مخاض عسير لواقع جديد:
السقوط المدوي لقواعد الاشتباك التقليدية وتشظي المنظومة العربية

د. سعيد سلام، مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية
28\2\2026
يشكل الهجوم المشترك الذي شنته القوات الأمريكية والإسرائيلية اليوم انعطافاً جيوسياسياً حاداً، حيث تجاوز كافة الأطر التقليدية للعمليات العسكرية الموضعية أو سياسات “تقليم الأظافر” التي وسمت العقود الماضية، لينقل المواجهة بشكل نهائي ومفصلي من طور “حروب الظل” واستراتيجيات “الردع بالوكالة” المواربة إلى مربع “المواجهة الشاملة والمكشوفة” التي تضع المنطقة أمام واقع أمني جديد لا يحتمل التأويل أو العودة إلى الوراء.
لم يكن هذا التحرك مجرد تكتيك عسكري عابر، بل مثّل تحولاً دراماتيكياً في العقيدة الهجومية قادته إدارة الرئيس الأمريكي ترامب بتنسيق عملياتي واستخباري كامل مع هيئة الأركان الإسرائيلية، بهدف توجيه ضربة قاصمة ومصيرية للبنية التحتية النووية والعسكرية الإيرانية. وقد تجلى ذلك عبر عمليات منسقة أطلق عليها البنتاغون اسم “الغضب الملحمي”، بينما أطلقت عليها إسرائيل اسم “زئير الأسد”؛ إن هذه التسميات تتجاوز السياق الرمزي لتكشف عن عقيدة عسكرية “استئصالية” تعكس رغبة جامحة في حسم التوازنات الإقليمية المختلة عبر التوظيف الكثيف للقوة الخشنة وتجاوز الخطوط الحمراء التاريخية. ومن المنظور الاستراتيجي الصرف، لا تستهدف هذه العمليات مجرد تعطيل قدرات تقنية، بل تهدف إلى هندسة واقع سياسي قسري يقوم على أنقاض السيادات الوطنية، ويسعى لتفكيك “حلقات المقاومة” بنيوياً وجغرافياً. إن الهدف النهائي لهذا الاندفاع العسكري هو تهيئة البيئة الإقليمية وتجريدها من عناصر القوة لفرض “صفقة القرن” بنسختها الموسعة والأكثر راديكالية، عبر تدمير العمق الاستراتيجي لمخططات الممانعة وتصفية جيوب الرفض الجيوسياسي، بما يضمن إخضاع المنطقة لمنظومة أمنية أحادية تقودها تل أبيب تحت مظلة الحماية الأمريكية المطلقة.
إن ما يحدث اليوم هو محاولة لفرض “نظام عبودية جيوسياسي” جديد، حيث يُستبدل فيه التوازن الإقليمي بالهيمنة المطلقة، وتُسحق فيه إرادة الشعوب تحت وطأة التكنولوجيا العسكرية المتفوقة.
وفي المقابل، جاء الرد الإيراني عبر عملية “الوعد الصادق 4” ليحدث صدمة استراتيجية مضادة فاقت التوقعات في كثافتها وجرأتها؛ حيث أثبتت طهران ميدانياً أن قواعد “الاشتباك المحسوب” قد سقطت نهائياً، واضعة كافة القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، والمصالح الحيوية المرتبطة بأمن الطاقة العالمي، تحت طائلة الاستهداف المباشر واليومي. هذا التطور حوّل الجغرافيا الإقليمية إلى “ساحة قتال مفتوحة” بلا ضوابط، حيث تلاشت الحدود الآمنة والمناطق المحايدة، مما وضع العواصم العربية والإسلامية أمام اختبار وجودي معقد؛ فهي الآن مجبرة على المفاضلة الصعبة بين كلفة الانحياز لمحور واشنطن وتداعياته الأمنية، وبين تبعات الردود الانتقامية الإيرانية الشاملة التي لم تعد تستثني جغرافياً أي منشأة أو قاعدة تُستخدم في هذا الصراع، مما يجعل أمن الأنظمة واستقرار المجتمعات رهناً لمعادلات ردع جديدة تُكتب الآن بالحديد والنار بعيداً عن أروقة الدبلوماسية التقليدية.
المواجهة الإسرائيلية الإيرانية المباشرة … تداعيات التصعيد ومستقبل العالم العربي والشرق الأوسط
يكشف تشريح خرائط المصالح المتقاطعة أن مواقف الدول العربية تجاوزت بمسافات شاسعة سقف الردود الدبلوماسية العابرة، لتنتصب كمرآة عاكسة لصراع بنيوي ومحتدم بين مقتضيات “الإدانة المبدئية” للعدوان كواجب قيمي وقومي، وبين استراتيجيات “إدارة المخاطر الوجودية” في بيئة أمنية بلغت ذروة انفجارها الجيوسياسي، حيث لم تعد البيانات الصادرة مجرد صياغات لغوية، بل هي “وثائق تموضع” في لحظة فارقة كشفت عن تباين حاد يضرب في عمق العقيدة الأمنية لكل عاصمة، ويعيد تعريف جوهر المصلحة القومية تحت ضغط النيران. إن هذا التباين ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو انعكاس لتمزق “الكتلة الحرجة” العربية أمام تسارع العمليات العسكرية، حيث وجدت العواصم نفسها مجبرة على إعادة هيكلة أولوياتها الأمنية بين فكي كماشة: التهديد الإسرائيلي-الأمريكي الزاحف لإعادة رسم الخرائط، والردود الصاروخية الإيرانية التي حولت الجغرافيا العربية إلى ساحة اختبار لنظريات الردع المتبادل، مما أدى إلى بروز حالة من “الانكفاء السيادي” حيث باتت كل دولة تبحث عن طوق نجاة فردي في بحر من التفتت الاستراتيجي الشامل، فغاب “الأمن القومي العربي الشامل” ليحل محله “أمن النجاة الوطنية”، وهو ما يعمق من حالة التشظي التي تجعل من المنطقة فضاءً مستباحاً يسهل اختراقه وهندسته وفق مصالح القوى القطبية الكبرى.
هذا الواقع المرير يؤكد أننا أمام “تحلل استراتيجي” للمنظومة الرسمية، حيث بات القرار السيادي لكل عاصمة مرتهناً بحسابات الربح والخسارة اللحظية لتفادي الاحتراق بنيران المواجهة الكبرى، مما يمنح القوى الخارجية فرصة ذهبية لفرض نظام إقليمي جديد يقوم على “التدمير الجيوسياسي” الممنهج لوحدة المصالح والمصير.
تجلى التباين في العقائد الأمنية العربية بوضوح في الموقف العُماني الذي زاوج بين الرصانة الدبلوماسية المعهودة والحزم الأخلاقي الصارم، حيث استنكر بيان خارجيتها العدوان بعبارات قطعية تجاوزت لغة التحذير الروتينية، معتبراً أن عمليتي “الغضب الملحمي” و”زئير الأسد” لم تكن مجرد خروقات عسكرية، بل مثلت “رصاصة الرحمة” التي أُطلقت بدم بارد على جهود الوساطة المكوكية والمضنية التي قادتها مسقط لسنوات كميزان للاستقرار بين الخصوم؛ وفي العمق الجيوسياسي لهذا الموقف، تكمن خشية وجودية من تحول مضيق هرمز من ممر حيوي للتجارة العالمية إلى “منطقة قتل عسكرية” ومسرح لعمليات التدمير المتبادل، وهو ما يعني استراتيجياً خنق شريان الحياة السيادي للسلطنة، وتعريض استقرارها البنيوي لزلزال اقتصادي وأمني لا يمكن احتواؤه في ظل ارتهان الجغرافيا العُمانية لهذا الشريان الحساس.
وفي مقابل هذا الهدوء الاستراتيجي العُماني، انفجر الموقف العراقي بنبرة تنديد سيادية بلغت ذروة حدتها، محذراً بلهجة غير مسبوقة من مغبة تحويل بلاد الرافدين إلى “صندوق بريد” للصواريخ أو ساحة مفتوحة لتصادم الإرادات بين القوى العظمى؛ حيث قرأت بغداد في انتهاك الأجواء الإيرانية “بروفة” خطيرة لاستنساخ سيناريوهات استباحة السيادة العراقية، وتوطئة لتكريس حالة الوهن المؤسساتي وتقويض هيبة الدولة المركزية أمام سطوة الفواعل المسلحة العابرة للحدود، مما يهدد بتحويل العراق من فاعل إقليمي إلى مجرد جغرافيا مستباحة في حروب الآخرين.
أما المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج كالإمارات وقطر والكويت والبحرين، فقد صاغت بياناتها بميزان ذهبي دقيق يجسد “التوازن الحرج” وأقصى درجات المناورة الاستراتيجية فوق رمال المنطقة المتحركة؛ إذ انصبت القوة الخطابية لهذه البيانات على إدانة استهداف أراضيها ومنشآتها النفطية والحيوية ضمن رد “الوعد الصادق 4″، مرسخة معادلة أمنية صارمة مفادها أن “أمن الطاقة والسيادة الخليجية خط أحمر” غير قابل للمقايضة أو التحييد في حسابات المواجهات الكبرى. ومع ذلك، يكشف التحليل الجيوسياسي الرصين لما وراء الكلمات عن تعمد بنيوي لتجنب تسمية الولايات المتحدة بلفظ “المعتدي” أو توجيه إدانة صريحة لإدارة ترامب، في تكتيك يعتمد “ازدواجية الأهداف” الاستراتيجية؛ فمن جهة، تقبض هذه الدول بيد من حديد على شبكة الأمان والمظلة الدفاعية الأمريكية التي لا تزال تراها ركيزة لا غنى عنها في بنية أمنها القومي، ومن جهة أخرى، ترسل إشارات “حياد تكتيكي” ورسائل طمأنة صامتة إلى طهران مفادها أن العواصم الخليجية ليست شريكاً عملياتياً في هذا الهجوم، في محاولة استباقية ذكية لتحييد عمودها الفقري الاقتصادي عن بنك الأهداف الإيراني وتفادي ضربات انتقامية قد تؤدي إلى شلل وجودي شامل.
إن هذا التموضع الخليجي يمثل ذروة “براغماتية الضرورة” في زمن التفتت، حيث تجد هذه الدول نفسها مجبرة على ممارسة “المشي الاستراتيجي على حافة الهاوية” لضمان البقاء الوطني، في ظل تآكل فاعلية الضمانات الدولية التقليدية وبروز واقع إقليمي جديد تُكتب فصوله بالصواريخ الباليستية العابرة للحدود، مما يجعل من الحفاظ على كيان الدولة أولوية قصوى تتقدم على أي اصطفافات أيديولوجية أو قومية عاطفية.
وفي ذات السياق الذي يعكس ارتباك البوصلة القومية، برز الموقف المصري في “المنطقة الرمادية الحرجة”؛ حيث صاغت القاهرة خطابها بلغة “القلق الوجودي” والمطالبة بضبط النفس، في محاولة يائسة لتفادي انفجار الجبهة الشرقية الذي يهدد مباشرة أمن قناة السويس وحركة الملاحة العالمية، فمصر التي ترزح تحت وطأة تحديات اقتصادية هيكلية، رأت في هذا التصعيد العسكري تقويضاً لمكانتها كلاعب إقليمي في هندسة الوساطات، وتخوفاً من تحويل سيناء ومحيطها إلى مناطق متاخمة لبؤر اشتعال عابرة للحدود، مما دفعها للتمسك بدبلوماسية “الحياد الحذر” دون تسمية واشنطن كطرف معتدٍ، حفاظاً على شعرة معاوية مع الإدارة الأمريكية وتجنباً لتبعات الانخراط في استقطاب ثنائي حاد لا تملك ترفه.
وعلى النقيض من ذلك، جاء الموقف السوري واللبناني ليعبر عن “انكشاف جيوسياسي” حاد؛ إذ تجد الإدارة السورية الجديدة نفسها في اختبار وجودي بين إرث التحالفات القديمة وبين مقتضيات “الواقعية السياسية” التي فرضها التغيير السياسي الشامل بعد سقوط النظام السابق، حيث حاولت دمشق الموازنة بين حماية سيادتها الجوية ومنع استباحة أراضيها كمنصة للمواجهة، وبين ضغوط الانخراط في “وحدة الساحات” التي تفرضها القوى الميدانية الصاعدة، مما جعل الموقف السوري يميل نحو “الدفاع السيادي النشط” بدلاً من التبعية المطلقة، معتبرة أن العدوان يستهدف تقويض “الدولة السورية الناشئة” ومنع استكمال تعافيها المؤسساتي. وفي المقابل، عكس المشهد اللبناني “انفصاماً سيادياً” حاداً بين عجز المؤسسات الرسمية وبين الاستنفار الميداني الشامل لقوى المقاومة التي اعتبرت أن قواعد اللعبة قد سُحقت تحت جنازير الطائرات المغيرة، مما يضع لبنان رسمياً في قلب المحرقة الكبرى بعيداً عن سياسات “النأي بالنفس” التي أصبحت أثراً بعد عين.
أما في الجناح الغربي للمنظومة العربية، فقد انقسم الموقف المغاربي بين “الراديكالية السيادية” وتوازنات “الشراكة الدولية”؛ حيث تبنت تونس نبرة عروبية حادة استنكرت فيها استباحة السيادة والمقدرات الإسلامية، في انعكاس لتوجه قيادتها نحو التحرر من الوصاية الغربية، بينما صاغ المغرب موقفه بدبلوماسية “الحذر الجيوسياسي” المفرط، محاولاً الموازنة بين شراكاته الاستراتيجية والأمنية مع واشنطن وتل أبيب وبين التزاماته القومية كرئيس للجنة القدس، وهو ما وضع الرباط في حالة من “الجمود السياسي” خشية التفريط في مكاسبها السيادية بملفات حساسة مقابل اصطفافات إقليمية متغيرة.
إن هذا المشهد الجيوسياسي المشظى يؤكد أننا أمام “تحلل استراتيجي” للمنظومة العربية الرسمية، حيث بات القرار السيادي لكل عاصمة مرتهناً بحسابات الربح والخسارة اللحظية لتفادي الاحتراق بنيران المواجهة الكبرى، مما يمنح القوى الخارجية فرصة ذهبية لفرض نظام إقليمي جديد يقوم على “التدمير الجيوسياسي” الممنهج لوحدة المصالح والمصير، ويؤصل لمفهوم “التفتت الاستراتيجي الشامل” الذي بات السمة الغالبة على منطقة لم تعد تملك من أمر أمنها القومي شيئاً في ظل “نظام العبودية الجيوسياسي” الزاحف.
ومع تعمق فجوة المواجهة واتساع رقعة الاشتباك الميداني، غادرت القوى الإقليمية الكبرى في العالم الإسلامي مربع “المراقبة الحذرة” لتتبنى استراتيجية “التموضع الجيوسياسي الوقائي”، حيث أعاد الموقف التركي رسم ملامح الطموح الجيواستراتيجي لأنقرة عبر توصيف الهجوم بأنه “عمل عدواني غاشم” ينسف ما تبقى من ركائز الاستقرار الإقليمي الهش؛ وينطلق هذا الموقف الصلب من عقيدة أمنية تركية ترى في أي محاولة لإحداث خلل بنيوي في موازين القوى، بمثابة “هندسة جيوسياسية عدائية” تهدف لتمكين النفوذ الإسرائيلي المطلق على طول القوس الجنوبي لتركيا، وهو ما تعتبره أنقرة تهديداً مباشرًا لعمقها الحيوي وأمنها القومي لا يمكن السكوت عنه، كونه يفتح الباب أمام إعادة رسم الخرائط العرقية والسياسية بما يهدد وحدة الدولة التركية ذاتها.
وبذات الوتيرة من القلق، جاء الموقف الباكستاني ليعلن رفضاً قاطعاً لـ “سياسة فرض الأمر الواقع بقوة السلاح”، مشدداً على أن استقرار الدولة الإيرانية وتماسكها يمثل حجر الزاوية للأمن في جنوب وجناح العالم الإسلامي؛ حيث تدرك إسلام آباد بوضوح أن أي مغامرة عسكرية أمريكية غير محسوبة ستؤدي إلى ارتدادات أمنية وزلزال اجتماعي عابر للحدود، قد يفجر الصراعات الطائفية والعرقية الكامنة ويضع باكستان أمام كابوس أمني على حدودها الغربية لا تملك القدرة على احتوائه لسنوات طويلة.
إن هذا التآزر الاستراتيجي التركي-الباكستاني يشي بتبلور “كتلة إسلامية وازنة”، خارج الفضاء العربي، عابرة للمذاهب والحدود التقليدية، تنطلق في تموضعها الجديد من خشية وجودية حقيقية تجاه مآلات الهجوم على هيكلية “الدولة الوطنية” في الشرق الأوسط برمته؛ حيث باتت أنقرة وإسلام آباد تدركان يقيناً أن استهداف العمق الإيراني ليس إلا توطئة ممنهجة لتفكيك الجغرافيا السياسية للإقليم ككل، وفرض “نظام عبودية جيوسياسي” زاحف لا يستثني أحداً من مقصلة التغيير القسري، مما يفرض على هذه الكتلة التحرك العاجل لفرملة الاندفاعة الأمريكية المتطرفة التي أضحت تهدد القواعد التأسيسية للنظام الإقليمي والأمن القومي لهذه القوى الصاعدة.
في المقابل، كشف هذا الهجوم عن هوة سحيقة وعجز بنيوي مستعصٍ في مؤسسات العمل الجماعي الرسمي، وعلى رأسها جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، حيث غلبت على بياناتها الختامية لغة “المناشدة المفرغة” والتوسلات الدبلوماسية العاجزة، مما كشف عن شلل عميق في الإرادة السياسية أمام سطوة الفواعل الدولية الكبرى، وعن انكشاف استراتيجي يجعل من هذه المنظمات مجرد منصات لتدوير القلق لا أدوات لصناعة القرار.
وبخلاف العجز الرسمي المتكلس، برزت فصائل المقاومة في فلسطين ولبنان بخطاب سياسي وميداني اتسم بالتماسك العملياتي والجرأة الاستراتيجية الفائقة، حيث أعلنت “الاستنفار الاستراتيجي الشامل” وثبّتت ميدانياً معادلة “وحدة الساحات” كخيار وحيد لتشتيت التفوق التكنولوجي والعسكري للتحالف (الأمريكي-الإسرائيلي) عبر استنزافه في جبهات متعددة ومنهكة، محولةً الجغرافيا الإقليمية إلى فخاخ استراتيجية تستنزف هيبة الردع الغربي. وفي ذات السياق الكفاحي، جاء موقف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ليضفي بعداً أيديولوجياً راديكالياً، واصفة الهجوم بأنه “عدوان إمبريالي صهيوني شامل” يستهدف تصفية الهوية القومية للمنطقة برمتها، داعية بوضوح قاطع إلى نقل المعركة لضرب المصالح والقواعد الأمريكية في كل مكان، رداً على محاولة استئصال العمق الاستراتيجي للمقاومة وتدشين عصر الانبطاح الكامل. ومن جانب آخر، قدم المؤتمر القومي العربي والقوى العروبية قراءة فكرية وسياسية بالغة العمق، حذرت فيها من أن هذا الهجوم ليس إلا “رأس الحربة” في مشروع استعماري إحلالي جديد يهدف لتفكيك الدولة الوطنية وإعادة رسم خرائط المنطقة بما يضمن تأبيد الهيمنة الصهيو-أمريكية المطلقة وتصفية القضية الفلسطينية نهائياً عبر آلية “التدمير الجيوسياسي” الممنهج.
إن هذا المشهد بمجمله يؤكد أن المنطقة باتت منقسمة بصورة جذرية بين “نظام رسمي متآكل” يبحث عن وهم النجاة في بيانات القلق والمناشدة، وبين “فواعل ميدانية وفكرية” ترى في هذه المواجهة الكبرى فرصة تاريخية لكسر قيود التبعية الجيوسياسية وإعادة صياغة قدر المنطقة بمداد السيادة الحقيقية والمقاومة الشاملة، بعيداً عن “نظام العبودية الجيوسياسي” الذي يُراد فرضه بالحديد والنار.
إن التحليل المعمق للمعطيات الميدانية والتحولات الجيوسياسية المتسارعة، في أعقاب اندلاع هذه المواجهة، يقودنا إلى خلاصة استراتيجية مفصلية، مفادها أن منطقة المشرق العربي قد غادرت وبشكل نهائي حقبة “الاستقرار الهش” وقواعد الاشتباك التقليدية التي حكمت التوازنات لعقود، لتدخل طوراً خطيراً من “التفتت الاستراتيجي الشامل” الذي يفتقر تماماً إلى صمامات الأمان الدولية أو الكوابح الأممية الحقيقية.
نحن اليوم أمام منعطف تاريخي مفتوح على سيناريوهين لا ثالث لهما: إما “الانفجار الإقليمي الشامل” الذي سيعيد رسم جغرافيا المنطقة السياسية وتفكيك حدودها بالحديد والنار، ملقياً بظلاله القاتمة على عروش وكراسي وأنظمة صمدت طويلاً، أو “تسوية كبرى قسرية” تفرضها القوى الدولية الصاعدة، التي تراقب بدقة متناهية تآكل الهيبة الأمريكية وانغماس واشنطن المباشر والمكلف في أتون حرب استنزافية، مما يمهد لولادة نظام إقليمي متعدد الأقطاب ينبثق من تحت رماد هذه المواجهة الكونية المصغرة.
إن التركيز في البيانات العربية والإسلامية على مفردة “السيادة الوطنية” وحماية المنشآت الحيوية ليس مجرد صياغة لغوية عابرة، بل هو انعكاس لتآكل مخيف في الثقة بالمظلة الأمنية الأمريكية التي تحولت، في نظر العقل الاستراتيجي العربي، من “ضامن للاستقرار” إلى “طرف محرض” ومؤجج للصراعات، مما يدشن رحلة البحث التاريخية عن “توازنات بديلة” وتحالفات عابرة للقطبية التقليدية المعتادة، سعياً لحماية كيانات الدول من ذوبان جيوسياسي وشيك.
لقد أثبتت أحداث هذا اليوم الدراماتيكية أن “الأمن القومي” مفهوم أصيل وسيادي لا يمكن استيراده أو رهنه لشركات الحماية الدولية أو الوعود العابرة للمحيطات، وأن الارتهان لقرارات استراتيجية تُتخذ في دهاليز واشنطن أو تل أبيب قد يضع العواصم العربية في مواجهة مباشرة مع نيران إقليمية لا تبقي ولا تذر، وهو ما يفرض لزاماً وبصورة قدرية ضرورة الشروع الفوري في صياغة “مشروع أمني إقليمي مستقل” يرتكز على السيادة الحقيقية والمصالح المشتركة، بعيداً عن سياسة الإملاءات الدولية التي أوردت المنطقة موارد الهلاك وجعلتها ساحة لتصادم إرادات الكبار على حساب دماء شعوبها ومقدرات أوطانها في ظل “نظام عبودية جيوسياسي” زاحف لا يرحم الضعفاء.

