انكسار الإمبريالية النرجسية: حرب السرديات الاستراتيجية ومآلات ارتهان البيت الأبيض للإنذار الصهيوني في مواجهة إيران

انكسار الإمبريالية النرجسية: حرب السرديات الاستراتيجية ومآلات ارتهان البيت الأبيض للإنذار الصهيوني في مواجهة إيران موت "السيادة الوطنية الأمريكية" أمام التغول الصهيوني

انكسار الإمبريالية النرجسية:

حرب السرديات الاستراتيجية ومآلات ارتهان البيت الأبيض للإنذار الصهيوني في مواجهة إيران

موت “السيادة الوطنية الأمريكية” أمام التغول الصهيوني

 

Директор Центру стратегічних досліджень Vision

Д. Саїд Саллам - директор Vision Center for Strategic Studies

3\3\2026

القراءة الرصينة والمتبصرة للمشهد الجيوسياسي الراهن تستوجب الانتقال الجذري والحاسم من مستوى التوصيف الإجرائي السطحي الذي يكتفي برصد ” التدليس العملياتي” للتحركات العسكرية، إلى مستوى التحليل البنيوي العميق والتشريحي الذي يفكك الجذور العضوية والجيوتاريخية للحرب؛ حيث نجد أنفسنا أمام مشهد معقد تتشابك فيه المصالح الذاتية الضيقة، والنزعات النرجسية المتضخمة للقيادات السياسية التي تعيش مأزقاً عميقاً في الداخل، مع العقائد الاستراتيجية التوسعية للدول التي تسعى بقوة لإعادة هندسة الإقليم برمته عبر توظيف أدوات القوة القسرية وتجاوز كافة الخطوط الحمراء الدولية.

إن هذا التشابك المعقد والمصالح المتقاطعة ينتج بالضرورة “مواجهةً وجوديةً حتميةً” لا يقبل القسمة على اثنين، وهو ما يتجسد بوضوح في الحرب الأمريكية – الإسرائيلية الراهنة على إيران، حيث لا يُنظر إلى هذه المواجهة كأداة لتحقيق أمن متبادل، بل كآلية لسحق “القطب الإقليمي” المنافس وضمان التسيّد المطلق لقرن قادم، في محاولة لفرض “خرائط دم” جديدة تعوض تآكل الهيمنة الغربية الآخذة في الأفول.

إن هذا الاستهداف الممنهج لإيران يتجاوز كونه صراعاً على النفوذ، ليكون معركة لكسر الإرادة التاريخية للدول الوطنية، حيث تسعى واشنطن وتل أبيب لاستبدال “توازن القوى” الطبيعي بحالة من “الاستتباع الجيوسياسي” المطلق. إن تعميق النظر في هذه اللحظة التاريخية يكشف أننا أمام “انفجار استراتيجي” وليس مجرد تصعيد عسكري، حيث تتقاطع طموحات اليمين الصهيوني في تصفية الحسابات الإقليمية مع حاجة الإدارة الأمريكية لترميم هيبتها المتصدعة.

إن المحرك الحقيقي ليس الدفاع عن “الأمن العالمي” كما تدعي السردية الغربية، بل هو السعي القسري لتأمين “قرن أمريكي-إسرائيلي” ثانٍ على أنقاض السيادات الوطنية، وهو ما يجعل من المواجهة الحالية “مخاضاً بنيوياً في توازنات القوة العالمية” سيحدد المنتصر فيه شكل النظام العالمي الجديد وهيكلية أمن الطاقة للحقبة القادمة.

Мілітаризація теології та стратегія символічного приниження: інтерпретація геополітичного часу ізраїльського удару проти Ірану

تتبدى ملامح هذه المواجهة الوجودية، في جوهرها العملياتي، كعدوان هجومي جرى تصميمه داخل “غرف تفكير” مغلقة بصرامة واستراتيجية فائقة، لا تستهدف مجرد تقليم أظافر الخصم، بل تحطيم معادلة “توازن الردع” التي استقرت لعقود، وفرض واقع جيوسياسي قسري يُعيد تشكيل المنطقة بما يتوافق مع مصالح نخب سياسية مأزومة ومحاصرة في واشنطن وتل أبيب. إن هذه الحرب لا تتحرك مدفوعة بضرورات “الأمن القومي” بمفهومه السيادي الكلاسيكي أو الأخلاقي، بل هي في حقيقتها “مشروع نجاة” سياسي وشخصي لقيادات تجد في استدامة التوتر العسكري والهروب إلى الأمام نحو مسارح العمليات الخارجية المخرج الوحيد والاضطراري من نفق الانسداد السياسي الداخلي والملاحقات القانونية الوشيكة التي باتت تطرق أبوابها بقوة.

ويظهر هذا التوظيف النفعي جلياً في السلوك البراغماتي المتطرف لدونالد ترامب، الذي يسعى لتحويل المواجهة مع طهران إلى “ستار دخاني” كثيف وتكتيك إلهاء استراتيجي فائق التعقيد، يهدف من خلاله إلى الهروب من ارتدادات ملفات الفضائح المتشعبة التي باتت تحاصر إدارته؛ فلا تقف حدود هذا الهروب عند فضيحة “جيفري إبستين” وما تحمله من أبعاد أخلاقية وقانونية تضرب شرعيته في مقتل وتهدد بتفكيك قاعدته الأخلاقية، بل تمتد لتشمل محاولة يائسة للتعمية على “الانكسار الدستوري” المدوي الذي منيت به سلطته التنفيذية.

لقد شكل حكم المحكمة الدستورية العليا الأخير، الذي قيد صلاحيات الرئيس المطلقة في فرض التعرفة الجمركية، ضربة قاصمة لمرتكزات القوة التنفيذية وتقويضاً جوهرياً للعقيدة الاقتصادية لترامب، مما أصاب صورة “الرئيس الحاسم” المتجاوز للمؤسسات في مقتل؛ هذا الانكسار الدستوري المذل دفع بالإدارة نحو تبني خيار “الحرب كبديل للفشل” واستخدام “برميل البارود” الإيراني كستار دخاني استراتيجي، في محاولة يائسة لتحويل أنظار الشارع الأمريكي من الهزيمة القضائية في الداخل إلى “البطولة العسكرية” المفتعلة في الخارج، سعياً لاستعادة زمام المبادرة السياسية المفقودة قبل فوات الأوان.

إن هذا التشابك بين الإخفاق القضائي والفساد الأخلاقي أدى بالضرورة إلى وقوع الإدارة تحت مقصلة ابتزاز اللوبيات الضاغطة، التي استغلت حالة “الانكشاف السياسي” للرئيس لترهن دعمه وتمويل حملته الانتخابية القادمة بمدى انصياعه الأعمى لأجندات التصعيد الإقليمي الصهيونية؛ مما أدى في نهاية المطاف إلى ارتهان القرار السيادي الأمريكي لمصالح فئوية ضيقة، وتحويل الدولة العظمى إلى أداة تنفيذية لمشاريع لا تخدم الأمن القومي الأمريكي، بقدر ما تخدم محاولات النجاة الفردية لرئيس مأزوم يبحث عن شرعية مفقودة وسط ركام الفضائح والأحكام القضائية.

هذا الارتهان يتقاطع مع تآكل حاد في “رأس المال السياسي” الداخلي، حيث يعكس تراجع معدل الموافقة على أداء الرئيس إلى مستوى حرج بلغ 39%، وفق أحدث بيانات (Reuters/Ipsos) في مارس 2026، عمق الفجوة بين طموحات النخبة الحاكمة وتطلعات الشارع. إن الإدارة تجد نفسها اليوم أمام معضلة بنيوية كبرى تتمثل في العجز عن التوفيق بين كلفة المغامرة العسكرية الخارجية، التي تستنزف الموارد والقدرات، وبين النزيف الشعبي المستمر في الجبهة الداخلية نتيجة التضخم وتراجع الثقة، مما يحول أي تصعيد خارجي إلى مقامرة غير مأمونة العواقب قد تعجل بالانهيار السياسي الداخلي بدلاً من تأجيله.

تكتسب هذه المعضلة صبغة استراتيجية ضاغطة ومصيرية مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس، التي لم تعد مجرد استحقاق تشريعي، بل غدت “استفتاءً” على شرعية الإدارة وأهليتها السياسية؛ حيث يتم اختزال الملف الإيراني المعقد وتحويله إلى مجرد بيدق تكتيكي في لعبة “السياسة الداخلية” لترميم صورة “الرئيس القوي” التي تهاوت، أو للتغطية الممنهجة على الإخفاقات المدوية في إدارة الملفات الاقتصادية والقضائية الملتهبة، وهو المأزق الذي يتناظر عضوياً، في تقاطع مصالح انتهازي عابر للحدود، مع حاجة بنيامين نتنياهو الماسة للهروب إلى الأمام؛ فمع اقتراب الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية الوشيكة، يجد نتنياهو في افتعال “حريق إقليمي” كبير ورقة أخيرة لفرض حالة الطوارئ وتجميد الحراك المعارض، بهدف تأجيل استحقاقاته القضائية والانتخابية التي باتت تهدد مستقبله الشخصي، مما يحول الصراع الإقليمي إلى “طوق نجاة” مشترك لزعيمين يقتاتان على استدامة الأزمات الوجودية.

إن هذا الاندفاع نحو الحافة مدفوع بإنذار إسرائيلي صريح كشفه المحلل “تاكر كارلسون” في مطلع مارس 2026، حين وضع نتنياهو ترامب أمام معادلة صفرية: “يمكنك الانضمام إلينا أو البقاء متفرجاً، لكننا ذاهبون لإسقاط النظام”. هذا التهديد العلني حوّل واشنطن، في سابقة تاريخية، من “وسيط مدعٍ” إلى “طرف أصيل” ومنفذ عملياتي للأجندة الصهيونية، فيما يمكن وصفه بـ “الوكالة العكسية”؛ حيث جُرَّ سيد البيت الأبيض “كالأسير” لتنفيذ إنذار تل أبيب، ضارباً بعرض الحائط المصالح القومية الأمريكية العليا.

بالانتقال إلى المستوى الأعمق في تحليل الطبقات التاريخية والجغرافية المتجذرة لهذه الحرب، نجد أنها لم تكن يوماً وليدة الصدفة أو رد فعل عارض، بل هي الثمرة المسمومة لعقود من التخطيط الانتظاري الممنهج، الذي ترصّد طويلاً تحيّن لحظة تقاطع تاريخي نادر؛ حيث تلاقت طموحات اليمين الصهيوني الاستئصالي مع انزياح راديكالي في مركز القرار الأمريكي نحو التبني الأيديولوجي والعملياتي المطلق للأجندة الإسرائيلية. وفي هذا السياق، يتم استحضار السرديات التوراتية المتعلقة بمشروع “إسرائيل الكبرى” من مرقدها الأسطوري، وتوظيف الميثولوجيا الدينية بشكل فج لتبرير التمدد الجغرافي العنيف من النيل إلى الفرات كهدف استراتيجي بعيد المدى، يطمح لتصفية الجغرافيا السياسية العربية والإقليمية بالكامل.

Важке народження нової реальності: гучний крах традиційних правил взаємодії та фрагментація арабської системи.

إن هذا “التدجين الأيديولوجي” للقرار السياسي يحول الحرب الراهنة بوضوح إلى “حرب خيار” واعية ومخطط لها، وليست “حرب اضطرار” أو “حرب استباقية” فرضتها ضرورات أمنية موضوعية؛ إذ إن الإصرار على استهداف الدولة الإيرانية، رغم سلسلة الضمانات التقنية والقنوات الدبلوماسية الشفافة التي قدمتها طهران، والرقابة الدولية الصارمة التي أكدت سلمية برنامجها، يكشف أن “النووي” ليس إلا “قميص عثمان” جيوسياسي، يُرفع كذريعة زائفة لتبرير ضرب العمق الاستراتيجي الإقليمي، ومنع نشوء أي قطب سيادي موازن قادر على كسر الهيمنة الصهيو-أمريكية المطلقة.

لكن هذا الاندفاع الأيديولوجي المحموم يصطدم اليوم بحائط انقسام حزبي ومؤسسي هو الأخطر في تاريخ الولايات المتحدة؛ حيث تعكس الأرقام المسربة حالة من الاغتراب بين النخبة الحاكمة والقواعد الشعبية، إذ يرى 87% من الديمقراطيين و60% من المستقلين، وحتى كتلة وازنة من الجمهوريين بلغت 23%، أن استخدام القوة العسكرية في هذا السياق بات مفرطاً، وأحادي الطابع، وخارجاً عن مظلة الإجماع القومي، مما يؤكد أن الحرب تُدار بعقلية “الطغمة الأيديولوجية” التي تضحي بالمصالح العليا للدولة الأمريكية وبأمن الطاقة العالمي في سبيل إرضاء أوهام توسعية ونبوءات سياسية لا تخدم سوى بقاء نخب مأزومة في السلطة.

إن هذا التصدع البنيوي في قمة الهرم السياسي يجد صداه الأعمق في القاعدة المجتمعية؛ فبينما تواصل الآلة الإعلامية الرسمية ضخ بروباغندا القوة، يكشف تشريح التفاعلات المجتمعية والسياسية في الداخل الأمريكي عن حقيقة صادمة تتمثل في “الطلاق الاستراتيجي” بين الدولة والمجتمع.

إذ تعكس أحدث البيانات الصادرة عن استطلاع الرأي العام الذي أجرته مؤسسة (Reuters/Ipsos) في الأول من مارس 2026 هشاشة هذا الجدار الاستراتيجي؛ حيث لا يحظى خيار “الضربات العسكرية ضد إيران” إلا بدعم هزيل لا يتجاوز 27% من الأمريكيين، في مقابل جبهة معارضة صلبة ومتنامية بلغت 43%، بينما ترزح الكتلة المتبقية البالغة 29% في منطقة التردد والارتباك. إن هذا المعطى الرقمي الصادم يمثل “انكشافاً سياسياً” خطيراً، ويعني بوضوح غياب “الغطاء الشعبي” الحيوي اللازم لتحمل التكاليف الباهظة لأي استراتيجية تصعيد طويلة الأمد، مما يجعل الإدارة تتحرك في فراغ شعبي ينذر بانهيار جبهتها الداخلية عند أول منعطف حاد.

ومع وصول أسعار النفط إلى حاجز 100 دولار للبرميل كارتداد طبيعي لهذا التصعيد غير المحسوب، يتحول سعر الوقود في المحطات الأمريكية إلى “مؤشر ثقة” سيادي يتجاوز في تأثيره الانتخابي كافة اعتبارات السياسة الخارجية؛ فالناخب الأمريكي، المسكون بهاجس التضخم وتآكل قوته الشرائية، يرى في ارتفاع أسعار البنزين ضريبة مباشرة يدفعها لتمويل مغامرات خارجية لا ناقة له فيها ولا جمل، خاصة وأن الاستطلاع ذاته أظهر أن 45% من الأمريكيين سيسحبون دعمهم للعمليات العسكرية فوراً في حال استمرار ارتفاع أسعار الطاقة. وفي ظل هذا الانكشاف الاقتصادي، يتحول أي إخفاق ميداني – مثل مقتل العسكريين الأمريكيين مؤخراً – إلى “مضاعف ضغط” داخلي وتفجير سياسي يضع استقرار الإدارة برمتها على المحك، ويحول التوابيت العائدة إلى مادة دسمة للمعارضة التي تتهم الإدارة بتبديد الدم الأمريكي في حروب عبثية لخدمة أجندات نرجسية.

وفي خضم هذا الانكشاف الشعبي، وبناءً على مقتضيات التحليل الإعلامي العميق، يبرز المحلل “تاكر كارلسون” في مطلع مارس 2026 كأخطر صدى بنيوي للسردية المضادة داخل البيت الجمهوري، محولاً حالة التردد الشعبي إلى جبهة ممانعة سياسية منظمة، حيث لم يعد مجرد صوت إعلامي، بل تحول إلى “كاشف زيف” استراتيجي يضرب في مقتل جوهر ادعاءات الإدارة الأمريكية. إن ما أدلى به كارلسون في بودكاسته الأخير، تزامناً مع انطلاق الحرب التي أطلقت عليها واشنطن اسم “الغضب الملحمي”، يمثل زلزالاً معرفياً للقاعدة الشعبية؛ حيث وصف الحرب بعبارات قاسية وغير مسبوقة قائلاً: “هذه حرب مقززة وشريرة تماماً.. إنها ليست حرب الولايات المتحدة، بل هي حرب إسرائيل التي فُرضت علينا لأن تل أبيب أرادتها أن تحدث”.

لقد ذهب كارلسون إلى أبعد من النقد السياسي التقليدي، ليكشف عما وصفه بـ “الارتهان المهين” للقرار السيادي الأمريكي، مؤكداً أن هذه المواجهة لا تخدم الأمن القومي أو الرفاهية الاقتصادية للأمريكيين، بل هي نتاج “ابتزاز جيوسياسي” مارسه نتنياهو على ترامب. وأوضح كارلسون بلهجة حادة أن السردية الرسمية حول “الخطر النووي الإيراني الوشيك” تفتقر إلى أي استناد استخباراتي رصين، واصفاً إياها بأنها “خديعة كبرى” تهدف لتوريط الجنود الأمريكيين في “حروب أبدية” جديدة لصالح مشروع “إسرائيل الكبرى”، وهو ما يتناقض جذرياً مع وعود ترامب الانتخابية بإنهاء النزاعات الخارجية.

أحدث هذا “التصريح الانفصالي” عن الخط الرسمي لإدارة البيت الأبيض ارتدادات عنيفة زلزلت “العصب الصلب” لحركة (MAGA)، وكشفت عن “تناقض هوية” وجودي يضرب في مقتل جوهر السردية الترامبية؛ فبينما بنى ترامب شرعيته التاريخية على وعد “إنهاء الحروب الأبدية” (End Forever Wars) وإعادة الجنود إلى الوطن، يجد أنصاره أنفسهم اليوم وقوداً لمواجهة فرضتها أجندة خارجية. لم يكتفِ “تاكر كارلسون” بتفكيك شفرة الأكاذيب الرسمية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بتعريف “المحافظين الجدد” ودعاة الحرب داخل الحزب الجمهوري بوصفهم “أعداءً لأمريكا”، متهماً إياهم بتقديم الولاء المطلق لإسرائيل على المصالح القومية العليا، وهو ما وضع ترامب في مأزق “الخيانة الاستراتيجية” لقاعدته الانتخابية التي باتت ترى في ارتهانه للإنذار الصهيوني تراجعاً مذلاً عن عقيدة “أمريكا أولاً”.

“MAGA”: Структурна трансформація американського суспільства та піднесення популістського націоналізму

إن هذا الطرح الإعلامي الجريء أعاد صياغة الوعي الجمعي لملايين الأمريكيين، محولاً إياهم من مؤيدين بالفطرة للرئيس إلى مشككين في جدوى استنزاف موارد الدولة ودماء أبنائها في مغامرة عسكرية “بالوكالة” تخدم “إسرائيل الكبرى” أكثر مما تخدم الناخب في أوهايو أو بنسلفانيا. لقد وضع كارلسون ترامب في مواجهة مباشرة مع هويته السياسية الأصلية؛ حيث بات لسان حال القاعدة الشعبية يرى في هذه الحرب “خديعة كبرى” تحاول نرجسية الإدارة حجبها خلف غبار المعارك وتزييف الإنجازات، مما يحول حركة (MAGA) من قوة داعمة للقرار العسكري إلى جبهة ممانعة داخلية ترى في التبعية للقرار الصهيوني طعنة في قلب السيادة الوطنية الأمريكية.

يلتقي هذا التآكل المتسارع في الجبهة اليمينية، في تقاطع استراتيجي نادر، مع جبهة ممانعة ليبرالية ومؤسسية ترى أن هذه الاستراتيجية الهجومية برمتها تنهض على دعائم بنية دعائية مضللة، شُيدت أسقفها عبر استنساخ مشوه لسيناريوهات تاريخية ثبت بطلانها وزيف مبرراتها. وقد دفع هذا التضليل الممنهج قامات سياسية وازنة ذات ثقل مؤسسي، وفي مقدمتها السناتور بيرني ساندرز، إلى إطلاق تحذيرات مدوية تشبّه المشهد الراهن بآثام حربي فيتنام والعراق، ملخصاً المشهد في شعار “كذبة أخرى.. حرب أخرى”.

وفي ذروة هذا الانكشاف الاستراتيجي، جاء موقف السناتور الديمقراطي “مارك وارنر” ليوجه ضربة قاضية للمرتكزات القانونية والأخلاقية لسردية الإدارة؛ فبعد استماعه لشهادة وزير الخارجية ماركو روبيو أمام الكونغرس، خرج وارنر في مؤتمر صحفي لينسف مبررات الحرب بوضوح حاسم قائلاً: “لم يكن هناك أي تهديد وشيك للولايات المتحدة من قبل الإيرانيين؛ التهديد كان موجهاً لإسرائيل”. إن خطورة هذا التصريح تكمن في كونه ينسف المبرر القانوني الوحيد والضروري — أي مفهوم “التهديد الوشيك” (Imminent Threat) — الذي يمنح الرئيس بموجب “قانون صلاحيات الحرب” (War Powers Act) والقانون الدولي الحق في التحرك العسكري دون تفويض مسبق من الكونغرس؛ وبانتفاء هذا الركن، تتحول عملية “الغضب الملحمي” من “دفاع شرعي” مزعوم إلى “جريمة عدوان” مكتملة الأركان وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.

إن هذا التصريح يمثل تحولاً بنيوياً وتصدعاً في العقيدة السياسية لواشنطن؛ فلأول مرة يتجرأ أقطاب المؤسسة التشريعية على الفصل الصارم بين أمن إسرائيل والأمن القومي الأمريكي، معتبرين أن المساواة بينهما هي منزلق خطير يرهن دماء الأمريكيين لأجندات خارجية. هذا التبرؤ العلني من “الدعم الأعمى” للإنذار الصهيوني، والذي كان يمثل في الماضي خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، يشير بوضوح إلى أن الحرب الحالية قد فككت الإجماع التقليدي حول “قدسية” المصالح الصهيونية في صلب القرار الأمريكي، محولةً إياها من “ثابت استراتيجي” إلى “عبء سياسي” وقانوني يهدد بملاحقة قادة الإدارة دولياً بتهمة شن حرب عدوانية غير مشروعة تفتقر لأدنى المقومات الاستخباراتية والقانونية الرصينة.

من ناحية أخرى، تستند السردية الإسرائيلية-الأمريكية المسوقة لعملية “الغضب الملحمي” إلى زعم تدمير التهديد الإيراني لتمكين “الاستقرار الإقليمي”، إلا أن القراءة المعمقة لمسار الحرب تكشف عن تبني استراتيجية “الفراغ المتعمد”؛ حيث لا تهدف الضربات إلى مجرد تقويض القدرات العسكرية، بل إلى هدم أركان الدولة الوطنية وتحويل الجغرافيا الإيرانية إلى نطاق من التحلل المؤسسي والفوضى المدارة. إن تصفية القيادة العليا، بما في ذلك استشهاد المرشد الأعلى، لم يأتِ لتمكين بديل ديمقراطي كما تروج البروباغندا الغربية، بل لإحداث “شلل بنيوي” يمنع أي سلطة مركزية من إعادة لملمة الدولة، مما يخدم مشروع “إسرائيل الكبرى” عبر تحويل المنافس الإقليمي الأقوى إلى مجموعة من الكانتونات المتناحرة.

إن هذا الفراغ المتعمد يمثل الجوهر الحقيقي لـ “إعادة هندسة المنطقة”؛ فبدلاً من “النصر” العسكري التقليدي الذي يتبعه استقرار سياسي، تسعى واشنطن وتل أبيب لاستبدال “توازن الردع” بحالة من “اللا-دولة” المستدامة، وهي بيئة تضمن التفرد الصهيوني المطلق بالقرار الإقليمي لعقود قادمة. هذا التوجه هو ما يثير رعب قادة “سنتكوم” والبنتاغون، الذين يدركون أنهم لا يخوضون حرباً لتحقيق أمن أمريكا، بل ينفذون “هندسة تخريبية” ستجعل من القوات الأمريكية حارساً لفوضى لا تنتهي، مما يحول الجيش من أداة سيادة إلى شرطي مرور في “جغرافيا محترقة” تفتقر لأي أفق سياسي، وهو ما يثبت أن الهدف النهائي هو تدمير مفهوم “الدولة الوطنية” ذاته كعائق أمام الهيمنة الصهيو-أمريكية المطلقة.

Пряме ізраїльсько-іранське протистояння... наслідки ескалації та майбутнє арабського світу та Близького Сходу

لذا تستوجب القراءة العميقة للمشهد العسكري الحالي النفاذ إلى جوهر ما يمكن تسميته بـ “جيوبوليتيك الرفض الصامت” الكامن في أروقة البنتاغون؛ حيث أحدثت هذه المواجهة تصدعاً تاريخياً في العقيدة العسكرية الأمريكية، كاشفةً عن تباين وجودي وتصادم إرادات بين لغة “النصر الاستعراضي” النرجسية التي يتبناها دونالد ترامب ووزير دفاعه “بيت هيغسيث” – الساعيين لتحويل الفعل العسكري إلى مادة للدعاية الانتخابية – وبين “الواقعية الحذرة” والاحترافية التي تتبناها قيادات هيئة الأركان المشتركة. إن هؤلاء القادة، وبحكم خبرتهم الاستراتيجية، يدركون تماماً أن الاندفاع نحو تصفية القيادة الإيرانية وتفكيك بنية الدولة لم يفضِ إلى “حسم” كما تروج السردية السياسية، بل أقحم المنطقة والولايات المتحدة في “فراغ استراتيجي” معقد، يمثل بيئة خصبة لنشوء تهديدات عابرة للحدود وتلاشي قواعد الاشتباك التقليدية، مما يجعل التحكم في مآلاته الكارثية المحتملة أمراً يتجاوز حدود القدرة العملياتية الأمريكية، ويضع “المؤسسة العسكرية” في مواجهة تاريخية مع “الرئاسة” حول تعريف المصالح القومية العليا مقابل المصالح الشخصية الضيقة.

ويتغذى هذا الصراع المؤسسي على قلق عسكري متنامٍ من استنزاف القدرات الاستراتيجية في حرب تخدم الأجندة الإسرائيلية بشكل مباشر؛ حيث يرى قادة “سنتكوم” أن تدمير البنية التحتية الإيرانية استجابةً لـ “الإنذار الصهيوني” قد فتح جبهات استنزاف ومناطق “فوضى منظمة” تهدد أمن الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية التي قفزت أسعارها نحو حاجز 100 دولار. إن هذا التململ في “العصب العسكري” يمثل التهديد الأكبر لمشروع ترامب؛ فالمؤسسة العسكرية باتت تشعر بأنها أداة في معركة “نجاة سياسية” شخصية تفتقر للإجماع الوطني، مما يجعلها مرشحة لممارسة ضغوط مضادة لفرملة الاندفاعة النرجسية للرئيس ترامب وتجنب سيناريو “توسع المهمة” الغارق في رمال الشرق الأوسط، خاصة بعد الانكشاف الميداني الذي أحدثه مقتل العسكريين الأمريكيين مؤخراً.

ختاماً، يمكن القول إن الحرب التي أطلقت عليها الولايات المتحدة اسم “عملية الغضب الملحمي” قد تحولت من “فرصة انتخابية” متخيلة لترميم كبرياء نرجسي جريح، إلى “مقصلة سياسية” و”صدمة استراتيجية” بصدد اقتلاع ما تبقى من رصيد ترامب؛ إذ لا يمكن لبروباغندا الاستعراض العسكري أن تصمد طويلاً أمام حقيقة مقايضة دماء الجنود واستقرار الاقتصاد العالمي ببقاء نخب مأزومة في السلطة.

إننا أمام مشهد تاريخي تتداعى فيه السرديات التضليلية أمام صدمة الواقع الميداني والانقسام المؤسسي، حيث يؤدي تفكك الهيمنة المتخيلة والارتهان الأمريكي المهين للمصالح الصهيونية إلى كلفة استراتيجية لم يعد الداخل الأمريكي قادراً على تحملها. إن هذا المسار لا يفرز فقط أزمة شرعية سياسية عاصفة بالنخبة الحاكمة، بل ينذر بنهاية الحقبة الترامبية تحت وطأة فشل استراتيجي صادم، وإعادة صياغة قسرية لمفهوم السيادة الأمريكية التي ذابت في أتون الأجندة الصهيونية. وفي هذا السياق، تبرز “سيادة التوابيت” كالمحدد الحقيقي لمصير هذه الإدارة؛ إذ لم تعد شرعية ترامب تُقاس بمؤشرات أسهم البورصة أو صخب الدعاية، بل بعدد التوابيت العائدة التي بدأت تفرض واقعيتها القاسية على الوجدان الأمريكي، وهي المساحة الرمادية الدامية التي لا تستطيع البروباغندا الصهيونية تغطيتها أو تجميلها، لتصبح هذه الحرب هي المسمار الأخير في نعش الهيمنة القائمة على تزييف الحقائق واستلاب القرار الوطني الأمريكي.

Залишити відповідь

Ваша e-mail адреса не оприлюднюватиметься. Обов’язкові поля позначені *