التحول الاستراتيجي في الشارع الأمريكي: كيف تقود الجرائم الإسرائيلية إلى تفكيك التحالف التاريخي؟

التحول الاستراتيجي في الشارع الأمريكي:

التحول الاستراتيجي في الشارع الأمريكي:

كيف تقود الجرائم الإسرائيلية إلى تفكيك التحالف التاريخي؟

مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية

د. سعيد سلّام – مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية

تم النشر في مجلة مسارات – السودان
٣١\٧\٢٠٢٦
تشهد الساحة السياسية الأمريكية اليوم تحولاً عميقاً يمسّ جوهر العلاقات بين واشنطن وتل أبيب، حيث لم يعد الدعم المطلق لكيان الاحتلال أمراً مسلماً به كما كان في العقود الماضية. هذا التغير لا يعبر عن مجرد رد فعل عابر، بل يعكس بداية تراجع حقيقي في التأييد الشعبي لإسرائيل داخل المجتمع الأمريكي، وهو تحول يمتد اليوم ليعبر عن عموم الناخبين بمختلف توجهاتهم ومستوياتهم التعليمية، ولا يقتصر على التيارات اليسارية وحدها.
وتظهر أرقام الاستطلاعات المسجلة حتى شهر تموز/يوليو 2026 هذا الانخفاض الواضح في نسب التأييد، إذ تراوحت النتائج بين سالب 10 نقاط في استطلاع “إيبسوس”، وسالب 11 نقطة في استطلاع “فوكس نيوز”، وسالب 20 نقطة في استطلاع كلية الحقوق بجامعة “ماركيت”، وصولاً إلى سالب 23 نقطة في نتائج مركز “بيو” للأبحاث. وتكتسب هذه الأرقام أهمية أكبر عند مقارنة متوسط صافي التأييد بين منتصف الولاية الأولى لدونالد ترامب في تموز/يوليو 2018 حين كان يبلغ موجب 51 نقطة، وبين تموز/يوليو 2026 حين هبط إلى سالب 16 نقطة، مما يعني تراجعاً حاداً بمقدار 67 نقطة خلال ثماني سنوات فقط، وهو ما يضع أحزاب واشنطن أمام واقع جديد يكسر حالة الإجماع القديمة.
May be an image of text
ولم ينعكس هذا التحول في مشاعر الناخبين فحسب، بل امتد ليشمل المواقف المباشرة من المساعدات العسكرية، حيث يرى 55% من الناخبين الأمريكيين ضرورة تقليص هذه المساعدات أو إنهائها بالكامل. ولا يقف هذا التوجه عند حدود فئة دون غيرها، إذ تتفق عليه أطياف المجتمع بوضوح، فيؤيده 51% ممن لا يحملون شهادات جامعية، وترتفع النسبة إلى 62% بين خريجي الجامعات، مما يؤكد أن التشكيك في جدوى وأخلاقية تمويل الاحتلال بات قضية عامة تتجاوز الانقسامات الاجتماعية التقليدية.
ويرتبط هذا الانقلاب في الرأي العام ارتباطاً مباشراً بالمشاهد الموثقة لجرائم الحرب، وحرب الإبادة الجماعية، وسياسات التطهير العرقي التي يرتكبها كيان الاحتلال في قطاع غزة والثرى الفلسطيني. لقد أسهم النقل المباشر والتغطيات المستمرة عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في كشف حقيقة الممارسات الإسرائيلية، وتفنيد الروايات القديمة التي كانت تسوق لإسرائيل كضحية. إن مشاهد استهداف المدنيين والأطفال، وتدمير المستشفيات والبنى التحتية، وانتهاك القانون الدولي، خلقت حالة من الرفض الأخلاقي لدى المواطن الأمريكي، الذي بات يتساءل عن سبب استخدام أموال ضرائبه لتمويل هذه الانتهاكات.
وعلى المدى الاستراتيجي المستقبلي، لن تتوقف هذه التغيرات عند حدود استطلاعات الرأي، بل ستتحول إلى ضغوط سياسية ملموسة على صناع القرار في البيت الأبيض والكونغرس. ومع صعود أجيال جديدة لا تحمل ذات الانحياز التاريخي التقليدي لإسرائيل، سيصبح من الصعب على السياسيين الأمريكيين تقديم دعم عسكري وسياسي بلا حدود دون تحمّل تكلفة انتخابية عالية. إن تفكك هذا الدعم يضع إسرائيل أمام وضع جديد، يتحول فيه ملف العلاقات معها من قضية تحظى بحصانة تلقائية إلى ملف سياسي يخضع للرقابة والمساءلة والجدل الانتخابي المستمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *