من الأزمة إلى الشراكة: كيف يعيد التعاون العسكري والاقتصادي ترتيب معادلات الشرق الأوسط؟

من الأزمة إلى الشراكة: كيف يعيد التعاون العسكري والاقتصادي ترتيب معادلات الشرق الأوسط؟

من الأزمة إلى الشراكة: كيف يعيد التعاون العسكري والاقتصادي ترتيب معادلات الشرق الأوسط؟

التعاون الثلاثي السوري-الأوكراني-التركي: خارطة طريق للأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي

بقلم معاذ الحمد – موقع “+963” – سوريا

8\4\2026

تتجه العلاقات بين سوريا وأوكرانيا نحو مرحلة جديدة من الانفتاح والتعاون، وسط جهود ديبلوماسية مكثفة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، مع دخول تركيا كحلقة وصل استراتيجية بين الدولتين. تأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى إعادة إعمار سوريا وتعزيز سلاسل الإمداد الغذائي والطاقة في ظل التحديات الإقليمية والدولية، بما يشمل تأثيرات الحرب الروسية على أوكرانيا والأزمات الإقليمية في شرق المتوسط.

وكان قد أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، رئيس دولة أوكرانيا، أن بلاده تواصل ديبلوماسيتها النشطة لتعزيز الأمن والتعاون الاقتصادي مع سوريا، مشددًا على أن الاجتماعات مع الرئيس السوري أحمد الشرع تهدف إلى التوصل إلى اتفاقيات عملية تفتح آفاقًا تنموية جديدة للمجتمعات في كلا البلدين.

وقال زيلينسكي: “كل أمة وكل منطقة تستحق حياة سلمية، ونسعى للعمل المشترك لدفع الأوضاع الإقليمية نحو الأفضل”.

وأشار وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيغا، وزير خارجية أوكرانيا، إلى أن صيغة التعاون الثلاثي مع سوريا وتركيا تمثل منصة متقدمة لتعزيز العمل المشترك، مع التركيز على القضايا الإقليمية والدولية الأساسية. وأضاف: “أمن واستقرار أوروبا والشرق الأوسط مرتبطان بشكل وثيق، ويجب تكثيف الجهود المشتركة لمواجهة التحديات المتزايدة في البيئتين الإقليمية والدولية”.

وفي هذا الإطار، تؤكد المصادر التركية أن وزير الخارجية هاكان فيدان، وزير خارجية تركيا، سيعقد محادثات مكثفة مع الطرفين لتقييم المشاريع الثنائية المتعلقة بإعادة إعمار سوريا، ودعم بناء القدرات المؤسسية، مع التركيز على استقرار مؤسسات الدولة، ودمج مناطق شمال شرق سوريا ضمنها.

وتقول الباحثة السياسية والمتخصصة في الشأن التركي هدى رزق، لـ”963+” إن زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق خلال نيسان/ أبريل 2026 تمثل تحولاً استراتيجياً يهدف إلى إعادة رسم التوازنات الإقليمية عقب الحرب الإيرانية – الأميركية وصمود إيران، مشيرةً إلى أن هذه الزيارة تعكس مسعى لتعزيز دور أنقرة كفاعل رئيسي في ملفي إعادة الإعمار والأمن في سوريا، وفتح الباب أمام إدماج دمشق ضمن محور غربي – إقليمي عبر بوابة أنقرة وكييف.

وتوضح رزق أن التقارب الثلاثي بين تركيا وأوكرانيا وسوريا يشير إلى محاولة جدية لتقليل اعتماد دمشق على موسكو وطهران، خاصة في ظل انشغال روسيا بحربها، وسعي كييف لتوسيع حضورها في مواجهة المصالح الروسية. وتلفت إلى أن أنقرة تؤدي دور الوسيط بهدف ضمان استقرار حدودها وإدارة ملفات مكافحة الإرهاب واللاجئين وإعادة الإعمار من موقع قوة.

هندسة الردع الرقمي وولادة “الكتلة الاستراتيجية الثالثة” في إعادة صياغة الجيوسياسة بين أوكرانيا والمشرق العربي

الأمن الداخلي والإقليمي

تضيف رزق أن هذا التقارب يثير قلق إسرائيل بسبب المخاوف من نقل خبرات عسكرية وتقنية أوكرانية إلى دمشق، مشيرةً إلى أن التعاون الثلاثي يركز على مجالات الأمن والدفاع وتنسيق الجهود لمواجهة المخاطر العابرة للحدود.

بدوره يشير د. محمد عباس، باحث وخبير عسكري في دمشق، في تصريحات لـ”963+” إلى أن التعاون العسكري والأمني بين سوريا وأوكرانيا يمثل عنصراً أساسياً لضمان الأمن والاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن استقرار أي دولة من هذه الدول سينعكس إيجاباً على الجوار الإقليمي، بما يشمل إيران ودول شرق المتوسط.

ويقول عباس: “الأمن الوطني السوري مرتبط بالأمن الإقليمي بشكل متكامل، وأي زعزعة في مناطق شمال أو جنوب أو شرق أو غرب سوريا ستؤثر على كامل الجغرافيا السورية وعلى استقرار المنطقة بأكملها”.

ويضيف عباس أن التعاون الثلاثي يشمل حماية خطوط الإمداد التجاري واللوجستي، وضمان انسياب الطاقة والصادرات والواردات بين تركيا وسوريا وأوكرانيا، إلى جانب التصدي لأي تهديدات أمنية من الجماعات المسلحة أو العصابات المنتشرة في المنطقة.

ويؤكد أن “تبادل المعلومات وتعزيز المصالح المشتركة بين الدول الثلاث يتيح الانتقال من التنافس الإقليمي إلى نموذج تعاون إقليمي فعال، يضمن استقرار الأمن والسلام الإقليمي والدولي”.

الأمن الغذائي والتكامل الاقتصادي

يشكل الأمن الغذائي محوراً رئيسياً في التعاون بين سوريا وأوكرانيا، حيث يعاني الإنتاج الزراعي السوري من عجز هيكلي واضح، خصوصاً في محصول القمح الذي لا يتجاوز 1–1.3 مليون طن سنوياً مقابل احتياجات تتجاوز 4 ملايين طن.

وفي هذا السياق، يعتبر د. سعيد سلّام، مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية في كييف، أن أوكرانيا قادرة على تلبية جزء مهم من الطلب السوري بأسعار تنافسية، بفضل قدرتها التصديرية التي تصل إلى 15–18 مليون طن من القمح سنويًا، إضافة إلى صادراتها الكبيرة من الشعير وزيت عباد الشمس والجوز.

ويشير سلّام في تصريحات لـ”963+” إلى أن التعاون لا يقتصر على التوريد، بل يمتد لإنشاء مراكز تخزين وإعادة تصدير في الموانئ السورية، ما يحول سوريا إلى نقطة ربط جيواقتصادية مهمة في شرق المتوسط.

ويضيف: “التعاون الثلاثي مع تركيا يتيح بناء ممرات إمداد متعددة تقلل المخاطر الجيوسياسية وتحسن استقرار التدفقات الغذائية، مع إدماج التكنولوجيا لتتبع الشحنات وتحليل البيانات وتقليل الفاقد”.

كما يتيح التعاون الاقتصادي نقل تقنيات الزراعة الذكية مناخياً، وزيادة الإنتاجية بنسبة تصل إلى 40%، مع تطوير البنية التحتية الزراعية والصناعات التحويلية الغذائية التي ترفع القيمة المضافة وتخلق فرص عمل محلية.

ويقول سلّام: “مشاريع النقل والموانئ ودعم الطاقة، بما فيها الكهرباء والغاز والطاقة المتجددة، تشكل عناصر حاسمة لاستدامة منظومة الأمن الغذائي والطاقة”.

تواجه سوريا تحديات كبيرة في قطاع الطاقة، حيث يغطي الإنتاج المحلي أقل من 30% من الطلب، ما يجعل التعاون مع أوكرانيا وتركيا ضروريًا لتعزيز القدرات الطاقوية والبنية التحتية.

وأوضح زيلينسكي أن أوكرانيا مستعدة للعمل المشترك لتعزيز الإمكانيات في قطاع الطاقة، بينما يمكن لتركيا توفير حلول انتقالية عبر تصدير الكهرباء أو تسهيل إمدادات الغاز، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي كممر طاقة إقليمي.

وفي هذا السياق، يشير سلّام إلى أهمية الاستثمار في الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية، كخيار استراتيجي لتعزيز الاستدامة وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد.

ويضيف: “نجاح التعاون الثلاثي يعتمد على إدارة القيود السياسية والمالية وتحويله إلى نموذج تنفيذي مستدام، مع إمكانية مشاركة دول الخليج كشريك تمويلي لدعم إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي في سوريا”.

أوكرانيا والعالم العربي 2026: من روابط العاطفة إلى جسور الشراكة المستدامة

الأفق الاستراتيجي للتعاون الثلاثي

يشدد عباس على أن التعاون الثلاثي يمكن أن يتوسع ليشمل فضاء أمني إقليمي متكامل يربط الدول الثلاث وكل الدول المجاورة لضمان الأمن والاستقرار في غرب آسيا وأوراسيا، مع التركيز على القواسم المشتركة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

ويؤكد: “هناك فرص استراتيجية للتكامل الاقتصادي، حيث تحتاج أوكرانيا إلى موارد مثل الفوسفات السوري للتنمية الزراعية، بينما تمتلك سوريا احتياجات يمكن تلبيتها من الأراضي الأوكرانية. تركيا تلعب دورًا محورياً في ضمان أمن واستقرار البلدين وتسهيل التعاون بينهما”.

من جانبها، تبين رزق أن الجانب الاقتصادي يحتل موقعاً محورياً في هذا التقارب، حيث يمكن لسوريا الاستفادة من الخبرات الأوكرانية في البنية التحتية، فيما تستعد تركيا لتحويل البلاد إلى مركز لمشاريع استراتيجية مرتبطة بالطاقة نحو أوروبا.

وفي هذا السياق، تأتي الزيارات المتزامنة للرؤساء ووزراء الخارجية كخطوة عملية لتعزيز منصة التعاون الثلاثية، ومؤشر على مرحلة جديدة من العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية، تهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي، وضمان أمن الغذاء والطاقة، وتفعيل مشاريع إعادة الإعمار في سوريا، مع وضع أسس متينة لشراكات طويلة الأمد.

وتختم رزق بالقول إن هذا المسار قد يؤدي إلى إعادة صياغة العلاقة بين دمشق وموسكو، مع سعي سوريا لتقليص التزاماتها تجاه روسيا رغم استمرار وجود قواعدها العسكرية، معتبرةً أن التقارب الذي تقوده أنقرة يهدف إلى كسر الجليد مع الدول الغربية وإعادة تأهيل سوريا دولياً، شريطة الابتعاد الفعلي عن محور إيران وروسيا، ما قد يضع دمشق ضمن محور أنقرة ـ كييف في المرحلة المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *