ويتكوف-غيت: عندما يُدار البيت الأبيض من الكرملين
القصة الكاملة لـ “الخيانة العظمى” وصفقة التوماهوك
доктор Саїд Саллам, директор Центру стратегічних досліджень Vision
30\11\2025
تجاوزت قضية “تسريبات ويتكوف-أوشاكوف” كونها مجرد زلة دبلوماسية لتتكشف عن فضيحة استخباراتية وسياسية من العيار الثقيل، تضرب في صميم الأمن القومي الأمريكي والأطلسي. أثبتت التسجيلات الصوتية (التي أكد الكرملين صحتها) والتقاطعات المعلوماتية أن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف لم يلعب دور الوسيط، بل تحول إلى “أصل استخباراتي” طوعي للجانب الروسي. وتتمثل أركان هذه الفضيحة في ثلاثة محاور رئيسية: أولاً، التواطؤ العملياتي عبر تسريب أسرار عسكرية (صواريخ توماهوك) لنسف الدعم لأوكرانيا؛ ثانياً، غسيل السياسات عبر تبني خطة روسية صيغت في منزل ويتكوف بميامي وتقديمها كخطة أمريكية؛ وثالثاً، الانقسام المؤسسي الحاد الذي دفع وزير الخارجية ماركو روبيو للتدخل كـ “صمام أمان” لمنع انهيار التحالف الغربي. نحن أمام سابقة تاريخية حيث تتخلى واشنطن طوعاً عن قيادة “العالم الحر” لتلعب دور “الوسيط المحايد” بين حلفائها وبين خصمها الاستراتيجي، مما يهدد بتفكيك منظومة الأمن الجماعي الغربية.
التشريح الجنائي للاختراق: من “قناة خلفية” إلى “أصل استخباراتي”
تكشف التحليلات المعمقة للنصوص والوثائق المسربة أن العلاقة التي جمعت المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف بالكرملين قد تجاوزت بكثير حدود “القنوات الخلفية” المألوفة في العمل الدبلوماسي أو حتى تلك التي تفرضها ضرورات التواصل غير الرسمي أثناء الأزمات. نحن أمام حالة غير مسبوقة من “التنسيق التكتيكي والعملياتي” ضد المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها، تجلت في محورين خطيرين يرقيان إلى مستوى الإضرار المتعمد بالأمن القومي.
في تطور يُعد الأخطر ضمن سلسلة الانتهاكات المرصودة، أثبتت الوقائع أن دور “ويتكوف” لم يقتصر على تقديم المشورة السياسية، بل انزلق إلى مستوى تسريب معلومات عسكرية مصنفة “سرية للغاية” (Top Secret) إلى خصم استراتيجي. لقد قام المبعوث الأمريكي بإبلاغ مساعد بوتين، يوري أوشاكوف، بوجود خطة أمريكية وشيكة للإعلان عن تزويد كييف بصواريخ “توماهوك” الاستراتيجية المجنحة تزامناً مع زيارة الرئيس زيلينسكي لواشنطن. لم يتوقف الانتهاك عند حدود الإبلاغ، بل تحول ويتكوف إلى طرف فاعل في إجهاض الاستراتيجية الأمريكية، حيث حرّض الجانب الروسي صراحةً على التدخل الفوري، مقترحاً إجراء اتصال عاجل من الرئيس بوتين بنظيره الأمريكي “استباقياً” وقبل وصول زيلينسكي، بهدف الضغط لإلغاء هذه الخطوة.
وتشير التقاطعات المعلوماتية المؤكدة إلى نجاح هذه المناورة؛ إذ تم الاتصال، وأُلغيت الصفقة أو عُرقلت فعلياً. هذا السلوك يضعنا أمام سابقة تاريخية: مبعوث أمريكي يتآمر بتنسيق مباشر مع “العدو” لتجريد “حليف استراتيجي” من قدرات ردع حاسمة كانت كفيلة بتغيير معادلة الميدان، وهو ما قد يُكيّف قانونياً كخيانة عظمى أو تخابر يضر بسلامة القوات والمصالح الأمريكية.
وكشفت التسجيلات عن بُعد آخر لا يقل خطورة، يتمثل في قيام ويتكوف بتزويد الروس بما يشبه “الدليل الإرشادي” لكيفية التعامل مع شخصية الرئيس دونالد ترامب وتطويعها. تضمنت نصائح ويتكوف توجيهات دقيقة بضرورة استغلال السمات النفسية للرئيس عبر “دغدغة الغرور”، من خلال تهنئته بإنجازات سابقة أو مضخمة (مثل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة)، وتكريس صورة في مخيلته كـ “رجل السلام الأوحد”. الأخطر هو اعتراف ويتكوف الصريح لنظيره الروسي بأنه هو المهندس الذي قام بـ “زرع السردية” داخل البيت الأبيض، ومفادها أن “بوتين يسعى بصدق للسلام والحل”، في حين تم تصوير أوكرانيا باعتبارها “العقبة المتعنتة”.
هذا الاعتراف ينسف فرضية أن مواقف الرئيس الأمريكي الحالية مبنية على تقديرات موقف استخباراتية أو مؤسسية رصينة، ويؤكد أنها نتاج “عملية تضليل ممنهجة” قادها مبعوثه الخاص بتوجيه وتناغم كامل مع الرؤية الروسية، مما حول صانع القرار الأمريكي إلى متلقٍ لسردية الخصم بدلاً من أن يكون صانعاً للاستراتيجية الوطنية.
“عملية ميامي” وإعادة هندسة الأمن الأوروبي بخطة روسية
إن “خطة السلام” التي سُوّقت على أنها نتاج التفكير الاستراتيجي الأمريكي لم تنشأ في أروقة البنتاغون أو مجلس الأمن القومي، بل كانت في حقيقة الأمر نتاجاً لعملية “تكليف” غير رسمية بالكامل للكرملين. لقد كشفت هذه العملية عن استخفاف متعمد بالقنوات المؤسسية الأمريكية، وعن سعي مباشر نحو تبني الأجندة الروسية وتمريرها عبر مظلة شرعية زائفة، مما يعكس تحولاً نوعياً في أساليب الاختراق السياسي.
تؤكد التفاصيل الاستخباراتية انعقاد اجتماع سري للغاية وغير مصرح به استمر لثلاثة أيام في أواخر أكتوبر. عُقد الاجتماع في منزل المبعوث الرئاسي، ستيف ويتكوف، في مدينة ميامي، وشهد حضور صهر الرئيس جاريد كوشنر (مما يمثل استغلالاً للنفوذ العائلي داخل البيت الأبيض) والمبعوث الروسي كيريل دميترييف. إن مشاركة دميترييف، وهو شخصية روسية بارزة تترأس صندوق الاستثمار المباشر الروسي وتخضع لعقوبات أمريكية ودولية، يعد انتهاكاً صارخاً للبروتوكولات ويثير تساؤلات عميقة حول خرق القوانين الأمريكية (لا سيما قانون لوغان) المتعلقة بالتواصل غير المصرح به مع كيانات أجنبية خاضعة للعقوبات. وجود كوشنر يضفي على الاجتماع طابع “دبلوماسية الظل” التي تتجاوز الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الرسمية، مما يضمن أعلى درجات السرية والتغطية. لم يكن الهدف من اللقاء هو التفاوض، بل التلقين؛ حيث قام دميترييف، بمعزل عن أي خبراء أمريكيين في القانون الدولي أو الأمن القومي، بصياغة المسودة الأولية للخطة بشكل كامل ومباشر. هذا الإجراء يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الخطة هي نسخة “أصلية” تعكس المطالب الروسية القصوى، وليست مبادرة أمريكية قائمة على المصالح المشتركة.
المحرك الرئيسي لهذه العملية هو ما يمكن تسميته بـ “غسيل الشرعية”، وهي عملية خداع استراتيجي تهدف إلى إعداد وثيقة تخدم مصالح روسيا، ثم تمريرها عبر قناة أمريكية رفيعة المستوى لكي تكتسب صفة “المبادرة الأمريكية للسلام” التي يصعب على الحلفاء الأوروبيين أو الأوكرانيين رفضها علناً دون التعرض لضغوط واشنطن. وقد كشفت التسجيلات بوضوح عن التعليمات الروسية الصريحة: “اكتب الوثيقة بمواقفنا وشروطنا القصوى… وسنقوم لاحقاً بتقديمها على أنها مبادرة الولايات المتحدة”.
تضمنت المسودة الأصلية بنداً كارثياً يتمثل في الحظر الأبدي والملزم لانضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو. هذا البند لا يستهدف أوكرانيا فحسب، بل يمثل هدفاً استراتيجياً روسياً قديماً يسعى إلى تغيير عقيدة الحلف نفسه، وتحديداً مبدأ “الباب المفتوح”، وهو ما يمنح روسيا فعلياً “حق النقض” على التوسع المستقبلي للحلف، ويهدم جوهر الأمن الجماعي الأوروبي. ودعت الخطة إلى تقليص شامل وتحديد دقيق لأعداد وتجهيزات القوات المسلحة الأوكرانية، وهو ما يمثل نزعاً للسلاح وإجهاضاً لأي قدرة أوكرانية على الردع والدفاع عن النفس في المستقبل. ورغم تباين الأرقام المطروحة في النقاشات الداخلية (بين رغبة روسية بـ 85 ألف جندي، وبين أرقام أمريكية مقترحة لاحقاً تتراوح بين 600-800 ألف)، فإن المبدأ يبقى هو تقييد السيادة العسكرية لكييف. كذلك اشتملت المسودة على المطالبة بـالاعتراف بالأمر الواقع الإقليمي والانسحاب الكامل من أراضٍ في الدونباس لم تحتلها روسيا بعد، مما يشرّع العدوان ويمنح روسيا مكاسب جغرافية وقانونية على حساب سيادة الدولة الأوكرانية ويخلق سابقة قانونية خطيرة في العلاقات الدولية.
هذه العملية لا تمثل فشلاً دبلوماسياً أمريكياً، بل تعكس نجاحاً استخباراتياً لجهة معادية في اختراق أعلى مستويات الدبلوماسية الأمريكية لتمرير أجندتها الخاصة، متجاوزة بذلك كل قنوات الرقابة والشرعية المؤسسية.
Мінне поле переговорів: розрахунки Трампа та Путіна ускладнюють сценарії завершення війни в Україні.
“حرب الأجنحة” في واشنطن وتصدع المؤسسة الأمريكية
أدى هذا الاختراق غير المسبوق للقنوات الدبلوماسية الرسمية إلى تصدع عميق داخل أروقة القرار الأمريكي، ليتحول الصراع إلى حرب أجنحة معلنة بين تيار “دبلوماسية الموالين” المتمثل في ويتكوف وكوشنر، وتيار “المؤسساتيين المنقذين” الذي تقوده الأجهزة التقليدية وعلى رأسها وزارة الخارجية. هذا الانقسام لم يكن مجرد خلاف على السياسات، بل كان صراعاً على تعريف السلطة والشرعية في إدارة العلاقات الخارجية.
وجد وزير الخارجية، ماركو روبيو، نفسه في حالة من العزل الكامل عن دائرة القرار الأولى التي احتكرها ويتكوف وكوشنر عبر القنوات الخلفية. ومع تكشف أبعاد الكارثة، اضطر روبيو للتدخل بما يُشبه “التدخل الجراحي” لامتصاص الصدمة واستعادة المبادرة المؤسسية. يمثل قرار إلغاء قمة “بودابست” التي كانت مقررة بين ترامب وبوتين، دليلاً على نجاح روبيو في تفعيل دوره كـ “صمام أمان مؤسسي”. لقد حذر روبيو الرئيس من أن روسيا تسعى إلى توقيع اتفاق صوري وسريع، يحبس واشنطن في شروطها القصوى ويظهره بمظهر المستسلم الذي تم الإيقاع به، وبالتالي نجح في منع تتويج عملية الاختراق الروسي على أعلى المستويات. وتولى فريق روبيو مهمة “تطهير” المسودة الروسية، مقلصين بنودها من 28 بنداً إلى 19 بنداً. لم يكن الهدف من هذا التخفيض هو قبول الخطة، بل تجريدها من البنود الأكثر استفزازاً وتدميراً التي ضمّنها المبعوث الروسي، حيث تم حذف النقاط المتعلقة بـ التحديد القسري لحجم الجيش الأوكراني іمنع وجود القوات الأجنبية. وقد تم ترحيل القضايا الخلافية الكبرى، مثل ملف الأراضي (التنازل الإقليمي) وعضوية الناتو، إلى “مستوى القادة”، مما أتاح للمؤسسات الأمريكية كسب الوقت وإجبار روسيا على التفاوض وفقاً للأطر الرسمية مجدداً، بدلاً من إملاء الشروط.
تحولت القضية سريعاً إلى معركة قانونية ودستورية في الكابيتول هيل، حيث يواجه ويتكوف تهديداً جدياً بالمساءلة واتهامات مباشرة بانتهاك “قانون لوغان”، وهو قانون اتحادي نادر الاستخدام يحظر على المواطنين غير المصرح لهم إجراء اتصالات أو دبلوماسية موازية مع حكومات أجنبية بقصد التأثير على سياسة الولايات المتحدة. إن إدانة ويتكوف بهذا القانون لا ترتكز فقط على الاتصال، بل على النية الواضحة لعرقلة السياسة الأمريكية التقليدية تجاه أوكرانيا. وتصاعدت حدة الاتهامات من صقور الجمهوريين (مثل عضو الكونغرس دون بيكون) والديمقراطيين لتصل إلى حد الإشارة إلى “الخيانة”. وعلى الرغم من أن إثبات تهمة “الخيانة العظمى” دستورياً أمر بالغ الصعوبة، إلا أن هذا الاتهام السياسي يهدف إلى تسليط الضوء على خطورة التواطؤ في ملف تسريب صواريخ التوماهوك، حيث يعتبر العمل على إحباط قدرات عسكرية أمريكية مخصصة لحليف، لصالح خصم استراتيجي، بمثابة خيانة للواجب الوطني.
إن دفاع الرئيس ترامب عن ويتكوف، ووصفه لما جرى بأنه “بيع للصفقة” و”ممارسة طبيعية”، يضع الحزب الجمهوري في مأزق سياسي وأخلاقي لا يُحسد عليه. فإما أن يتنازل الحزب عن مبادئه المؤسسية (التي تدعم الناتو وأمن الحلفاء) ويتستر على ما يبدو كخيانة، أو يدخل في صدام مباشر مع الرئيس لحماية النزاهة المؤسسية، مما يزيد من تآكل الخطوط الفاصلة بين الولاء الشخصي والالتزام بالمصلحة الوطنية العليا.
الانهيار الجيوسياسي وتفكيك ركائز الأمن الأطلسي
تسببت هذه “الدبلوماسية الموازية”، التي تجاوزت القنوات المؤسسية، في إحداث أضرار استراتيجية عميقة في بنية الأمن الأطلسي، وهي أضرار قد تستغرق عقوداً لإصلاحها، حيث تآكلت الثقة في القيادة الأمريكية وعمق التعاون الاستخباراتي.
إن المحاولات التي كشفت عنها التسريبات لاستخدام الأصول الروسية المجمدة في أوروبا (والتي تقد بـ 200 مليار دولار) كأداة للمساومة أو “التعويض” ضمن الصفقة، تشكل تهديداً خطيراً على مصداقية النظام المصرفي الأوروبي واستقراره القانوني. فالتصرف من جانب واحد في هذه الأصول، دون أساس قانوني متين أو إجماع أوروبي، يفتح الباب أمام مطالبات قضائية ضخمة، ويزعزع ثقة المستثمرين العالميين في حماية أموالهم داخل البنوك الأوروبية، مما يعقد العلاقات المالية بين أوروبا والولايات المتحدة.
ويمثل البند الأخطر في الخطة الروسية/الأمريكية المتبناة هو النص على أن الولايات المتحدة ستكون مجرد “وسيط محايد” في الحوار بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو). هذا التحول الجذري أثار القلق العميق في العواصم الأوروبية، إذ يعني عملياً تخلي واشنطن عن دورها التاريخي كـ “القوة القائدة للحلف” و “الضامن الأوحد” لأمن القارة. إن هذا البند لا يقوّض دور واشنطن القيادي فحسب، بل يطعن في جوهر المادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تُلزم الأعضاء بالدفاع الجماعي عن بعضهم البعض. بتحويل نفسها إلى “طرف ثالث محايد”، ترسل الولايات المتحدة رسالة واضحة بأن التزامها تجاه الدفاع عن أوروبا ليس مطلقاً أو مضموناً. جاء رد الفعل الأوروبي حاسماً، حيث أعلن قادة كـ دونالد توسك في بولندا وفريدريش ميرتس في ألمانيا رفضهم المطلق: “لا اتفاق دون أوروبا”. هذا الموقف القاطع يسرّع التوجه نحو بناء منظومة “الاستقلال الاستراتيجي”، وهو مسار تتجه فيه أوروبا نحو تأسيس قدرات عسكرية ودفاعية نووية وتقليدية مستقلة عن واشنطن، مما قد يؤدي على المدى الطويل إلى تفكك فعلي في هيكل القيادة الأطلسية الموحد.
إن تسريب ويتكوف لمعلومات “سرية للغاية” حول خطة تزويد أوكرانيا بصواريخ توماهوك للقيادة الروسية، قد دق ناقوس الخطر في أهم وأقوى تحالف استخباراتي في العالم، وهو تحالف “العيون الخمس” الذي يضم الولايات المتحدة، بريطانيا، كندا، أستراليا، ونيوزيلندا. أثبتت واقعة “التوماهوك” أن القنوات الأمريكية (على الأقل تلك المتعلقة بالرئاسة) قد تم اختراقها أو تسييسها لخدمة أجندة خصم أجنبي. بات الحلفاء يخشون على نحو مبرر من مشاركة معلومات استخباراتية عالية الحساسية مع واشنطن، خوفاً من أن تنتهي هذه المعلومات على مكتب الرئيس بوتين عبر قنوات ويتكوف/كوشنر. يهدد هذا التآكل للثقة بقطع تدفق المعلومات الخام والمنقّاة، مما يؤدي إلى “عمى استراتيجي” متبادل. فإذا قررت بريطانيا أو كندا تقليل مستوى المعلومات المشتركة حول أنشطة روسيا أو الصين خوفاً من التسريب، فإن هذا لا يعرض أمن واشنطن للخطر فحسب، بل يعرض أمن بقية الشركاء العملياتي للخطر في لحظة جيوسياسية حرجة، مما يفكك وحدة الموقف الغربي الاستخباراتي.
نحو مرحلة الشلل الاستراتيجي ونهاية الضمانات الأطلسية
إن مراجعة معمقة لكافة المعطيات التي أحاطت بـ “فضيحة ويتكوف” تقودنا إلى استنتاج استراتيجي واحد ومحوري: لقد نجحت روسيا في تنفيذ عملية تأثير استراتيجي كبرى داخل البيت الأبيض، وهي عملية لم تعتمد على أساليب التجسس التقليدي المعقدة، بل قامت على أسلوب “الاختراق الهيكلي” عبر استغلال للطموحات الشخصية المفرطة والدبلوماسية الموازية والسذاجة السياسية للمحيطين بدائرة القرار الأولى للرئيس. لقد تحول المبعوث الرئاسي، في هذه الحالة، إلى قناة لنقل الإرادة الروسية وتمريرها، مما أدى إلى تسييس وتخريب قرار الأمن القومي من الداخل.
في ضوء التصدعات التي أصابت المؤسسة الأمريكية وثقة الحلفاء، يمكن تحديد المسارات المتوقعة للمرحلة القادمة. من المرجح أن تستمر حالة “الشلل التفاوضي” حيث تتوازن الأوزان المتصارعة داخل واشنطن. سيواصل وزير الخارجية ماركو روبيو ولجنة المؤسسات لعب دور “رجل الإطفاء” والدبلوماسي المماطل، عبر تعقيد البنود وجعلها غير مقبولة روسياً، لامتصاص الضغط السياسي والحؤول دون توقيع اتفاق مدمر. في المقابل، سيبقى تيار ويتكوف وكوشنر (وبدعم من الرئيس ترامب) يسعى لدفع “الصفقة السريعة” كـ “إنجاز سلام” شخصي. هذا التناقض سيؤدي إلى شلل وظيفي في القيادة الأمريكية، يستهلك الوقت دون التوصل إلى قرار حاسم، مما يحوّل مركز واشنطن إلى مصدر للضوضاء بدلاً من أن يكون مصدر قوة.
ومع وضوح حقيقة أن الضمانات الأمنية الأمريكية لم تعد مطلقة أو مضمونة، ستدخل كل من أوروبا وأوكرانيا مرحلة جديدة من إعادة تقييم تحالفاتهما. هذا الإدراك القاسي سيدفع كييف إلى تبني استراتيجية “القتال الوجودي” والدفاع عن النفس دون انتظار إذن من واشنطن، مما قد يعني تصعيداً ذاتياً في الميدان لتجنب فرض شروط الاستسلام السياسي. هذا التوجه نحو الاستقلالية في القتال سيزيد من الضغط على أوروبا لتمويل وتزويد كييف بشكل مباشر لضمان بقائها.
كذلك ستدفع هذه الفضيحة أوروبا نحو خطوات تصعيدية ومؤسسية لملء فراغ القيادة الأطلسية. فبدلاً من انتظار واشنطن، ستضطر العواصم الأوروبية لزيادة إنفاقها الدفاعي بشكل جذري، وتفعيل آليات “الاستقلال الاستراتيجي”، وقد يشمل ذلك خطوات جادة نحو تعميق التعاون العسكري الأوروبي المشترك أو حتى التفكير في مظلة ردع مستقلة، مما يعزز فكرة أن أوروبا لم تعد مستعدة للقبول بوضع “المحمية” الأمريكية.
في المقابل ستنظر موسكو إلى فترة الشلل السياسي والارتباك الأطلسي هذه على أنها “نافذة فرص” لا تعوض. ستستغل روسيا هذا الفراغ في القيادة الأمريكية لاحتلال المزيد من الأراضي ومحاولة فرض أمر واقع عسكري على الأرض، قبل أن يستقر الغبار السياسي في واشنطن ويتمكن تيار المؤسسات من فرض سياسات أكثر صرامة. الهدف الروسي هو تحقيق مكاسب غير قابلة للعكس تصبح نقطة انطلاق لأي مفاوضات قادمة.
Інший підхід Трампа змінює геополітичний та військовий ландшафт.
التحدي الاستراتيجي: حماية النظام الأطلسي من الاختراق الداخلي
إن التحدي الجيوسياسي الذي يواجه أوكرانيا وأوروبا في المرحلة الراهنة يتجاوز مسألة إدارة الصراع المباشر أو التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. فالمسألة الأعمق والأخطر تكمن في منع الاختراق الهيكلي للقيادة الأمريكية، والذي كشفته تسريبات “ويتكوف-أوشاكوف”، من أن يتحول إلى عامل تفكيك دائم للنظام الأمني الأطلسي.
المحور الأساسي للتحدي يكمن في عجز أوروبا عن مواجهة هذا النوع الجديد من التهديد الذي يُعرف بـ “التخريب من الداخل”. إن تسييس قضايا الأمن الجماعي عبر قنوات غير رسمية، وتحويل القرارات المصيرية (مثل تزويد حليف بأسلحة دفاعية) إلى رهينة للولاءات الشخصية أو الأجندات الرئاسية، يهدد بتقويض مفهوم المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو، والتي تُعد ركيزة الدفاع المشترك. إذا فقدت العواصم الأوروبية الثقة في أن واشنطن ستتصرف وفقاً للمصالح المؤسسية والتحالفية، فإن هذا سيؤدي حتماً إلى انهيار التماسك الأطلسي على المدى الطويل.
والخطر الأكبر لا يكمن في وجود التجسس (الذي هو جزء تقليدي من صراع القوى)، بل في تكريس قناعة أن المبعوثين الموالين للرئيس يمكن أن يمثلوا تهديداً للأمن القومي يتجاوز خطورة التجسس التقليدي. فالتجسس التقليدي يتم كشفه ومحاربته من قبل الأجهزة الاستخباراتية (CIA و FBI)، بينما “اختراق الموالين” يتم تحت غطاء الشرعية الرئاسية، مما يعطل آليات الرقابة المؤسسية والقانونية. هذا يسمح بتسريب معلومات سرية (كواقعة صواريخ توماهوك) أو تبني أجندات الخصم دون مساءلة، مما يجعل هذا النوع من التهديد غير مرئي іأكثر فتكاً بالنظام السياسي الداخلي للحليف الأكبر.



