حظوظ نهري دجلة والفرات الموسمية

حظوظ نهري دجلة والفرات الموسمية

حظوظ نهري دجلة والفرات الموسمية

ضياء ليلوة – باحث سياسي

 17\4\2026

إن ارتفاع مناسيب نهر دجلة ونهر الفرات، بفعل كميات الأمطار، بات يُنظر إليه بوصفه «رونقاً جمالياً»، جرى التعبير عنه رسمياً وشعبياً، ولا سيما بعد الانخفاض الحاد في كميات المياه الواردة إليهما من دول المنبع خلال فترات طويلة؛ غير أن السؤال الجوهري يظل قائماً: ماذا عن المنظور التنموي؟

في كل مرة ترتفع فيها مناسيب نهر دجلة ونهر الفرات بفعل الأمطار أو الإطلاقات المائية، يتكرر مشهدٌ يكاد يكون طقساً سياسياً بحد ذاته: خطاب رسمي يحتفي بـ “وفرة الخير”، يقابله واقع ميداني يشي بعجز بنيوي عن تحويل هذه الوفرة إلى قيمة تنموية مستدامة. هذه المفارقة لم تعد جزء من فضاء الفشل فحسب، بل مدخلاً كاشفاً لطبيعة العلاقة المختلة بين السياسة وإدارة الموارد في العراق، حيث تتحول الظواهر الطبيعية من فرصة استراتيجية إلى أزمة دورية، لا بسبب قسوة الطبيعة، بل بسبب غياب الرؤية، وتفكك القرار، وانفصال التخطيط عن منطق الدولة الحديثة.

إن هذا المشهد الموسمي أصبح من أكثر الأحجيات العصية على الفهم عند الجميع بسبب التفسير السطحي الحكومي المتكرر الذي يُرجع الخلل إلى “سوء إدارة” بمعناه التقني، وكان لا بدّ من الانتقال نحو تحليل أعمق يرى في أزمة المياه انعكاساً مكثفاً لبنية سياسية واقتصادية واجتماعية تعاني من اختلالات مزمنة. فالعراق، بوصفه دولة مصب، يخضع لتأثيرات سياسات دول المنبع، ولا سيما تركيا عبر مشاريعها الكبرى مثل مشروع جنوب شرق الأناضول، وكذلك إيران التي أعادت توجيه عدد من الروافد. غير أن هذا العامل الجيوسياسي، على أهميته، لا يفسر وحده عمق الأزمة، بل يكشف هشاشة الداخل أكثر مما يبررها، إذ إن الدول التي تواجه ضغوطاً مائية مماثلة أو أشد، نجحت في تحويل القيود إلى محفزات للابتكار والتخطيط طويل الأمد، بينما ظل العراق أسير ردود الفعل المؤقتة.

إشكالية السياسة المائية في العراق ليست مجرد أزمة موارد، بل هي عقدة بنيوية تجمع بين الجغرافيا السياسية، وسوء الإدارة الداخلية، والتحولات المناخية. ولكن اسوءها هو أزمة المياه في العراق هي نتيجة تفاعل بين ضعف الدولة داخليًا وضغط الجغرافيا خارجيًا.

ولو كان الداخل قويًا، لَما استطاع الخارج أن يخنقه بهذا الشكل.

السودان بين واقع المسار العسكري وضبابية الحلول الدولية…!!

من الناحية السياسية، يتبدى الخلل في غياب ما يمكن تسميته بـ“السيادة المائية الفاعلة”، حيث لم يُترجم ملف المياه إلى أداة تفاوض استراتيجية ضمن منظومة العلاقات الإقليمية، بل بقي ملفاً تقنياً هامشياً، يُدار بمنطق إداري تقليدي، منفصل عن أدوات الضغط الدبلوماسي والاقتصادي. هذا الانفصال يعكس طبيعة الدولة الريعية التي تميل إلى إدارة الأزمات بدل استباقها، وتُفضّل التكيف المؤقت على إعادة الهيكلة العميقة. وبهذا المعنى، فإن الفيضانات ليست مجرد حدث طبيعي، بل اختبار متكرر لفشل الدولة في بناء منظومة حوكمة قادرة على الربط بين الأمن المائي والأمن القومي.

أما اقتصادياً، فإن المفارقة تبلغ ذروتها في التناقض بين الوفرة والهدر. فالمياه التي تُفترض أن تُخزّن وتُستثمر عبر بنى تحتية فعالة ــــ مثل سد الموصل وسد حديثة ـــــ تتحول في كثير من الأحيان إلى عبء يُدفع باتجاه التصريف السريع لتجنب الغرق، بدل إدماجها في دورة إنتاجية تعزز الزراعة والصناعة وتغذية المياه الجوفية. هذا النمط من “ الإدارة الطارئة ” يُنتج اقتصاداً هشاً، يعتمد على الصدفة المناخية بدل التخطيط، ويُفاقم من كلفة التقلبات الموسمية، حيث تتبدد الموارد في لحظة الوفرة، ثم تُستنزف في لحظة الشح عبر الاستيراد أو تقليص الإنتاج الزراعي.

اجتماعياً، تنعكس هذه السياسات المرتبكة في أشكال متعددة من الهشاشة، تبدأ من تضرر المجتمعات الريفية نتيجة الفيضانات، ولا تنتهي عند موجات الهجرة الداخلية بسبب الجفاف اللاحق. إن تدهور النظم البيئية، ولا سيما في أهوار العراق، ليس مجرد خسارة بيئية، بل تفكك لنمط عيش تاريخي، وانهيار لاقتصاد محلي قائم على التوازن الدقيق بين الإنسان والماء. وهنا تتجلى العلاقة العميقة بين السياسة والتنمية، حيث يؤدي غياب التخطيط إلى إنتاج أزمات اجتماعية مركبة، تتغذى من بعضها البعض، وتُعيد تشكيل الخريطة الديموغرافية والاقتصادية للبلاد.

تعزيز الوجود الدبلوماسي الأوكراني في سوريا ودبلوماسية الأمن الغذائي

في هذا السياق، لا يمكن فصل أزمة إدارة المياه عن غياب ثقافة التخطيط المسبق وإدارة الأزمات بمستوياتها الثلاثة: القريب، والمتوسط، والبعيد. فعلى المدى القريب، يتطلب الأمر بناء منظومات إنذار مبكر، وتحسين كفاءة تصريف المياه، وتحديث شبكات الري لتقليل الهدر. وعلى المدى المتوسط، يصبح من الضروري إعادة هيكلة السياسة الزراعية بما يتلاءم مع الواقع المائي، والاستثمار في مشاريع خزن مرنة، لا تقتصر على السدود الكبرى، بل تشمل شبكات خزانات محلية وأنظمة حصاد مائي. أما على المدى البعيد، فإن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والموارد، عبر تبني نموذج تنموي قائم على الاستدامة، وتفعيل الدبلوماسية المائية، والانخراط في أطر قانونية دولية تنظم استخدام الأنهار العابرة للحدود.

إن ما يكشفه ملف المياه في العراق هو أكثر من أزمة قطاعية؛ إنه مرآة لبنية دولة لم تحسم بعد انتقالها من إدارة الوفرة الريعية إلى إدارة الندرة الاستراتيجية. وبينما يستمر التعاطي مع ارتفاع المناسيب بوصفه حدثاً احتفالياً من منظور جمالي، تتراكم في العمق اختلالات تهدد بإعادة إنتاج الأزمة بأشكال أكثر حدة. ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: كيف نمنع الفيضانات؟ بل: كيف نبني دولة قادرة على تحويل كل قطرة ماء لحظة سقوطها مطراً إلى لحظة استخدامها اقتصادياً ـــــ إلى عنصر في معادلة تنموية شاملة، تُعيد وصل ما انقطع بين السياسة والمجتمع والاقتصاد، وتضع التخطيط في موقعه الطبيعي كأداة للسيادة، لا كترف مؤجل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *