Тегеран нав'язує рівняння “всі за всіх” та обмінює безпеку Галілеї на глобальну енергетичну артерію.

Д. Саїд Саллам - директор Vision Center for Strategic Studies
11\5\2026
تُشير القراءات المتعددة والبيانات الدبلوماسية رفيعة المستوى إلى أن إقليم الشرق الأوسط قد عبر بالفعل نحو طور غير مسبوق من الصراع الجيوسياسي المتفجر، وذلك في أعقاب تسليم طهران لردها النهائي والقطعي إلى الإدارة الأمريكية عبر القناة الدبلوماسية الباكستانية في العاشر من مايو 2026. هذا الرد لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل مثّل تحولاً بنيوياً جذرياً في فلسفة التفاوض الاستراتيجي، وزلزالاً سياسياً أحدث قطيعة تامة مع أنماط التهدئة السابقة؛ فقد صاغت طهران هذا الموقف كضربة استباقية ومضادة للمناورات الأمريكية التي حاولت هندسة “تهدئة ميدانية مجزأة” تسعى لتفكيك “وحدة الساحات” وعزل الجبهات جغرافياً وسياسياً لإضعاف القوة التفاوضية للمحور الإيراني.
لقد سعت واشنطن، عبر توظيف أدوات القوة الناعمة والصلبة وضغوطها الدبلوماسية المكثفة في الآونة الأخيرة، إلى انتزاع حالة من الاستقرار الهش والمؤقت على الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية، ضمن استراتيجية قوامها “التبريد الموضعي” للساحات المشتعلة، وهي مقاربة تهدف في جوهرها إلى شراء الوقت الاستراتيجي وإعادة ترتيب التوازنات الميدانية دون تقديم أثمان سياسية حقيقية. وراهنت الإدارة الأمريكية في مقاربتها هذه على إمكانية تحييد المسار اللبناني وفصله قسرياً عن سياقاته الإقليمية المتشابكة، ومحاولة تفكيك ترابط “وحدة الساحات” عبر تقديم وعود بضمانات أمنية تقنية وحوافز اقتصادية رمزية لا تمس جوهر الصراع الوجودي، بالتوازي مع مساعٍ موازية وحثيثة لاحتواء التهديدات الملاحية في البحر الأحمر وباب المندب، وضبط إيقاع الفصائل في العراق لتحويله إلى منطقة عازلة سياسياً وأمنياً تضمن حماية القواعد الأمريكية وتأمين خطوط الإمداد اللوجستية من الاستهداف.
إن هذا التحرك الأمريكي لم يكن مجرد رغبة في التهدئة، بل مثّل محاولةً لهندسة واقع إقليمي جديد يقوم على “تجزئة الملفات”، حيث يتم التعامل مع كل ساحة كجزيرة معزولة، مما يسمح لواشنطن بالاستفراد بأطراف المحور واحداً تلو الآخر وتجريد طهران من أوراق القوة الجماعية التي تمتلكها. كما هدفت هذه المناورة إلى تسريع بناء هيكلية أمنية إقليمية بديلة، تدمج منظومات الدفاع الجوي والبحري للحلفاء تحت مظلة القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، لخلق واقع ميداني يُحيّد فاعلية التهديدات الصاروخية ومسيرات محور ايران وحلفاءه، ويجعل من استمرار الاشتباك الميداني عبئاً سياسياً وعسكرياً على قوى المقاومة، تمهيداً لفرض شروط “السلام الأمريكي” القائم على نزع سلاح الميادين مقابل استقرار معيشي منقوص السيادة.
وقد هدفت هذه المناورة الاستراتيجية إلى تحقيق تهدئة ميدانية مجزأة تخدم المصالح الأمنية المباشرة لواشنطن وتل أبيب، دون الاضطرار لتقديم تنازلات جوهرية أو المساس بالهيكل البنيوي لمنظومة العقوبات الاقتصادية الخانقة التي يفرضها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) على طهران، إلا أن الرد الإيراني جاء حاسماً تحت مسمى “وثيقة الاقتدار”، وهي تسمية رسمية ومؤسساتية بامتياز أطلقها المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بالتنسيق مع القيادات السيادية.
لم يكن هذا العنوان مجرد توصيف إعلامي، بل وُضع رسمياً على رأس الوثيقة ليعبر عن عقيدة سياسية جديدة تتجاوز منطق الاستجابة للضغوط إلى منطق فرض الإرادة، مستندة في ذلك إلى غطاء دولي متماسك وتنسيق استراتيجي مع بكين وموسكو يهدف إلى اختبار مدى قدرة واشنطن على حماية “هيمنة الدولار” وسلاح العقوبات أمام تمدد نظام مالي موازٍ تقوده قوى “بريكس+”. لقد أدركت طهران أن واشنطن تحاول “تفكيك المحور” عبر استهداف كل ساحة على حدة، فجاءت الوثيقة لتهدم جدران الدبلوماسية التقليدية القائمة على التدرج، وتؤكد أن أمن الممرات المائية، واستقرار العراق، وسلامة الجليل، هي جميعاً كتلة واحدة غير قابلة للتجزئة، ولا يمكن مقايضتها إلا برفع شامل للبنية الهيكلية للعقوبات الأمريكية واعتراف صريح بالدور الإقليمي القائد لإيران.
تؤكد المعلومات والتحليلات المستفيضة أن “وثيقة الاقتدار” تتضمن بنوداً تقنية وسيادية بالغة التعقيد، تهدف بمجملها إلى تفكيك منظومة “الضغط الأقصى” الأمريكية واستبدالها بمنظومة “الاقتدار المقابل” عبر ركائز جوهرية؛ ففي الجانب الميداني والعسكري، تفرض الوثيقة وقفاً فورياً وشاملاً للعمليات العسكرية على الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية، مع اشتراط انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما وراء نقاط جغرافية محددة تضمن تأمين عمق المقاومة، ووقف كافة أشكال الاستطلاع الجوي والخرق السيادي عبر منع تشغيل منظومات الرصد الراداري السلبي والنشط الموجهة نحو الداخل اللبناني، وحظر تحليق المسيرات الاستطلاعية فوق الأراضي اللبنانية والسورية، معتبرة أن أمن الجليل واستقراره هما نتيجة مباشرة لهذا الالتزام. كما تضمنت الوثيقة بنداً صريحاً يطالب بوقف كافة عمليات الاغتيال والاستهداف الأمني للقيادات في كافة الساحات كضمانة لعدم تكرار “الخروقات الغادرة”، مع اشتراط عدم التدخل الأمريكي أو الإسرائيلي في طرق الإمداد البرية “الاستراتيجية” بين العراق وسوريا ولبنان، باعتبارها شرايين سيادية غير قابلة للتفاوض.
أما في الشق الجيواقتصادي والسيادي، فتشترط الوثيقة إلغاءً فورياً وشاملاً لكافة القيود المفروضة من قبل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) على قطاعي الطاقة والبنك المركزي الإيراني، مع ضمان حق إيران في تصدير ما لا يقل عن 3 ملايين برميل نفط يومياً دون عوائق تقنية أو أمنية، واشتراط أن تكون هذه المبيعات بالعملات المحلية أو الذهب لتجاوز مركزية الدولار. والأهم من ذلك، هو المطالبة باعتراف دولي صريح بالولاية السيادية الإيرانية الكاملة على أمن الملاحة في مضيق هرمز، بما يشمل حق التفتيش السيادي والتحقق من هوية القطع الحربية الأجنبية، وربط استقرار التدفقات النفطية الدولية بمدى التزام واشنطن بتعهداتها المالية وتفكيك “القوائم السوداء” التي تضم المؤسسات السيادية التابعة للحرس الثوري، مما يمنح إيران “حق الفيتو” الجيوسياسي على شريان الطاقة العالمي. وبموجب هذا التموضع، غدا وقف العدوان على لبنان خطاً أحمر وشرطاً استباقياً عضوياً لا ينفصل عن معادلة الأمن الإقليمي الشامل، في رسالة حازمة مفادها أن أي مقاربة دولية لا ترتكز على حماية عمق المقاومة وتأمين سيادة الميادين وتفكيك الحصار المالي، هي مقاربة ولدت ميتة ومحكومة بالفشل البنيوي.
وفي تطور دراماتيكي متسارع يعكس ذروة الاستقطاب الدولي، جاء تعقيب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحادي عشر من مايو 2026 حاداً عبر منصة “تروث سوشيال”، واصفاً الموقف الإيراني بأنه “غير مقبول جملة وتفصيلاً”، ومتهماً طهران بمحاولة استنساخ أساليب المماطلة لتضليل الإدارات السابقة. يعكس هذا الرفض سيكولوجية “الردع بالهيجان” التي يتبعها ترامب لاستعادة الهيبة المتآكلة وطمأنة الحلفاء الإقليميين بأن “سياسة الصفقات” لا تعني الاستسلام لشروط طهران. هذا الانحباس الدبلوماسي دفع بالمنطقة نحو حافة الهاوية، حيث لوّح ترامب باستئناف “الحملات الجوية الصاعقة” واستهداف المرافق السيادية الإيرانية، مما أحدث ارتدادات فورية قفزت بأسعار النفط لترتطم بسقف الـ 105 دولارات للبرميل، نتيجة غياب اليقين في شخصية صانع القرار الأمريكي والذعر من تعطل سلاسل الإمداد وتحول التهديدات اللفظية إلى واقع عسكري قد يشعل فتيل حرب طاقة عالمية.
إن التحليل المعمق لهذا الموضع الاستراتيجي يتجلى في الصياغة الإيرانية المبتكرة التي أحدثت تشابكاً عضوياً ومحكماً بين معادلة الاستقرار العسكري والسيادة المالية المطلقة؛ إذ تضع الوثيقة إطاراً زمنياً حاسماً مدته ثلاثون يوماً تحت مسمى “مرحلة اختبار الجدية”، تبدأ من تاريخ الوقف الفعلي للحرب، وتتضمن شروطاً لدفع تعويضات مالية عن أضرار البنية التحتية في لبنان عبر صندوق دولي لا تملك واشنطن حق النقض (Veto) عليه. تعكس هذه التفاصيل رغبة طهران في تحويل التهدئة من مجرد سكون عسكري مؤقت إلى إعادة صياغة شاملة للعلاقة مع الغرب، بانتزاع اعتراف بالدور الإقليمي القائد لإيران، محولةً مضيق هرمز من ممر دولي خاضع للتوازنات والاتفاقيات الدولية التقليدية إلى “صمام أمان” حصري تمسك به طهران كأداة ردع سيادية عليا، مع التأكيد الصريح على أن أي إخلال بهذه البنود سيؤدي فوراً إلى رفع نسب التخصيب النووي لمستويات “الردع النهائي”.
وبالنظر إلى السيناريوهات المتوقعة لتطور الأوضاع، فإننا نقف أمام مسارين وجوديين يحددان مصير النظام الإقليمي؛ المسار الأول هو “التصعيد المنضبط” الذي تحاول واشنطن من خلاله ممارسة أقصى درجات الضغط العسكري لإجبار طهران على التراجع عن شروطها السيادية، وهو مسار يصطدم بجدار صلب من المقاومة الميدانية التي أثبتت قدرتها على امتصاص الضربات وتوجيه ردود مؤلمة. أما المسار الثاني، فهو الانزلاق نحو “المواجهة الشاملة” في حال أقدمت الولايات المتحدة على مغامرة استهداف المنشآت الحيوية في العمق الإيراني؛ وهو سيناريو سيؤدي حتماً إلى تفعيل “خيار شمشون” عبر الإغلاق الكامل لمضيق هرمز واستهداف كافة المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة بالإضافة الى تفعيل اغلاق مضيق باب المندب، مما يحول المواجهة إلى كارثة دولية تخنق الاقتصاد العالمي وتوقف تدفقات الطاقة تماماً.
إن هذا التموضع يثبت انتقال طهران من وضعية الدفاع عن المكتسبات إلى وضعية فرض “شروط المنتصر” وإدارة قواعد الاشتباك الكبرى، حيث بات “رأس الجليل” يمثل الثمن السياسي الباهظ والمقايضة الوجودية مقابل استعادة التوازن الاستراتيجي الشامل، وتثبيت قواعد اشتباك جديدة وعابرة للحدود تضع الشرق الأوسط أمام واقع جيوسياسي جديد لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه في المستقبل المنظور.

