تعزيز الوجود الدبلوماسي الأوكراني في سوريا ودبلوماسية الأمن الغذائي
أداة لإعادة رسم خريطة النفوذ في «الفناء الخلفي» الروسي

وحدة الدراسات السياسية – مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية
10 أبريل 2026
أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في تصريحاته يوم 10 أبريل 2026 بوضوح أن أوكرانيا ستعزز وجودها الدبلوماسي في سوريا، وأعلن استعداد بلاده للتعاون الوثيق في مجال الأمن الغذائي، مشيراً إلى أنه ناقش مع الرئيس السوري أحمد الشرع فرص عقود كبيرة في المجمع الزراعي الصناعي.
تأتي هذه التصريحات في أعقاب الزيارة التاريخية إلى دمشق في 5 أبريل 2026، وتمثل نقلة استراتيجية في السياسة الخارجية الأوكرانية؛ فلم تعد كييف تكتفي بالدفاع عن وجودها، بل انتقلت إلى مرحلة “بناء نفوذ نشط متعدد الاتجاهات” يدمج بين “القوة الصلبة” – ممثلة في الخبرة العسكرية الميدانية في مواجهة الجيش الروسي والمسيرات الإيرانية – و”القوة الناعمة” من خلال دبلوماسية الحبوب. إنها خطوة محسوبة، تستغل الفراغ الجيوسياسي الذي خلّفه سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 لتقليص النفوذ الروسي-الإيراني، وتعيد صياغة أوكرانيا كلاعب مؤثر في معادلات الشرق الأوسط، وقوة قادرة على التأثير في «الفناء الخلفي» التقليدي لروسيا.
أنهى سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 عقوداً من السيطرة الروسية-الإيرانية على سوريا، وخلق فراغاً جيوسياسياً تسارع أوكرانيا لملئه. كانت كييف من أوائل الدول التي قدمت دعماً فورياً لـ«سوريا الجديدة» من خلال مساعدات غذائية (500 طن دقيق في ديسمبر 2024، ثم آلاف الأطنان ضمن مبادرة «الحبوب من أوكرانيا»). وفي سبتمبر 2025 استعادت العلاقات الدبلوماسية رسمياً، مما أدى إلى ارتفاع حجم التجارة الثنائية تسعة أضعاف خلال أشهر قليلة.
أما زيارة 5 أبريل – وهي الأولى لرئيس أوكراني إلى دمشق – فقد جاءت ثلاثية بمشاركة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وشملت مناقشات معمقة حول الأمن والدفاع، وتبادل الخبرات العسكرية (خاصة في مواجهة المسيرات الإيرانية)، إلى جانب الطاقة والبنية التحتية والوضع الإقليمي في ظل التوترات المتزايدة الناجمة عن الحرب الامريكية – الإسرائيلية على إيران.
حوّلت تصريحات زيلينسكي هذه الاتفاقات المبدئية إلى التزامات تشغيلية ملموسة ودائمة: تعزيز الوجود الدبلوماسي بما في ذلك إعادة فتح السفارات في كييف ودمشق في المستقبل القريب، إضافة إلى فرص عقود زراعية كبرى محتملة. هذا التوجه جزء أصيل من استراتيجية واقعية تهدف إلى إعادة توازن القوى ضد روسيا، حيث تدخل أوكرانيا «الفناء الخلفي» الروسي التقليدي بنفس الطريقة التي حاولت بها موسكو زعزعة استقرار كييف – لكن بأدوات أكثر استدامة وتكاملاً بين القوة الناعمة والصلبة.
Від кризи до партнерства: як військова та економічна співпраця змінює рівняння Близького Сходу?
يحمل الإعلان عن تعزيز الوجود الدبلوماسي أبعاداً استراتيجية متعددة الطبقات. سياسياً، يعني اعترافاً دائماً وصريحاً بشرعية النظام الانتقالي برئاسة أحمد الشرع، وتعزيز مكانة كييف كشريك بنّاء وحيوي في إعادة الإعمار، في مقابل روسيا التي خسرت حليفها الاستراتيجي التاريخي بما في ذلك إمكانية فقدان قواعد طرطوس وحميميم العسكرية الاستراتيجية. أمنياً، يتيح الوجود الدبلوماسي المستمر متابعة يومية ومباشرة لتبادل الخبرات في مواجهة المسيرات الإيرانية التي أثبتت أوكرانيا تفوقاً ميدانياً في التصدي لها؛ فسوريا تفتقر حالياً إلى دفاع جوي فعال، وتقدم أوكرانيا خبرة حربية حقيقية ومُختبرة مقابل دعم سياسي واستخباراتي إقليمي متبادل، وهو ما يمتد إلى شبكة صفقات دفاعية ناضجة سابقة مع دول الخليج (السعودية، قطر، الإمارات)، حيث وقّعت كييف اتفاقيات دفاعية طويلة الأمد مدتها عشر سنوات في مارس 2026 تشمل تبادل الخبرات ومشاريع الإنتاج المشترك. اقتصادياً ولوجستياً، تتحول السفارة إلى مركز تشغيلي رئيسي لتنفيذ العقود الزراعية ومشاريع الطاقة والبنية التحتية، مع ارتفاع متوقع وملموس في حجم التجارة الثنائية بعد الزيارة.
يعكس هذا النهج “دبلوماسية الوسطاء” مع تركيا، التي تمنح التحرك شرعية إقليمية واسعة وتجعله جزءاً عضوياً من إعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط برمته، وتحوله إلى نموذج لكيفية استغلال الفراغات الجيوسياسية بطريقة تقلل من المخاطر وتعظم المكاسب.
رغم استمرار الغزو الروسي الشامل منذ أكثر من أربع سنوات، تبقى أوكرانيا من أكبر مصدري الحبوب في العالم. حتى 8 أبريل 2026، صدرت أوكرانيا أكثر من 26.8 مليون طن من الحبوب والبقوليات في موسم 2025/2026، وإن كان ذلك أقل بنسبة حوالي 30% مقارنة بالعام السابق بسبب التحديات اللوجستية والعسكرية. قبل الحرب كانت الصادرات تغذي حوالي 400 مليون شخص حول العالم، ونجحت كييف في الحفاظ على دورها كمورد رئيسي من خلال ممرات تصدير بديلة ومبادرات دولية مثل «الحبوب من اوكرانيا».
تصريح زيلينسكي حول «عقود كبيرة في المجمع الزراعي الصناعي» و«تعزيز الأمن الغذائي الإقليمي» يمثل نموذجاً ناضجاً ومتقدماً لاستراتيجية «الحبوب مقابل النفوذ». هذه الاستراتيجية تحول القدرة الزراعية الأوكرانية الهائلة إلى أداة جيوسياسية فعالة متعددة الأبعاد، تجمع بين الجانب الإنساني والاقتصادي والسياسي. بدأت كمبادرة إنسانية في نوفمبر 2022، ثم تطورت تدريجياً إلى أداة دبلوماسية ناعمة تُستخدم لتعزيز النفوذ في مناطق استراتيجية، خاصة في العالم العربي والشرق الأوسط وأفريقيا.
بالنسبة لأوكرانيا، توفر هذه العقود أسواق تصدير جديدة وواعدة تولّد إيرادات حيوية تساهم مباشرة في تمويل الدفاع الوطني ودعم الاقتصاد الحربي. كما تعزز صورة كييف كـ «مورد موثوق ومسؤول» على الساحة الدولية، مما يقوض بشكل مباشر السردية الروسية التي تحاول تصوير الحرب الأوكرانية كسبب رئيسي لأزمات الغذاء العالمية، ويساهم في منع بيع الحبوب الأوكرانية المسروقة من قبل روسيا.
أما بالنسبة لسوريا، فيأتي هذا التعاون كحل فوري وفعّال لأزمة القمح المزمنة التي تفاقمت بشدة بسبب الجفاف التاريخي – الأسوأ منذ أكثر من 36 عاماً – والذي أدى إلى انخفاض الإنتاج المحلي إلى حوالي 1-1.3 مليون طن في 2025 (أكثر من 60% تحت المتوسط). تحتاج سوريا إلى حوالي 4 ملايين طن من القمح سنوياً لتلبية احتياجات القمح الأساسية، مما يخلق عجزاً يصل إلى 2.7-3 ملايين طن، يكفي لإطعام أكثر من 16 مليون شخص. بدأ الدعم الأوكراني بمساعدات فورية، ويتطور الآن إلى فرص عقود تجارية كبرى محتملة بما في ذلك تبادل «القمح مقابل الفوسفات» السوري بتكلفة منخفضة. يساهم هذا الدعم في تعزيز استقرار النظام الانتقالي وتقليل الاعتماد على روسيا أو إيران.
على المستوى الإقليمي الأوسع، يربط هذا التعاون سوريا بشبكة أوكرانية واسعة ومتنامية في الشرق الأوسط، ويحول مبادرة «الحبوب من أوكرانيا» من برنامج إنساني محدود إلى أداة جيوسياسية دائمة وقوية، خاصة وسط توترات حادة في خطوط الإمداد العالمية ومضيق هرمز نتيجة الحرب الامريكية – الإسرائيلية على إيران. هذا النموذج – «الأمن مقابل الموارد» – حقق نجاحاً باهراً سابقاً مع دول الخليج، حيث أسفر عن اتفاقيات دفاعية تاريخية مدتها عشر سنوات في مارس 2026، مما جعل أوكرانيا شريكاً اقتصادياً-أمنياً لا غنى عنه في المنطقة بأكملها وأثبت قدرتها على تحويل تحديات الحرب إلى فرص استراتيجية مستدامة تجمع بين القوة الناعمة والصلبة.
جاءت زيارة دمشق وسط تصعيد إقليمي ملحوظ، وتشير مناقشات «الوضع الإقليمي» إلى تنسيق أمني استراتيجي عميق ضد المسيرات الإيرانية التي تحتوي على مكونات طورتها روسيا. بهذه الطريقة تحول أوكرانيا ضعفها العسكري النسبي إلى قوة تصديرية للخبرة الميدانية. وفي ظل الإرهاق الأوروبي وتراجع الدعم الأمريكي، تبني كييف «شبكة جنوبية» قوية تعزز موقفها التفاوضي في أي تسوية سلام محتملة، وتقلل من الاعتماد الحصري على الغرب. ويلعب التنسيق الثلاثي مع تركيا دوراً حاسماً كجسر للشرعية الإقليمية، ويحول سوريا إلى نموذج لـ«دبلوماسية الوسطاء» التي تعيد رسم خريطة التحالفات بعيداً عن النفوذ الروسي-الإيراني التقليدي.
ومع ذلك، لا تخلو هذه الفرصة الواعدة من مخاطر استراتيجية جسيمة ومتداخلة قد تحول «النصر الدبلوماسي» إلى عبء أمني واقتصادي ثقيل، بل قد تعرقل الاستراتيجية الأوكرانية متعددة الاتجاهات برمتها إذا لم تُدار بذكاء استثنائي وحذر مطلق:
أولاً: عدم الاستقرار السوري – التهديد الأكبر والأكثر استدامة. يُعد الوضع السوري بعد سقوط الأسد أحد أخطر التحديات وأعمقها. لا تزال بقايا النفوذ الروسي قوية ومتمركزة في قواعد طرطوس البحرية وحميميم الجوية، حيث تحتفظ موسكو بقدرة على المناورة العسكرية المحدودة مقابل تنازلات سياسية. أما التوترات الطائفية والمناطقية العميقة فقد تحولت في أكثر من مناسبة إلى عنف فعلي دامٍ. هذه التحديات الكبيرة في بناء دولة مركزية متماسكة تجعل أي مشاريع أوكرانية – سواء إنشاء السفارة أو تنفيذ العقود الزراعية – عرضة للاضطراب المفاجئ والعنيف، وقد تحول الاستثمار الدبلوماسي والاقتصادي إلى خسائر سياسية واقتصادية كبيرة في حال انهيار الاستقرار الهش حالياً.
ثانياً: الرد الروسي المحتمل – تهديد هجين مباشر ومتعدد الأبعاد. تعتبر موسكو التقارب الأوكراني-السوري «اقتحاماً» مباشراً وخطيراً لفنائها الخلفي التقليدي، وهو ما يُشكل تهديداً قوياً لاستراتيجيتها في الشرق الأوسط. قد يدفعها ذلك إلى تصعيد عسكري متعمد وأكبر في أوكرانيا، أو إلى تخريب الصفقات عبر عمليات استخباراتية متقدمة، هجمات سايبر، أو دعم خفي لمجموعات موالية لها داخل سوريا بهدف إثارة توترات طائفية أو أمنية.
ثالثاً: الرد الإيراني المحتمل – تهديد خفي لكنه مؤثر. تُعد إيران الخاسر الأكبر من سقوط نظام الأسد، بعد أن فقدت طرق الإمداد الحيوية إلى حزب الله وجزءاً كبيراً من نفوذها العسكري في سوريا. لذلك ترى طهران في التقارب الأوكراني-السوري تهديداً مباشراً، خاصة أن أوكرانيا تناقش صراحة «تبادل خبرات مواجهة المسيرات الإيرانية». الرد الإيراني سيكون “هجيناً وغير مباشر” في الغالب: دعم خفي لميليشيات موالية أو مجموعات شيعية متبقية، تخريب الصفقات الزراعية والأمنية، أو تنسيق مع روسيا للضغط المشترك على دمشق. إيران لا تزال تمتلك نفوذاً محدوداً لكن مؤثراً عبر شبكاتها المحلية، وقد تستخدمه لإثارة توترات طائفية أو أمنية تعرقل تنفيذ المشاريع الأوكرانية، مما يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى المخاطر الروسية والأمريكية.
رابعاً: الضغط الأمريكي المحتمل – خطر استراتيجي جديد ومتزايد الأهمية. رغم الدعم الأمريكي التقليدي القوي لأوكرانيا، فإن واشنطن قد تمارس ضغطاً دبلوماسياً واقتصادياً مباشراً أو غير مباشر على الحكومة السورية الانتقالية للحد من تطوير العلاقات مع كييف، خاصة في المجالات الأمنية والعسكرية. وذلك لأن الإدارة الأمريكية – بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض – تبنت نهجاً براغماتيا يركز على عقد الصفقات والتفاوض لإنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا بسرعة، مما أدى إلى تراجع ملحوظ في الدعم السياسي والعسكري المباشر خلال عام 2025، مع الاعتماد أكثر على بيع الأسلحة عبر حلفاء الناتو بدلاً من المساعدات المباشرة. الولايات المتحدة تمتلك مصالح استراتيجية واضحة في سوريا، وقد ترى في التقارب الأوكراني-السوري السريع مخاطر: إما أن يتحول هذا التقارب إلى قناة غير مباشرة لإعادة تسرب النفوذ الروسي أو الإيراني، أو أن يُعقّد بشكل كبير جهود الولايات المتحدة في إدارة المرحلة الانتقالية. بل قد ترى الإدارة الأمريكية في هذا التقارب السريع تراجعاً ملحوظاً في نفوذها وتأثيرها داخل سوريا والمنطقة ككل، خاصة إذا أدى إلى تعزيز الدور التركي-الأوكراني على حساب النفوذ الذي تحاول واشنطن الحفاظ عليه. واشنطن تمتلك أدوات ضغط فعالة (مساعدات اقتصادية، رفع جزئي أو إعادة فرض عقوبات)، وقد تستخدمها لضمان عدم تجاوز التعاون الأوكراني-السوري «الخطوط الحمراء» الأمريكية.
خامساً: تشتيت الموارد الأوكرانية – خطر التجزئة الاستراتيجية. في ظل استمرار الحرب الشرسة ونقص الذخائر والقوى البشرية الحاد، يُشكل الالتزام بتعزيز الوجود الدبلوماسي والعسكري والزراعي في سوريا تشتيتاً حقيقياً وخطيراً للموارد. فتبادل الخبرات في مواجهة المسيرات، أو تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار، أو إدارة تدفق الحبوب يتطلب خبراء ولوجستيات وتمويلاً يُسحب جزئياً من الجبهة الرئيسية. هذا التشتيت – وإن بدا محدوداً في البداية – قد يضعف القدرة الدفاعية الأوكرانية، خاصة إذا استغلت روسيا أي فجوة لشن هجوم كبير جديد، ويُعرقل التركيز الكامل على «النصر العسكري» الذي يُفترض أن يدعمه «النصر الدبلوماسي».
سادساً: حساسية دبلوماسية الحبوب – عرضة لصدمات خارجية غير قابلة للسيطرة. تعتمد استراتيجية «الحبوب مقابل النفوذ» على عوامل خارجية هشة بطبيعتها: التقلبات المناخية (مثل الجفاف الذي يهدد المحاصيل الأوكرانية)، والأسعار العالمية المتذبذبة، والعقوبات الدولية التي قد تعيق المدفوعات أو سلاسل التوريد، مما يجعل أي عقود كبيرة مع سوريا عرضة للتأخير أو الإلغاء. إذا تحولت «دبلوماسية الحبوب» من أداة قوة إلى عبء اقتصادي بسبب صدمة خارجية واحدة، فإنها ستُضعف صورة أوكرانيا كمورد موثوق، وتُقوض الثقة الإقليمية التي بُنيت بصعوبة بالغة.
هذه المخاطر مترابطة بشكل كبير. عدم الاستقرار السوري قد يستفز ردوداً روسية وإيرانية هجينة، الضغط الأمريكي قد يعرقل التقدم الدبلوماسي، وتشتيت الموارد وحساسية الحبوب تجعلان كل الجهود عرضة لانهيار مفاجئ. لذلك، يتطلب النجاح الأوكراني في سوريا خطة احتياطية محكمة تشمل تنويع المخاطر، تعزيز التنسيق مع تركيا ودول الخليج، وربط أي تقدم سوري مباشرة بدعم الجبهة الرئيسية في أوكرانيا.
تصريحات الرئيس زيلينسكي تؤكد أن أوكرانيا لم تعد «ضحية» في النظام الدولي، بل تحولت إلى “لاعب نشط ومبادر” يمتلك القدرة على تحويل نقاط الضعف التقليدية – استمرار الحرب، نقص الموارد، والاعتماد على الدعم الغربي – إلى أصول استراتيجية قوية ومستدامة. إن تعزيز الوجود الدبلوماسي في سوريا مع دبلوماسية الأمن الغذائي المتطورة يمثلان نموذجاً متقدماً ومبتكراً لاستراتيجية «السلام من خلال الشراكات»، التي تحول التحديات إلى فرص جيوسياسية حقيقية.
إذا نُفذت هذه الخطوة على الأرض بفعالية وحذر استراتيجي – من خلال تدفق مستدام للحبوب، وتبادل أمني مستمر وعميق، ومشاريع إعمار مشتركة حقيقية – فستصبح سابقة تاريخية تُدرس في العلاقات الدولية كمثال حي وناجح على استغلال فراغ القوة لإعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي، وتحويل الحرب من عبء وجودي إلى فرصة استراتيجية تُعيد صياغة مكانة أوكرانيا كقوة إقليمية صاعدة.
في النهاية، الشهور المقبلة ستكون حاسمة وفاصلة: إما أن تثبت هذه الخطوة أنها «انتصار استراتيجي تاريخي» يعيد تعريف أوكرانيا كقوة إقليمية مؤثرة وقادرة على اللعب في عالم متعدد الأقطاب، أو أنها تبقى مناورة تكتيكية ناجحة محدودة التأثير طويل الأمد. الدلائل الأولية – من ارتفاع التجارة الثنائية تسعة أضعاف منذ سبتمبر 2025، إلى الاهتمام السوري الكبير بتبادل الخبرات العسكرية والعقود الزراعية – تشير بوضوح إلى إمكانية تحقيق الانتصار الأول، بشرط أن تُدار المخاطر المتداخلة (السورية، الروسية، الإيرانية، الأمريكية، والاقتصادية) بذكاء استراتيجي يوازي جرأة الخطوة نفسها.

