أوكرانيا.. وسقوط محظورات القانون الدولي الإنساني

أوكرانيا.. وسقوط محظورات القانون الدولي الإنساني

أوكرانيا.. وسقوط محظورات القانون الدولي الإنساني

مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية
٢٣\٨\٢٠٢٦
نشهد اليوم تداعي القواعد الدولية المنظٌِمة للنزاعات المسلحة لتصل إلى حالة من التآكل الفعلي، حيث تلاشت الضوابط القانونية والأخلاقية التي أقرها القانون الدولي الإنساني في إدارة الحروب، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية لعام 1977، وهي المواثيق التي صيغت أساساً لتأطير العمليات العسكرية وفرض التزام صارم يوجب التمييز الدقيق بين الأهداف العسكرية المشروعة والمواقع المدنية، وتمنع استهداف البنى التحتية الخدمية للسكان.
يتجلى هذا التآكل بوضوح في مسرح العمليات في الحرب الروسية على أوكرانيا.
حيث، في الوقت الذي تواصل القوات الأوكرانية ضغوطها الاستراتيجية والميدانية عبر استهداف كفؤ وموجه للبنية التحتية لقطاع الطاقة الروسي لتعطيل الإمدادات اللوجستية والموارد الاقتصادية المحركة للآلة الحربية، إلى جانب استهداف أوكرانيا لمراكز ومخازن منصة “وايلدبيريز” (Wildberries) التجارية، باعتبارها بنية تحتية مزدوجة الاستخدام يتم استغلالها لتزويد القوات الروسية بالمعدات والتجهيزات العسكرية.
في المقابل، تواصل روسيا تصعيد هجماتها الصاروخية والجوية المتواصلة منذ ثلاثة أعوام، مكرسةً نمطاً متصاعداً يركز على استهداف المحطات الخدم٦ للتزود بالغاز والوقود، والأحياء والمباني السكنية مما يؤدي إلى سقوط العشرات من الضحايا المدنيين، إضافة إلى تعمد قصف المنشآت اللوجستية لشبكة البريد الأوكراني، واستهداف مراكز التسوق، كما حدث في الهجوم المزدوج الأخير على مدينة كريفوي روغ، والذي أسفر عن سقوط ١٦ قتيلاً و اكثر من ١٢٠ جريحا من المدنيين (من بينهم ٢٣ طفلا) وتدمير بنية تحتية حيوية، فضلاً عن تعمد قصف مستودعات الأغذية والأدوية وسلاسل التخزين التموينية، في خطوة تهدف إلى ممارسة ضغط معيشي مباشر على المجتمع الأوكراني وإرباك الأمن الغذائي والصحي الداخلي كأداة للإنهاك الاجتماعي والسياسي.
يمثل هذا السلوك الميداني الروسي خرقاً صريحاً للمواثيق الدولية، كون مشروعية الاستهداف تقتصر قانوناً على المنشآت العسكرية المباشرة أو الأهداف ذات الاستخدام المزدوج المعرّفة بدقة، بينما يعتبر ضرب محطات الوقود المدنية، شبكات البريد، المتاجر الاستهلاكية، ومراكز الإمداد الغذائي والأحياء السكنية عملاً محظوراً ويفتقر لأي مسوغ استراتيجي أو أخلاقي.
إن هذه الممارسات لا تعبّر عن مجرد تجاوزات ميدانية عابرة، بل تكشف عن تآكل بنيوي عميق في قدرة المنظومة الدولية على فرض خطوطها الحمراء؛ حيث يساهم السلوك السياسي الصريح وتلويح قيادات دولية مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستهداف الجسور ومرافق الطاقة كأدوات ضغط جيوسياسي – وهي تهديدات اقترنت بتطبيقات عملية وقصف أمريكي طال جسوراً ومحطات وقود وكهرباء وبنى تحتية مدنية في حربه على إيران – في سحب الغطاء الأخلاقي والقانوني عن الحماية المقررة للمواقع المدنية.
في هذا الفراغ القانوني، لم يعد الجانب الروسي يرى في استهداف شبكات التموين الغذائي والخدمي خرق للقانون، بل أداة عسكرية لفرض الاستسلام، مما يكرس واقعاً استراتيجياً جديداً تتحول فيه المواثيق الدولية إلى حبر على ورق، وتصبح فيه قواعد الاشتباك محكومة كلياً بموازين القوة لفرض الأمر الواقع بناء على الواقع الميداني القائم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *