُطلب منه الدفاع عنها، حتى لو كان ذلك على حساب ذاته.
غير أن اختزال المسألة في بعدها السياسي وحده يُغفل بعداً لا يقل خطورة، وهو البعد الاقتصادي الذي يتخفّى غالباً خلف شعارات الهوية. وبالتحديد صراع هيمنة على الثروات و الناس والسلطة. فحين تُبنى أنماط توزيع الثروة والفرص على أساس الانتماء، لا الكفاءة، تتحول الهوية إلى مورد اقتصادي، وإلى وسيلة للوصول إلى الامتيازات. وفي مثل هذا السياق، لا يعود الانتماء خياراً ثقافياً أو وجدانياً، بل يصبح ضرورة مادية، تفرض نفسها على الأفراد بوصفها شرطًا للبقاء أو التقدم. وهنا تتعقّد المفارقة: إذ يُلام الأفراد على تمسّكهم بهوياتهم، في حين أن البنية التي يعيشون داخلها تُكافئ هذا التمسك وتُعاقب الخروج عليه.
أما على المستوى الاجتماعي والثقافي، فإن ما كان يمكن أن يكون مصدر غنى وتنوع، ينقلب، تحت ضغط الصراع، إلى عامل انغلاق وتوجّس. فالثقافات الفرعية، التي تُنتج في حالتها الطبيعية أنماطاً متعددة من التعبير والمعنى، تُدفع، في بيئة متوترة، إلى التقوقع، وإلى إعادة تعريف ذاتها في مقابل الآخر، لا بالتفاعل معه. وبدل أن يكون الاختلاف مدخلاً للحوار، يصبح ذريعة للانفصال، وتتحول الذاكرة الجماعية من مساحة مشتركة للتأمل إلى مستودع للشكوى والاتهام.
وفي عمق هذه التحولات، يلوح البعد الفلسفي للمسألة، حيث يُعاد طرح سؤال الهوية ذاته: أهي معطى ثابت يُحدّد الإنسان سلفاً، أم هي بناء متحرك يتشكل في سياق العلاقات والتجارب؟ إن ما يكشفه الواقع العراقي هو ميل خطير نحو تثبيت الهوية، نحو تحويلها إلى جوهر مغلق، لا يقبل التعدد داخل ذاته، ولا يعترف بإمكانية التداخل مع غيره. وهذا التثبيت لا يُنتج فقط صراعاً سياسياً، بل يُنتج أيضاً فقراً وجودياً، إذ يُختزل الإنسان إلى بُعد واحد من أبعاده، وتُمحى تعقيداته لصالح تعريف واحد قاطع.
وإذا انتقلنا إلى البعد الأخلاقي، وجدنا أنفسنا أمام منطقة أكثر التباساً. فالهويات، من حيث هي، لا تحمل شحنة أخلاقية إيجابية أو سلبية؛ إنها إطار، يمكن أن يُملأ بالتسامح كما يمكن أن يُملأ بالكراهية. غير أن المسؤولية الأخلاقية تنشأ حين يُختار هذا الإطار ليكون أداة إقصاء أو تبرير للعنف. وهنا لا تعود المسألة مسألة بنى مجردة، بل مسألة أفعال بشرية، تتداخل فيها إرادة الفرد مع تأثير الجماعة، ويتعذر فيها الفصل الحاسم بين ما هو ذاتي وما هو مفروض.
ومن ثم، فإن تحميل الهويات الفرعية، بوصفها كيانات مجردة، مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، يُخفي أكثر مما يكشف. إذ يبدو، في جوهره، نوعاً من الإزاحة، يُنقل فيه اللوم من الفاعل السياسي والاجتماعي إلى بنية لا تملك، في ذاتها، إرادة أو قراراً. والأدق، من منظور تحليلي، أن يُقال إن الأزمة هي أزمة إدارة للتعدد، لا أزمة التعدد نفسه؛ أزمة دولة لم تنجح في أن تكون إطاراً جامعاً، فتركت المجال مفتوحاً أمام الهويات لتملأ الفراغ.
غير أن هذا الاستنتاج لا ينبغي أن يُفضي إلى تبرئة مطلقة، ولا إلى إدانة شاملة، بل إلى إعادة صياغة السؤال: كيف يمكن تحويل الهويات الفرعية من عناصر تنازع إلى عناصر تفاعل؟ كيف يمكن بناء صيغة سياسية تجعل الانتماءات المختلفة متعايشة ضمن أفق وطني لا يُقصيها ولا يُستعبد لها؟ وكيف يمكن، في مستوى أعمق، إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه كائناً متعدد الانتماءات، لا يُختزل في واحد منها، ولا يُطلب منه أن يختار بينها كما لو كانت متناقضة بالضرورة؟
إن هذه الأسئلة، في السياق العراقي، ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً لفهم ما جرى وما يجري، وربما لما سيجري. فهي تُحيلنا إلى جوهر المسألة: ليس كيف نتخلص من الهويات، فذلك وهم، بل كيف نبني إطاراً يجعلها أقل قابلية لأن تتحول إلى أدوات صراع. وفي هذا التحول، من سؤال الإلغاء إلى سؤال التنظيم، يكمن، على الأرجح، مفتاح الخروج من دائرة تتكرر، بأسماء مختلفة، منذ زمن طويل.

