التكامل الجيواقتصادي بين أوكرانيا وسوريا وتركيا: نحو إعادة تشكيل منظومة الأمن الغذائي والطاقة في الشرق الأوسط

وحدة الدراسات الاقتصادية – مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية
10\4\2026
يمثل التفاعل الثلاثي بين أوكرانيا وسوريا وتركيا أحد النماذج الناشئة لإعادة هندسة العلاقات الاقتصادية في بيئة دولية تتسم باضطراب بنيوي عميق منذ الغزو الروسي لأوكرانيا 2022، حيث لم تعد التفاعلات الدولية تُدار بمنطق التحالفات التقليدية، بل وفق مقاربات براغماتية قائمة على تقاطع المصالح الحيوية. وفي هذا السياق، تكتسب زيارة الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى دمشق، برفقة وزير الخارجية التركي، دلالة استراتيجية تتجاوز بعدها البروتوكولي، لتؤشر إلى السعي لتأسيس إطار ثلاثي جديد يعيد تموضع هذه الدول ضمن معادلات الأمن الغذائي والطاقة في الإقليم.
لا يمكن قراءة هذا التفاعل ضمن إطار ثنائي تقليدي، بل ضمن مقاربة تكاملية متعددة الأبعاد، حيث تتقاطع فيه اعتبارات الأمن الغذائي، الطاقة، سلاسل الإمداد، وإعادة الإعمار، في سياق إعادة تعريف مفهوم “الأمن الاستراتيجي الشامل”. فالديناميكيات الجديدة لا تعكس مجرد تقارب سياسي عابر، بل تشير إلى تشكل نموذج وظيفي يقوم على توزيع الأدوار: أوكرانيا كمصدر للغذاء والتكنولوجيا الزراعية، تركيا كعقدة لوجستية وممر طاقة، وسوريا كسوق مركزي وفضاء لإعادة توظيف هذه التدفقات ضمن عملية إعادة بناء الاقتصاد. هذا التحول، إذا ما تم، قد يؤسس لمرحلة جديدة تنتقل فيها المنطقة من إدارة الأزمات إلى بناء منظومات تكاملية قادرة على امتصاص الصدمات وتعزيز الاستقرار طويل الأمد.
ينطلق التحليل من واقع سوري يتسم بهشاشة هيكلية عميقة. الاقتصاد الزراعي، الذي كان يشكل أحد أعمدة الاستقرار قبل 2011، تعرض لانهيار متعدد المستويات. الإنتاج الوطني من القمح تراجع من نطاق 4–5 ملايين طن سنويًا إلى مستويات تدور بين 1 و1.3 مليون طن في أفضل التقديرات الحديثة، ما يعني فجوة غذائية تتجاوز 2.5 إلى 3 ملايين طن سنويًا. هذا التراجع لا يرتبط فقط بالظروف الأمنية، بل يعكس تفككًا في منظومة الإنتاج: تدمير شبكات الري، ارتفاع تكاليف المدخلات، تراجع الدعم الحكومي، وتزايد آثار التغير المناخي، خاصة موجات الجفاف المتكررة التي خفضت إنتاجية الهكتار بنسبة تصل إلى 35–50% في بعض المناطق.
غير أن الأزمة الغذائية السورية لا تقتصر على القمح، بل تمتد إلى مجمل سلة الحبوب والزيوت النباتية، ما يعكس خللًا هيكليًا في الأمن الغذائي متعدد السلع. ففي ما يتعلق بالشعير، الذي يُستخدم بشكل رئيسي كعلف حيواني، تراجع الإنتاج من نحو 1–1.2 مليون طن قبل 2011 إلى أقل من 300–400 ألف طن في السنوات الأخيرة، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف تربية الماشية وانكماش قطاع الثروة الحيوانية بنسبة تتجاوز 40%. أما الذرة الصفراء، التي تُعد عنصرًا أساسيًا في صناعة الأعلاف والصناعات الغذائية، فإن الإنتاج المحلي لا يغطي سوى أقل من 20% من الطلب، مع حاجة استيرادية تُقدّر بنحو 1–1.5 مليون طن سنويًا، خاصة في ظل توسع الطلب من قطاع الدواجن.
في قطاع الزيوت النباتية، تتجلى الفجوة بشكل أكثر حدة. سوريا كانت قبل الأزمة تنتج جزءًا من احتياجاتها من زيت عباد الشمس، إلا أن الإنتاج المحلي تراجع إلى مستويات هامشية لا تتجاوز 10–15% من الطلب، نتيجة تضرر المساحات المزروعة وارتفاع تكاليف الزراعة. في المقابل، يُقدّر الاستهلاك السنوي من الزيوت النباتية، وعلى رأسها زيت عباد الشمس، بنحو 180 إلى 220 ألف طن، يتم تأمين أكثر من 85% منها عبر الاستيراد. هذا الاعتماد المرتفع على الخارج يجعل السوق السورية عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، خاصة أن أوكرانيا تعد من أكبر مصدري زيت عباد الشمس عالميًا، بحصة تتجاوز 40% من التجارة الدولية في هذا القطاع.
كما تمتد الفجوة إلى محاصيل أخرى مثل الأرز، الذي تعتمد سوريا على استيراده بشكل شبه كامل، بمتوسط طلب سنوي يتراوح بين 150 و200 ألف طن، إضافة إلى السكر والزيوت الأخرى، حيث يتجاوز الاعتماد على الاستيراد 90%. هذا النمط يعكس تحول سوريا من دولة شبه مكتفية غذائيًا إلى دولة تعتمد بشكل كبير على الأسواق الخارجية لتأمين احتياجاتها الأساسية.
الأثر التراكمي لهذه الفجوات لا ينعكس فقط على الأمن الغذائي، بل يمتد إلى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ارتفاع تكاليف الاستيراد يضغط على احتياطيات النقد الأجنبي، ويزيد من تقلبات الأسعار المحلية، حيث شهدت أسعار المواد الغذائية الأساسية زيادات تجاوزت 300% خلال السنوات الأخيرة في بعض الفترات. كما أن تراجع الإنتاج المحلي أدى إلى فقدان مئات آلاف فرص العمل في القطاع الزراعي، ما ساهم في تعميق الفقر، خاصة في المناطق الريفية.
في هذا السياق، تصبح الحاجة إلى تنويع مصادر الاستيراد وبناء شراكات استراتيجية، خاصة مع دول تمتلك فائضًا إنتاجيًا مثل أوكرانيا، ضرورة استراتيجية، ليس فقط لتأمين الإمدادات، بل لإعادة بناء منظومة الأمن الغذائي على أسس أكثر استدامة ومرونة.
من الأزمة إلى الشراكة: كيف يعيد التعاون العسكري والاقتصادي ترتيب معادلات الشرق الأوسط؟
في المقابل، تمثل أوكرانيا أحد أهم مراكز الإنتاج الزراعي القادرة على توليد فائض تصديري مستدام حتى في ظل بيئة صراعية معقدة منذ الغزو الروسي لأوكرانيا 2022. وبالاستناد إلى تقديرات دولية حديثة، يتراوح إجمالي إنتاج الحبوب الأوكرانية بين 55 و65 مليون طن سنويًا خلال الفترة 2024–2026، مقارنة بمتوسط تجاوز 75 مليون طن قبل الحرب، ما يعكس قدرة النظام الزراعي الأوكراني على الحفاظ على أكثر من 70–80% من طاقته الإنتاجية رغم الضغوط العسكرية واللوجستية. ضمن هذه المنظومة، يتراوح إنتاج القمح بين 20 و23 مليون طن، مع صادرات سنوية تتراوح بين 15 و18 مليون طن، فيما تصل صادرات الذرة إلى نحو 20–25 مليون طن، والشعير إلى ما بين 4 و6 ملايين طن، وهو ما يمنح أوكرانيا موقعًا مركزيًا في تزويد الأسواق التي تعاني من عجز مركب في الحبوب والأعلاف.
الأهمية الاستراتيجية لأوكرانيا لا تقتصر على الحبوب، بل تمتد إلى قطاع الزيوت النباتية، حيث تحتفظ بحصة تتراوح بين 40% و50% من صادرات زيت عباد الشمس عالميًا، بإجمالي صادرات سنوية تقارب 5 إلى 6 ملايين طن. هذا الرقم يكتسب أهمية مضاعفة في سياق السوق السورية، التي تعتمد على الاستيراد لتأمين أكثر من 85–90% من احتياجاتها من الزيوت النباتية، بمتوسط استهلاك سنوي يتراوح بين 180 و220 ألف طن. وعليه، فإن القدرة الأوكرانية على تزويد هذه السوق لا تمثل فقط استجابة لحاجة استهلاكية، بل تساهم في استقرار سلع أساسية ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي اليومي.
في ضوء هذه المؤشرات، يتضح أن العلاقة المحتملة بين أوكرانيا وسوريا تتجاوز نمط “المورد–المستورد”، لتأخذ شكل تكامل بين فائض إنتاج متنوع وعجز غذائي متعدد السلع، يشمل القمح، الذرة، الشعير، والزيوت النباتية. هذا التكامل يتيح لسوريا تنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد على مورد واحد، كما يمنح أوكرانيا منفذًا مستقرًا نحو أسواق الشرق الأوسط.
غير أن تفعيل هذا التكامل يتطلب بنية وسيطة قادرة على إدارة التعقيدات الجيوسياسية واللوجستية، وهو ما توفره تركيا. فتركيا تمتلك منظومة موانئ متطورة بطاقة مناولة تتجاوز 500 مليون طن سنويًا عبر مختلف موانئها، إضافة إلى شبكة نقل بري وسككي تربط البحر الأسود بالمتوسط والشرق الأوسط. هذا يتيح تحويل تركيا إلى منصة “إعادة توزيع إقليمية”، وليس مجرد ممر عبور، حيث يمكن تخزين الحبوب، إعادة خلطها، أو إعادة تصديرها وفق متطلبات الأسواق النهائية.
في هذا الإطار، فإن إعادة تصميم سلاسل الإمداد تمثل تحولًا من نموذج خطي إلى نموذج شبكي متعدد العقد. عمليًا، يمكن للحبوب الأوكرانية أن تنتقل عبر موانئ مثل أوديسا إلى الموانئ التركية، ثم تُنقل برًا أو بحرًا إلى الموانئ السورية، مع إمكانية التخزين المرحلي أو إعادة التوزيع. هذا النموذج يقلل من زمن التسليم بنسب تتراوح بين 15% و30% مقارنة بالمسارات التقليدية، ويخفض تكاليف النقل والتأمين، خاصة في ظل ارتفاع المخاطر في البحر الأسود.
كما أن هذا النمط الشبكي يحد من مخاطر الانقطاع، حيث يسمح بتعدد المسارات (بحري–بري–مختلط)، ويخلق مرونة تشغيلية أعلى في مواجهة الأزمات. في بيئة تتسم باضطرابات متكررة في سلاسل الإمداد العالمية، يصبح هذا النوع من التكامل اللوجستي أداة استراتيجية لإدارة المخاطر، وليس مجرد خيار تقني.
بالتالي، فإن ما يتشكل هنا ليس مجرد قناة تجارية، بل نواة “منظومة إمداد إقليمية متكاملة”، تقوم على ربط فائض الإنتاج الأوكراني بالطلب السوري عبر البنية اللوجستية التركية، ضمن نموذج قادر على تحقيق الكفاءة، المرونة، والاستدامة في آن واحد.
غير أن فعالية هذه السلاسل لا تُقاس فقط بقدرتها على نقل السلع، بل بمدى تكامل بنيتها التشغيلية والمؤسسية والتكنولوجية ضمن بيئة عالية التعقيد. أولًا، على مستوى البنية التحتية، تعاني الموانئ السورية، خاصة في اللاذقية وطرطوس، من فجوة تشغيلية واضحة، حيث تُقدّر طاقتها النظرية الإجمالية بنحو 8–10 ملايين طن سنويًا، إلا أن الاستخدام الفعلي يقل عن 50–60% في أفضل الحالات نتيجة محدودية التجهيزات، تقادم معدات التفريغ، وضعف الربط اللوجستي مع الداخل. هذا يتطلب استثمارات نوعية في تحديث الأرصفة، زيادة عمق الموانئ لاستقبال سفن أكبر، وتطوير منظومات التخزين، خاصة الصوامع التي تُقدّر سعتها الحالية بأقل من 1.5 مليون طن، وهي غير كافية لتأمين مخزون استراتيجي يتجاوز 3 أشهر. كما أن شبكات النقل الداخلي، سواء البرية أو السككية، تعاني من اختناقات هيكلية، حيث تضرر أكثر من 40% من البنية الطرقية، ما يرفع تكاليف النقل الداخلي بنسبة تصل إلى 25–35%.
ثانيًا، على المستوى المؤسسي، تمثل البيئة التنظيمية أحد أبرز محددات الكفاءة. تعدد الجهات المشرفة، وتعقيد الإجراءات الجمركية، وارتفاع الرسوم غير المباشرة، كلها عوامل تزيد زمن التخليص الجمركي إلى ما بين 7 و15 يومًا في بعض الحالات، مقارنة بمتوسط عالمي لا يتجاوز 3–5 أيام. في هذا السياق، يصبح تطوير إطار تعاقدي ثلاثي مرن ضرورة، يشمل اتفاقيات تجارة تفضيلية، وآليات مقايضة أو تسويات بالعملات المحلية لتجاوز القيود المالية المرتبطة بـ قانون قيصر. كما أن إدماج مؤسسات وسيطة، مثل شركات تجارة دولية أو منصات تمويل بديلة، يمكن أن يخفف من مخاطر الامتثال المالي ويزيد من سيولة العمليات.
ثالثًا، في البعد التكنولوجي، تمثل الرقمنة عاملًا حاسمًا في تقليص الفجوة بين الإمكانات النظرية والأداء الفعلي. إدخال أنظمة تتبع الشحنات عبر تقنيات إنترنت الأشياء، واستخدام منصات إدارة لوجستية متكاملة، يمكن أن يخفض الفاقد في سلاسل الإمداد من مستويات تتراوح بين 15–20% إلى أقل من 8–10%. كما أن توظيف تحليلات البيانات للتنبؤ بالطلب الموسمي، وربطها ببرامج الاستيراد، يتيح تحسين إدارة المخزون وتقليل تكاليف التخزين والتلف، خاصة في السلع الحساسة مثل الحبوب والزيوت.
في البعد الاستثماري، يمثل القطاع الزراعي نقطة ارتكاز استراتيجية لإعادة بناء الاقتصاد السوري، ليس فقط من زاوية الإنتاج، بل من زاوية إعادة تشكيل سلاسل القيمة. الاستثمارات القادمة من أوكرانيا يمكن أن تركز على إدخال حزم تكنولوجية متكاملة، تشمل الزراعة الدقيقة (Precision Agriculture)، استخدام الأقمار الصناعية لرصد التربة، أنظمة الري بالتنقيط ذات الكفاءة العالية، والبذور المحسّنة المقاومة للجفاف. هذه الحزمة يمكن أن ترفع إنتاجية الهكتار من القمح، على سبيل المثال، من متوسط 1.5–2 طن حاليًا إلى ما بين 2.5 و3 أطنان، أي بزيادة تصل إلى 40–50% في بعض المناطق، مع خفض استهلاك المياه بنسبة تقارب 25–30%.
إضافة إلى ذلك، فإن تطوير سلاسل القيمة الزراعية، عبر الاستثمار في الطحن، تصنيع الزيوت، الأعلاف، والتخزين، يمكن أن يرفع القيمة المضافة المحلية بنسبة تتراوح بين 20% و30%، ويقلل من استيراد المنتجات النهائية. هذا التحول من اقتصاد يعتمد على استيراد السلع النهائية إلى اقتصاد يعيد إنتاج جزء منها محليًا يمثل خطوة أساسية نحو تقليل العجز التجاري.
الأثر الاقتصادي لهذه الاستثمارات يتجلى على مستويين متداخلين. على المستوى الكلي، يمكن أن يؤدي خفض فاتورة استيراد الغذاء، التي تُقدّر بما بين 1.5 و2 مليار دولار سنويًا، إلى تخفيف الضغط على ميزان المدفوعات وتحسين استقرار سعر الصرف. وعلى المستوى الجزئي، يمكن أن يعيد تنشيط الاقتصاد الريفي، الذي يضم نحو 35–40% من السكان، عبر خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في الزراعة والصناعات المرتبطة بها. التقديرات تشير إلى أن كل استثمار بقيمة مليون دولار في القطاع الزراعي يمكن أن يولد ما بين 80 و120 فرصة عمل، وهو معدل مرتفع مقارنة بقطاعات أخرى.
هذا التفاعل بين تحسين الإنتاج، تطوير سلاسل الإمداد، وتعزيز القيمة المضافة، ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي، حيث يرتبط الأمن الغذائي في الحالة السورية بشكل عضوي بالاستقرار السياسي. أي تحسن في توفر الغذاء واستقرار أسعاره يساهم في تقليل مستويات الهشاشة الاجتماعية، ويعزز من قدرة الدولة على إدارة مرحلة التعافي الاقتصادي بشكل أكثر توازنًا.
في قطاع الطاقة، تتجلى الأزمة في سوريا بوصفها قيدًا هيكليًا مركزيًا يحد من أي مسار تعافٍ اقتصادي مستدام. إذ تشير التقديرات إلى أن القدرة التوليدية المركبة قبل 2011 كانت تقارب 9–10 غيغاواط، إلا أن القدرة المتاحة فعليًا انخفضت في السنوات الأخيرة إلى ما بين 2 و3 غيغاواط في أفضل الأحوال، نتيجة تضرر أكثر من 50% من محطات التوليد وخروج أجزاء كبيرة من الشبكة عن الخدمة. في المقابل، يُقدّر الطلب الفعلي على الكهرباء بما لا يقل عن 6–7 غيغاواط، ما يعني فجوة طاقوية تتجاوز 60–70%، تنعكس في ساعات تقنين تصل إلى 18–20 ساعة يوميًا في بعض المناطق. هذه الفجوة لا تؤثر فقط على الاستهلاك المنزلي، بل تمتد إلى القطاعات الإنتاجية، حيث ترتفع تكاليف التشغيل الصناعي والزراعي بنسبة تتراوح بين 30% و50% نتيجة الاعتماد على مولدات خاصة ووقود مرتفع التكلفة.
ضمن هذا السياق، يبرز التعاون مع تركيا كخيار عملي لتوفير حلول انتقالية سريعة. تمتلك تركيا بنية تحتية كهربائية متطورة بقدرة إنتاج تتجاوز 100 غيغاواط، مع فائض تصديري في بعض الفترات، ما يتيح إمكانية تزويد شمال سوريا بالكهرباء عبر خطوط الربط القائمة أو تطوير خطوط جديدة. كما أن موقع تركيا كممر إقليمي للغاز، عبر شبكات مثل “تاناب” وخطوط الغاز الأذربيجاني، يمنحها قدرة على لعب دور وسيط في تأمين إمدادات الغاز إلى سوريا، سواء بشكل مباشر أو عبر ترتيبات إقليمية، وهو ما يمكن أن يساهم في تشغيل محطات التوليد الغازية التي تشكل العمود الفقري للنظام الكهربائي السوري.
في المقابل، تمتلك أوكرانيا خبرة تقنية متقدمة في إدارة أنظمة الطاقة تحت ظروف الضغط، اكتسبتها خلال الحرب، حيث تعرضت بنيتها التحتية لهجمات مكثفة، ومع ذلك تمكنت من الحفاظ على استمرارية التشغيل عبر حلول مثل إعادة توزيع الأحمال، إصلاح الأعطال السريع، واستخدام أنظمة تحكم ذكية. هذه الخبرة يمكن توظيفها في إعادة تأهيل الشبكة السورية، التي تعاني من فاقد تقني وتجاري يُقدّر بأكثر من 30% من إجمالي الإنتاج، وهو معدل مرتفع مقارنة بالمعايير الدولية التي تتراوح بين 8% و12%.
على مستوى البنية التحتية، تحتاج سوريا إلى استثمارات تتجاوز 20 مليار دولار لإعادة تأهيل قطاع الكهرباء بشكل كامل، تشمل إصلاح محطات التوليد الحرارية، تحديث شبكات النقل والتوزيع، وإعادة بناء مراكز التحكم. كما أن الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري، خاصة الغاز والفيول، يظل نقطة ضعف هيكلية، في ظل تراجع الإنتاج المحلي من الغاز إلى أقل من 10 ملايين متر مكعب يوميًا، مقارنة بأكثر من 25 مليون متر مكعب قبل الأزمة.
في هذا الإطار، يبرز الاستثمار في الطاقة المتجددة كخيار استراتيجي متوسط إلى طويل الأمد. تمتلك سوريا إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية، حيث يتجاوز متوسط الإشعاع الشمسي 5.5 إلى 6 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع يوميًا، مع أكثر من 300 يوم مشمس سنويًا، ما يضعها ضمن الدول ذات الجدوى الاقتصادية العالية لمشاريع الطاقة الشمسية. تطوير مشاريع بقدرة 1–2 غيغاواط من الطاقة الشمسية يمكن أن يغطي ما بين 15% و25% من الطلب الحالي، مع تقليل الاعتماد على الوقود المستورد. كما أن إدخال حلول لامركزية، مثل أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية أو الزراعية، يمكن أن يخفف الضغط على الشبكة، خاصة في المناطق الريفية.
الأثر الاقتصادي لتحسين قطاع الطاقة يتجاوز مجرد توفير الكهرباء، ليشمل إعادة تحفيز النشاط الاقتصادي. كل زيادة بنسبة 10% في إمدادات الكهرباء يمكن أن ترفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 1.5% و2% في الاقتصادات النامية، ما يعني أن تقليص الفجوة الطاقوية في سوريا يمكن أن يشكل رافعة أساسية للنمو. كما أن استقرار إمدادات الطاقة ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي، من خلال خفض تكاليف الإنتاج الزراعي (الري، التخزين، النقل)، وتعزيز قدرة الصناعات الغذائية على العمل بكفاءة.
بالتالي، فإن التفاهمات الثلاثية لا تمثل فقط آلية لمعالجة أزمة طارئة، بل يمكن أن تشكل إطارًا لإعادة هيكلة قطاع الطاقة السوري على أسس أكثر تنوعًا ومرونة، تجمع بين الحلول الانتقالية السريعة والاستثمارات الاستراتيجية طويلة الأمد، بما يعزز من قدرة الاقتصاد على التعافي ويقلل من هشاشته أمام الصدمات المستقبلية.
أما في ملف المياه، فإن التحدي في سوريا يتخذ طابعًا استراتيجيًا مركبًا يتجاوز البعد البيئي إلى مستوى الأمن القومي، حيث تعتمد البلاد بشكل شبه حاسم على موارد عابرة للحدود، وعلى رأسها نهر الفرات، الذي يؤمّن تاريخيًا ما بين 60% و70% من إجمالي الموارد المائية السطحية. غير أن تدفقات النهر شهدت تراجعًا ملحوظًا خلال العقد الأخير، إذ انخفضت في بعض الفترات إلى أقل من 200–250 مترًا مكعبًا في الثانية عند الحدود السورية، مقارنة بمعدلات تاريخية تقارب 500 متر مكعب في الثانية، نتيجة تداخل عاملين رئيسيين: التغير المناخي، الذي خفّض معدلات الهطول بنسبة تتراوح بين 10% و20%، والسياسات المائية الإقليمية، خاصة أن أكثر من 85% من منابع الفرات تقع خارج الأراضي السورية.
هذا التراجع انعكس مباشرة على القطاع الزراعي، حيث انخفضت المساحات المروية بنسبة تقديرية تتراوح بين 30% و50% في بعض الأحواض، خاصة في مناطق الجزيرة السورية، التي كانت تمثل “السلة الغذائية” للبلاد. كما تراجع مخزون السدود الرئيسية، مثل سد الفرات، إلى مستويات حرجة أثرت على كل من الري وإنتاج الكهرباء، في ظل ترابط عضوي بين الأمنين المائي والطاقوي. يضاف إلى ذلك أن كفاءة استخدام المياه في الزراعة لا تزال منخفضة، حيث يتم فقدان ما يقارب 40–50% من المياه بسبب تقنيات الري التقليدية، ما يعمّق الفجوة بين العرض والطلب.
في هذا السياق، يمكن للتعاون الثلاثي مع تركيا وأوكرانيا أن يفتح مسارات تقنية وتشغيلية لتحسين إدارة الموارد المائية، رغم القيود السياسية. تركيا، بوصفها دولة منبع وممر مائي، تمتلك خبرة متقدمة في إدارة السدود وشبكات الري واسعة النطاق، بينما تمتلك أوكرانيا خبرات في الزراعة المروية وتقنيات تحسين كفاءة استخدام المياه. نقل هذه الخبرات يمكن أن يدعم إدخال أنظمة ري حديثة (تنقيط، رش محوري)، وتطوير نظم مراقبة رقمية للموارد المائية، ما قد يرفع كفاءة الاستخدام بنسبة تصل إلى 20–30%. إلا أن هذا المسار يبقى مقيدًا بعوامل جيوسياسية تتعلق بتقاسم المياه، ما يجعل أي تقدم فيه مشروطًا بإرادة سياسية تتجاوز الحسابات الاقتصادية المباشرة.
على مستوى أوسع، فإن انعكاسات هذا التعاون تتجاوز الحالة السورية نحو إعادة تشكيل مفهوم الأمن الغذائي الإقليمي. فبناء شبكة إمداد تربط فائض الإنتاج في أوكرانيا بالبنية اللوجستية في تركيا والطلب المرتفع في سوريا ودول الجوار، يمكن أن يؤسس لنموذج “تكامل شبكي” يقلل من هشاشة المنطقة أمام الصدمات الخارجية. هذا النموذج يسمح بتوزيع المخاطر بدلًا من تركيزها، ويخلق قدرة على امتصاص التقلبات في الأسعار العالمية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تذبذبات تجاوزت 30–50% في بعض السلع الأساسية.
كما أن هذا “التحوط الجماعي” لا يقتصر على تأمين الإمدادات، بل يمتد إلى استقرار الأسواق، حيث يؤدي انتظام تدفق السلع إلى تقليل المضاربات وتقلبات الأسعار محليًا، ما ينعكس مباشرة على مستويات التضخم الغذائي. في البيئات الهشة، مثل سوريا، حيث يشكل الإنفاق على الغذاء أكثر من 50% من دخل الأسر، فإن أي استقرار نسبي في الأسعار يمكن أن يترجم إلى تحسن ملموس في الأمن الاجتماعي.
بالتالي، فإن التعاون الثلاثي، إذا ما تم تطويره ضمن إطار مؤسسي مستدام، يمكن أن يتحول من آلية لتأمين الاحتياجات قصيرة الأجل إلى منصة إقليمية لإدارة الأمن الغذائي والمائي، قائمة على التكامل الوظيفي وتوزيع الأدوار، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في منطقة تعاني من اختلالات هيكلية متزايدة.
أوكرانيا والعالم العربي 2026: من روابط العاطفة إلى جسور الشراكة المستدامة
مع ذلك، فإن هذا النموذج يواجه قيودًا بنيوية عميقة. جزء من هذه القيود كان يتمثل في منظومة العقوبات الاقتصادية الدولية، وعلى رأسها قانون قيصر الأميركي، الذي فرض عقوبات تشريعية واسعة منذ عام 2019 على الحكومة السورية، والأفراد والكيانات التي تتعامل معها، واستهدف قطاعات حيوية مثل النفط والطاقة والبناء، وأثار عزوفًا ماليًا واستثماريًا عامًا لدى المؤسسات الدولية والبنوك لتجنّب مخاطر تسجيل تعاملاتها مع سوريا ضمن لوائح العقوبات، ما كان يثقل كلفة التعاملات ويحد من انخراط المستثمرين.
هذه العقوبات الاقتصادية، إضافة إلى إجراءات مماثلة للاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، حدّت من قدرة المصارف السورية على الدخول إلى النظام المالي العالمي، وعرقلت وصول التمويل التجاري، مما أدى إلى لجوء الشركات والمستوردين إلى سلاسل تمويل بديلة تكلف أموالاً إضافية. وفي ظل تلك القيود، كانت عمليات التحويلات المالية التجارية تمر غالبًا عبر وسطاء بنكيين غير تقليديين، ما يرفع الكلفة التشغيلية ويطيل زمن التسويات.
في نهاية 2025، طرأ تطور مهم، إذ أعلنت الإدارة الأميركية تعليق تطبيق بعض بنود عقوبات “قانون قيصر” لمدة محدودة، وهو ما فتح نافذة لتعزيز التجارة والتحويلات المالية، لكنه لم ينه قانون العقوبات بشكل كامل، وظل رفع الحظر النهائي مرتبطًا بقرارات تشريعية إضافية من الكونغرس.
إلى جانب ذلك، يمثل عدم الاستقرار السياسي والأمني عاملًا مضاعفًا للمخاطر الاستثمارية. فمؤشرات المخاطر السيادية في سوريا تبقى ضمن أعلى المستويات عالميًا، ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة رأس المال، وانخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مستويات شبه معدومة مقارنة بما قبل 2011، حين كانت تتجاوز 2–3 مليارات دولار سنويًا. هذا التراجع لا يؤثر فقط على المشاريع الكبرى، بل يمتد إلى المشاريع المتوسطة والصغيرة، التي تشكل العمود الفقري لأي عملية تعافٍ اقتصادي.
كما أن تعقيد البيئة الجيوسياسية الإقليمية والدولية يفرض قيودًا إضافية على قدرة الأطراف الثلاثة—أوكرانيا وسوريا وتركيا—على تطوير شراكة مستقلة ومستقرة. تداخل مصالح قوى دولية كبرى، وارتباط بعض الملفات (مثل الطاقة والمياه) بحسابات استراتيجية أوسع، يجعل أي تعاون عرضة للتسييس أو التعطيل. هذا يخلق حالة من “عدم اليقين الاستراتيجي” (Strategic Uncertainty) تؤثر مباشرة على قرارات الاستثمار والتخطيط.
إضافة إلى ذلك، فإن الفجوة بين الإمكانات النظرية ومستوى التعاون الفعلي لا تزال واسعة. فعلى الرغم من وجود تكامل واضح بين فائض الإنتاج الأوكراني والعجز الغذائي السوري، إلا أن حجم التبادل التجاري بين البلدين لا يزال محدودًا، ويُقدّر في بعض السنوات بعشرات ملايين الدولارات فقط، وهو رقم ضئيل مقارنة بإمكانات سوق غذائي يتجاوز حجمه 2–3 مليارات دولار سنويًا. هذا التباين يعكس وجود عوائق هيكلية تتجاوز الاقتصاد، وتشمل ضعف قنوات التمويل، محدودية الربط اللوجستي المباشر، وغياب أطر تعاقدية طويلة الأجل.
في المحصلة، يمكن توصيف هذا التعاون بأنه “فرصة استراتيجية غير مكتملة” ذات طابع انتقالي. من جهة، هناك عناصر قوة واضحة: تكامل موضوعي بين العرض والطلب، بنية لوجستية وسيطة قادرة على الربط، وإمكانات لنقل التكنولوجيا والخبرات. ومن جهة أخرى، هناك قيود سياسية ومالية ومؤسسية تحد من تحويل هذه الإمكانات إلى واقع ملموس. بناءً على ذلك، فإن المسار الأكثر واقعية يتمثل في تبني نهج تدريجي وانتقائي، يبدأ بالقطاعات الأقل حساسية سياسيًا—وفي مقدمتها الغذاء وسلاسل الإمداد—حيث تكون المخاطر أقل، والعوائد أسرع، قبل التوسع لاحقًا إلى مجالات أكثر تعقيدًا مثل الطاقة والبنية التحتية الثقيلة.
إذا ما تمكّنت الأطراف من تطوير آليات لتجاوز القيود الحالية—سواء عبر أدوات تمويل بديلة، أو ترتيبات تجارية مرنة، أو أطر تعاون مرحلية—فإن هذا النموذج يمتلك القدرة على التحول إلى منصة إقليمية لإدارة الأمن الغذائي والطاقة، تعيد توزيع الأدوار الاقتصادية، وتخلق نوعًا من التوازن في بيئة إقليمية مضطربة. أما في حال استمرار القيود البنيوية دون معالجة، فسيظل هذا التعاون محصورًا في نطاق ضيق، وغير قادر على إحداث تحول بنيوي في الاقتصاد السوري أو في بنية الأمن الاقتصادي الإقليمي.

