هندسة الصفقات الخلفية وانكفاء الردع: أبعاد التسوية الأمريكية الإيرانية وتداعياتها على منظومة الأمن الإقليمي

هندسة الصفقات الخلفية وانكفاء الردع: أبعاد التسوية الأمريكية الإيرانية وتداعياتها على منظومة الأمن الإقليمي

هندسة الصفقات الخلفية وانكفاء الردع:

أبعاد التسوية الأمريكية الإيرانية وتداعياتها على منظومة الأمن الإقليمي

Директор Центру стратегічних досліджень Vision

Д. Саїд Саллам - директор Vision Center for Strategic Studies

17\6\2026

إن تفكيك المشهد الجيوسياسي الراهن في الشرق الأوسط يتطلب الغوص في الرمزية الدلالية والأبعاد البنيوية التي تحيط بقمة “بورغينستوك” السويسرية، حيث يعكس اختيار هذا المنتجع المطل على بحيرة لوزيرن تحولاً جوهرياً في جغرافيا الدبلوماسية الدولية لإدارة الأزمات العابرة للقارات. فالمنطقة التي طالما شكلت جيباً جغرافياً آمناً ومحصناً لصناعة التوازنات الأوروبية والعالمية عبر التاريخ، تحولت اليوم بفعل الاستثمارات القطرية في قطاع الفنادق الفاخرة إلى مدخل خلفي لتيسير القنوات الخلفية وتذليل الاستعصاءات التفاوضية، مما يمنح الدوحة دور الميسر الصامت والمحايد القادر على توفير بيئة عزل دبلوماسي بعيداً عن صخب العواصم السياسية وتأثيرات أجهزة الضغط المباشرة. هذا النزوح التفاوضي إلى العمق السويسري على بعد آلاف الكيلومترات من مسارح العمليات العسكرية والمنشآت النووية الإيرانية المحصنة في جوف الجبال والقواعد الأمريكية في الصحاري العربية، يبرهن على أن الطرفين وصلا إلى قناعة حتمية بضرورة الفصل بين الميدان الملتهب والسياسة الباردة، بعد أربعة أشهر من المواجهات الضارية التي تسببت في هزات ارتدادية عنيفة ضربت عصب شبكات الطاقة الدولية وخطوط الملاحة وحطمت سلاسل التوريد الحيوية بين الشرق والغرب، الأمر الذي فرض التزامات قسرية على النظام الدولي بضرورة صياغة تفاهمات بنيوية تتجاوز مفاعيل الأزمة المؤقتة نحو صياغة أمن إقليمي جديد. ويرتبط هذا التحول مباشرة بالانسداد العملياتي الحاد الذي واجهته المقاربة الأمريكية الرامية إلى تبريد الجبهات الإقليمية المشتعلة عبر صفقات تسوية خاطفة، والتي تجلت في الاتفاق المثير للجدل الذي تم توقيعه إلكترونياً بين واشنطن وطهران لإنهاء ما وُصف بـ “حرب الخليج الثالثة” كبديل عن الصدام الهدام وغير المبرر المستدام.

Документ «Критичні години»: Проект стратегічного взаєморозуміння та побудова балансу стримування між Тегераном та Вашингтоном

إن غياب الصيغة القانونية الدولية الرسمية لنص المذكرة الختامية حتى الآن ينقل الصراع من أروقة المنظمات الأممية إلى ساحات الحرب السيبرانية والمعلوماتية المفتوحة، حيث تحولت التسريبات الإعلامية المتقاطعة في كبريات الصحف الامريكية والمنصات الإعلامية التابعة لتيار المحافظين في واشنطن، بالتوازي مع وكالات الأنباء الرسمية وشبه الرسمية في طهران، إلى أداة بروباغندا موجهة لإعادة صياغة الوعي الجمعي وتشكيل الانطباعات الأولية حول موازين القوى الجديدة. وفي هذا السياق المحموم، يعمد الخطاب الرئاسي الأمريكي إلى انتزاع نصر سردي سريع عبر توظيف لغة الحسم والمهابة لتصوير التفاهمات كترجمة عملية ومباشرة لعقيدة التراجع الاستراتيجي المنظم وحماية المصالح الحيوية المباشرة دون التورط في مستنقعات الشرق الأوسط، في حين تنبري الدوائر الفكرية والسياسية المعارضة داخل الكونغرس، مدفوعة بضغوط وتنسيق بنيوي مع أجهزة الأمن القومي في تل أبيب، لتعرية هذا الخطاب وتفكيكه، معتبرة أن ما جرى يمثل سابقة خطيرة لإعادة تدوير التهديدات وتشريع النفوذ الإقليمي دون ضمانات حقيقية. ويتجاوز المأزق الفعلي حدود السجال السياسي العلني ليتغلغل في جوهر تقديرات الموقف السرية الحساسة الصادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (ЦРУ)، والتي وضعت وثيقة استخبارية بالغة الخطورة على طاولة ترامب – عقب استقالة مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد – تؤكد فيها بناءً على معطيات استخبارية موثوقة أن طهران لا تنوي الالتزام بأي من التعهدات الجوهرية والنووية التي تضمنها الاتفاق المبرم إلكترونياً، واصفة تفاؤل ترامب بالاتفاق بأنه مجرد “ترهات” لا رصيد لها في الواقع. هذا التقييم الاستخباري الحاسم الصادر عن مدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف، الموالي تاريخياً لترامب، أحدث انقساماً وشرخاً عميقاً في الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس؛ حيث عبر وزير الدفاع بيتي هيغسيث ومعه وزير الخارجية ماركو روبيو عن معارضة شديدة لمذكرة التفاهم المقترحة محذرين من تآكل الردع؛ وفي المقابل، انبرى نائب الرئيس جي دي فانس ومعه الدائرة اللصيقة القائمة على تيار الصفقات والمصاهرة العائلية والمالية، الممثلة في صهر الرئيس جاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيفن ويتكوف، للدفاع المستميت عن المذكرة، معتبرين التفاهمات مدخلاً لإنهاء الطموح النووي لإيران بأدوات تجارية وبراغماتية، ومستبقين موعد التوقيع الفعلي المقرر في جنيف، لدرجة دفعت الدوائر القريبة لتفسير موقف ترامب بأنه يلقي بنائبه فانس “تحت عجلات الحافلة” عبر إرساله منفرداً لتوقيع اتفاق يحوم حوله شبح الفضيحة والانهيار قبل أن يبدأ، ليتزامن هذا التراجع الدبلوماسي مع قناعة أمنية معمقة تفيد بأن طهران نجحت في تحويل فترات التهدئة والاشتباك المحدود إلى نافذة زمنية لتغيير الحقائق الجيولوجية والتقنية لبرنامجها النووي، عبر نقل وتخزين المكونات الحرجة والمخزون عالي التخصيب إلى غرف شديدة التحصين في أعماق سحيقة تحت المرتفعات الجبلية الوعرة، مستفيدة من هندسة حفر متطورة تجعل من خيار التدمير عبر الضربات الجوية والارتجاجية خياراً عديم الجدوى من الناحية العملياتية. هذا التحدي الفني والعسكري أحدث تصدعاً بنيوياً في مراكز صناعة القرار داخل الإدارة الأمريكية، حيث يقف التيار المؤسساتي في البنتاغون ومقر الاستخبارات مدافعاً عن ضرورة الحفاظ على مصداقية أدوات الردع التقليدية وتجنب منح تنازلات مجانية، في مواجهة تيار براغماتي في الدائرة اللصيقة بالبيت الأبيض يرى في إغلاق هذا الملف الساخن، ولو مؤقتاً، ضرورة ملحة لحماية الاقتصاد الداخلي من تقلبات أسواق النفط وتأمين بيئة سياسية مستقرة تدعم الحظوظ الانتخابية للحزب الحاكم في مواجهة سيناريوهات العزل السياسي والبرلماني المتوقعة داخلياً بغض النظر عن الاختلالات التي قد تصيب التوازن الجيوسياسي على المدى البعيد.

ويستدعي تفكيك الجذور التاريخية للمشهد الراهن إحالة جيو-سياسية مقارنة تكشف عن طبيعة التحولات الهيكلية في قواعد الاشتباك الدولي والإقليمي. فالعودة إلى مرجعيات خطة العمل الشاملة المشتركة المبرمة في فيينا في 14 يوليو 2015 بين طهران ومجموعة الدول الست الكبرى، تظهر بوضوح كيف انتقلت المقاربة الدولية من الإستراتيجية الدبلوماسية متعددة الأطراف القائمة على الاحتواء الفني والتحقق المؤسساتي، إلى مربع الصدام الأحادي المباشر. لقد مثل اتفاق فيينا ذروة الهندسة السياسية التي أعادت ضبط موازين القوى في المنطقة، من خلال صياغة تفاهمات استراتيجية ملزمة فرضت التراجع عن خيار المواجهة الشاملة، ووضعت حداً للمسارات العسكرية الجوفاء، لصالح خارطة طريق دولية تضمن استقرار الممرات المائية وتدفقات الطاقة عبر الخليج، حيث زاوجت بين القيود الفيزيائية الصارمة والمكتسبات الاقتصادية المقننة، ووضعت الدائرة التقنية للاتفاق جدار صد زمني يقدر بـ “سنة الانعتاق” عبر كبح قدرات أجهزة الطرد المركزي ومنع تجاوز عتبة التخصيب الحرجة البالغة 3.67%، مما جرد طهران من القدرة على المناورة التقنية السريعة، وأخضع دورتها النووية بالكامل لبروتوكول التفتيش الأكثر صرامة في تاريخ الوكالة الدولية مقابل تقليص المخزون إلى 300 كيلوغرام وإعادة هندسة مفاعل أراك للماء الثقيل والافراج عن أكثر من 100 مليار دولار من أموالها المجمدة.

إلا أن هذا البناء الدبلوماسي لم يصمد أمام التحول البنيوي في الإدارة الأمريكية، حيث أدى الانسحاب الأحادي لإدارة الرئيس ترامب عام 2018 ومذهب “الضغط الأقصى” إلى تفكيك شبكة الأمان متعددة الأطراف، لتدخل المنطقة في متتالية خطيرة من حافة الهاوية. وعقب العودة الثانية الى البيت الأبيض، تجاوزت واشنطن صيغ الردع التقليدية نحو تبني مسار تقويض القدرات الصلبة عبر تفويض تكتيكي ومباشر للآلة العسكرية العبرية ومشاركة أمريكية في اليوم الأخير، حيث شكلت “حرب الاثني عشر يوماً” في يونيو 2025 محاولة لفرض واقع ميداني جديد عبر هندسة تدميرية استهدفت البنية التحتية الحرجة الحاضنة لشبكات الطرد المركزي المتقدمة في عمق منشآت فوردو، المحصنة جيولوجياً، ومجمعات نطنز. ومع إخفاق القنوات التفاوضية اللاحقة في استثمار نتائج هذه الحرب بسبب تمسك طهران بسقف شروطها المرتفع، انزلقت المقاربة الأمريكية بمشاركة إسرائيلية كاملة نحو سيناريو المواجهة الشاملة عابرة الحدود. وهي الحرب التي صُممت أهدافها الكلية لتتجاوز مجرد تعطيل أجهزة الطرد المركزي إلى السعي لاجتثاث العمق الردعي الإيراني المتمثل في القوة الصاروخية الدقيقة وسلاح المسيرات الهجومية، وشل قدرات القوة البحرية غير النمطية في المياه الدافئة، وصولاً إلى الهدف الأقصى المتمثل في تسريع تفكك الحاضنة السياسية والمؤسساتية للنظام في طهران تحت وطأة الحصار العملياتي والاقتصادي الشامل.

Тегеран нав'язує рівняння “всі за всіх” та обмінює безпеку Галілеї на глобальну енергетичну артерію.

ويكشف الفحص و التحليل الدقيق للمرحلة الأولى من هذه المواجهة الشاملة عن فجوة بنيوية عميقة بين حسابات التخطيط الاستراتيجي النظري في واشنطن – تل ابيب والواقع العملياتي المعقد على الأرض، فالصدمة الكبرى التي تمت باختراق المنظومة الأمنية واغتيال رأس الهرم السياسي والروحي للجمهورية الإسلامية والعديد من القيادات السياسية و العسكرية بضربات جوية خاطفة، صُممت لتكون رافعة لانهيار عمودي سريع في بنية الدولة واشتعال ثورة مضادة تطيح بالمنظومة الحاكمة. إلا أن هذه الخطوة أغفلت الطبيعة الشبكية المتجذرة لمؤسسات الحكم الإيرانية ومبدأ القيادة الجماعية المرن، الذي مكن مجلس الأمن القومي ومؤسسة الحرس الثوري من استيعاب الصدمة الانتقالية فوراً وإعلان حالة الطوارئ العليا، متجاوزين اختبار الخلافة الدستورية والسياسية بمرونة عالية صدمت دوائر التقدير الغربية، بل إن غياب القيادة الروحية التقليدية منح الجناح العسكري الأكثر راديكالية تفويضاً مطلقاً للهيمنة الكاملة على مفاصل الدولة الأمنية والاقتصادية، مجهضاً أي فرصة لتحرك التيار الإصلاحي أو النخب البراغماتية ومكرساً صيغة “دولة الثكنة” التي لا مكان فيها للمساومات الداخلية. ومع استتباب الجبهة الداخلية، انتقلت طهران فوراً إلى مرحلة الردع الخارجي غير المتماثل عبر تفعيل ورقة “الجغرافيا الخانقة” وقفل شريان الملاحة الحرج في مضيق هرمز، مما تسبب في صدمة عرض عنيفة في أسواق الطاقة العالمية، حيث ارتفعت أسعار البرميل إلى مستويات قياسية أربكت سلاسل الإمداد العالمية وأشعلت موجة تضخمية عاتية ضربت الأسواق السلعية والاستهلاكية. وترافق ذلك مع تكتيكات إيرانية نوعية تمثلت في إحداث سلسلة تفجيرات تحت الأرض لتأمين وطمر المخزون النووي المخصب بدرجة 60% في أعماق سحيقة تجعل من المستحيل استخراجه أو تدميره، وهو ما أجبر ترامب على صياغة لغة دبلوماسية بديلة تصف هذا الملف الشائك بـ “الغبار النووي” للتمهيد لغض الطرف عنه. ولم يقتصر الرد الإيراني على التعطيل الجغرافي، بل تجاوزه إلى نقل المعركة إلى عمق المراكز العسكرية الشريكة لواشنطن عبر هجمات منسقة بأسراب المسيرات الانتحارية الموجهة التي ضربت البنية التحتية والمنشآت الحيوية الاقتصادية والنفطية في قلب الخليج العربي، مطلقة رسالة عملياتية قاسية مفادها أن كلفة الحرب لن تبقى محصورة في النطاق الجغرافي الإيراني. وأمام هذا الانكشاف الاقتصادي المباشر، وتصاعد حدة الغضب الشعبي الداخلي في الولايات المتحدة من جراء الارتفاع الحاد في أسعار الوقود والسلع الأساسية، وجد صانع القرار في البيت الأبيض نفسه في سباق محموم مع الزمن لتلافي هزيمة انتخابية قاسية للحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية الوشيكة. هذه الضغوط المتقاطعة حولت الاندفاع العسكري الأمريكي إلى انكفاء دبلوماسي تكتيكي يبحث عن مخرج سريع يحفظ ماء الوجه تحت لافتة “الصفقة التاريخية”. وتكمن المعضلة الاستراتيجية الكبرى في أن مسودة التفاهم الحالية تحولت من وثيقة لتفكيك التهديد الإيراني إلى مجرد إعلان مبادئ فضفاض يُرحّل القضايا الأساسية التي شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب من أجلها، فالملف النووي ومستقبل اليورانيوم المخصب عالي النقاء البالغ 440 كيلوغراماً بنسبة 60% تم وضعها في مسار تفاوضي غامض يمتد لستين يوماً، دون المساس بالحقائق الجديدة التي فرضتها إيران على الأرض. والأخطر من ذلك هو التغاضي الكامل في بنود المسودة عن الترسانة الصاروخية الباليستية العابرة للمسافات وشبكات الصواريخ الفرط صوتية والمسيرات المتطورة، مما يعني عملياتياً أن الآلة العسكرية الأمريكية قد قبلت بإنهاء جولة القتال المباشر دون تفكيك مسبباتها، تاركة مصادر التهديد الاستراتيجي قائمة، بل ومنحتها شرعية البقاء والتطوير تحت غطاء التهدئة الدبلوماسية المؤقتة.

وفي المقابل، تضمن المسودة لإيران مكاسب جيوسياسية وازنة تشمل وقفاً فورياً وشاملاً لإطلاق النار على الجبهات كافة بما فيها الساحة اللبنانية، وهو ما يثير غضب واستياء تل أبيب العارم، إلى جانب رفع تدريجي وممنهج للعقوبات الأمريكية والدولية، ومنح تراخيص وتنفيذ فوري من وزارة الخزانة الأمريكية لتصدير النفط والبتروكيماويات للأسواق العالمية، فضلاً عما كشفت عنه وكالات انباء مختلفة من افراج فوري عن اثني عشر مليار دولار من الأصول المجمدة تليها دفعة مماثلة في المدى القريب.

بيد أن المأزق الأعمق في هذه المقاربة الدبلوماسية يكمن في البند المالي غير المعلن للاتفاق، والذي يتضمن تأسيس صندوق دعم لإعادة الإعمار بقيمة ثلاثمائة مليار دولار لصالح طهران. وفي لغة التحليل الاستراتيجي الرصين، فإن هذا الرقم، الذي يعادل القيمة التقديرية القصوى للتعويضات التي استحصل عليها الاتحاد السوفيتي من ألمانيا (من خلال نقل المصانع والبواخر والتحف وغيرها من المقتنيات) عقب الحرب العالمية الثانية بالقيمة الحالية للدولار، يمثل إقراراً ضمنياً بانتصار المقاربة الإيرانية وفرض شروطها كقوة إقليمية مهيمنة باتت تتحكم عملياً في ممرات الملاحة الاستراتيجية في مضيق هرمز ومعدلات تدفق 20% من النفط العالمي. وما يضاعف من خطورة هذا المسار هو قيام واشنطن بالضغط على حلفائها التقليديين من ملكيات الخليج العربي لتمويل هذا الصندوق في قالب يشبه التعويضات غير المباشرة، مما يحدث شرخاً كبيراً في منظومة الأمن الإقليمي، ودفع العلاقات الأمريكية الإسرائيلية إلى حافة قطيعة استراتيجية، حيث ترى تل أبيب في هذا الاتفاق انهياراً كاملاً لعقيدتها الأمنية القائمة على الردع والعمليات الاستباقية المحدودة أو ما كان يُعرف استراتيجياً بـ “قص العشب”.

ويكشف التقييم المعمق لخفايا هذا الاتفاق المبرم بين واشنطن وطهران عن مقاربة سياسية بالغة الخطورة اتبعها دونالد ترامب للخروج من مأزق “حرب الخليج”؛ حيث تشير القراءة الاستراتيجية لترتيبات التسوية إلى أن الدائرة الأكثر ولاءً لترامب والممثلة في نائبه جي دي فانس، وصهره جاريد كوشنر، والمبعوث الخاص ستيفن ويتكوف، هي التي تولت هندسة “البند المالي غير المعلن” وإدارته بمنطق الصفقات والمقايضات المالية وعلى حساب المصالح الجيوسياسية الامريكية لتجنيب الاقتصاد الأمريكي تبعات التضخم؛ حيث مارست هذه الدائرة ضغوطاً سياسية حادة على حلفائها التقليديين من ملكيات الخليج العربي – ولا سيما المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت – لإجبارها على جمع وتمويل هذا الصندوق المقترح لإعادة إعمار إيران والبالغ قيمته ثلاثمائة مليار دولار. وتكمن المفارقة الجيوسياسية الصادمة هنا في أن هذه الدول الخليجية هي الطرف الذي تضرر مباشرة من تداعيات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وهي ذاتها القوى التي تقاعست واشنطن عن توفير الحماية الاستراتيجية المفترضة لها أثناء الحرب؛ وبدلاً من إنصافها، جرى توظيف قدراتها المالية لتمويل صندوقٍ يمثل في جوهره وصيغته البنيوية “إتاواتٍ” أو “تعويضات حرب” تلتزم بها الأطراف المهزومة لصالح الطرف المنتصر. إن قبول الإدارة الأمريكية بهذه الصيغة التمويلية التي مررتها دائرة (فانس، كوشنر، ويتكوف) يعكس إقراراً ضمنياً بنجاح طهران في فرض شروطها وإدارتها للصراع بصورة جعلتها تخرج بمكاسب جيوسياسية ومالية هائلة تُعامل فيها كقوة إقليمية منتصرة، بينما تحولت القوى الخليجية – بسبب الحسابات التجارية الضيقة لصانع القرار في البيت الأبيض – إلى الطرف الملتزم بدفع كلفة تسوية لا تخدم أمنه الاستراتيجي، مما يمثل سابقة تاريخية هدمت أسس الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية في المنطقة. ويوضح هذا الطرح الاقتصادي والسياسي المثير للجدل كيف قادت هذه الهندسة المالية والمقايضات غير المتكافئة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية إلى حافة قطيعة استراتيجية وتكلس ديبلوماسي غير مسبوق في تاريخ التحالف بين الطرفين؛ ليتزامن ذلك مع مواجهة كلامية حادة بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، حيث رد الأخير بصرامة معلناً أن تل أبيب غير معنية بهذا الاتفاق التكتيكي ومستعدة للقول “لا” لواشنطن لحماية أمنها المباشر، في حين تنظر المؤسستان العسكرية والأمنية في إسرائيل إلى هذه التفاهمات بوصفها انهياراً كاملاً وشاملاً للعقيدة الأمنية الإسرائيلية القائمة على مبادئ الردع المطلق والضربات الاستباقية وتحييد التهديدات الوجودية في مهدها، فالصيغة الحالية لا تكتفي بوقف هذه الإستراتيجية فحسب، بل تمنح طهران الحصانة السياسية والقانونية والروافع المالية الكافية لتحصين مكتسباتها النووية والصاروخية تحت الأرض، وترسيخ نفوذها الإقليمي دون القدرة على لجمه.

وتُفضي المقارنة التحليلية الشاملة بين المحطتين التاريخيتين إلى استنتاج استراتيجي بالغ الدقة، يوضح كيف أدى تفكيك المقاربة الدبلوماسية المحكمة لإدارة أوباما إلى الدخول في حلقة مفرغة من التصعيد العقيم، انتهت بواشنطن إلى القبول بمعادلة تسوية تمنح طهران مكاسب هيكلية أوسع بكثير مما كانت تطمح إليه في اتفاق عام 2015، فالنزوع نحو خيار المواجهة الشاملة الذي تبناه الرئيس ترامب، لم يكتفِ بإشعال حرب إقليمية واسعة استنزفت موارد هائلة وأسفرت عن كلفة بشرية باهظة شملت ضحايا مدنيين، كفاجعة مدرسة البنات في ميناب، بل انتهى بالمفاوض الأمريكي إلى الرضوخ لشروط حتمية تفتقر إلى أي التزامات فعلية أو ملموسة من جانب طهران قبل تفعيل بنود التهدئة. وفي هذا السياق من البروباغندا والتسويق السياسي، يحاول البيت الأبيض عبر فريقه البراغماتي تصوير إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف حركة الملاحة كإنجاز تاريخي غير مسبوق، متناسياً في خطابه الموجه للداخل أن المضيق كان مفتوحاً بالكامل وحركة تدفق ناقلات النفط كانت آمنة ومستقرة قبل قرار واشنطن الأحادي بالانتقال من الضغط الاقتصادي إلى الصدام العسكري المباشر.

ولا ينفصل تقييم الجدوى العسكرية لهذه الحرب عن قراءة مخرجاتها السياسية، فبالرغم من أن إيجاز الخسائر العملياتية يعكس نجاحاً عسكرياً نسبياً تمثل في تدمير، حسب الإعلانات الامريكية – الإسرائيلية، ما يراوح بين 30% إلى 85% من ترسانة الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي كانت تُقدر بنحو 2,500 صاروخ وقذيفة موجهة قبل اندلاع الحرب، وهو ما أعاد البنية الفنية والإنتاجية العسكرية لإيران سنوات إلى الوراء وفقاً لبيانات رصد دولية رصينة، إلا أن هذا التفوق الميداني المؤقت يفقد قيمته الردعية في ظل غياب أي قيود تسلّحية صارمة في مسودة الاتفاق الجديد، ومع تدفق مالي ضخم ومضمون دولياً بقيمة 300 مليار دولار عبر صندوق إعادة الإعمار، ستكون طهران قادرة على تعويض قدراتها النوعية المفقودة وشراء التكنولوجيا المتقدمة في مدى زمني قياسي، بل وتطوير تكتيكات أكثر كفاءة ومناعة لإغلاق مضيق هرمز مستقبلاً، مستفيدة من الدروس المستفاده وتجربتها الميدانية الناجحة في إدارة الصراع الاقتصادي وعزل الممرات المائية الحيوية، الأمر الذي يعني في المحصلة النهائية تلاشي استراتيجية “قص العشب” وتحجيم التهديدات التي طالما تفاخرت بها تل أبيب، وتُحوّل المقاربة الامريكية – الإسرائيلية برمتها إلى رضوخ سياسي وتكتيكي صريح أمام ثبات ومناورة القيادة الإيرانية العميقة.

وتُفضي هذه المحصلة الجيو-استراتيجية الشاملة إلى واقع تحليلي لا يمكن القفز فوق معطياته، يضع إسرائيل في موقع الخاسر الأكبر والضحية الدبلوماسية الأبرز لهذه الجولة من الصراع الشامل، فبالنظر إلى قائمة الأهداف الحيوية والوجودية التي صاغت على أساسها تل أبيب عقيدتها العسكرية طوال العقدين الماضيين، لم يتحقق أي اختراق جوهري ومستدام؛ إذ لم يفضِ العمل العسكري إلى إنهاء المشروع النووي الإيراني وتفكيك بنيته التحتية بالكامل، ولم ينجح في تقويض الترسانة الصاروخية التقليدية وغير النمطية في الإقليم، كما بقيت خطوط الإمداد اللوجستي والعملياتي الممتدة نحو حلفاء ايران محتفظة بمرونتها وقدرتها على التكيف والعمل، والأقسى من منظور التقييم الأمني الإسرائيلي هو العزلة الدبلوماسية والاستبعاد القسري من كواليس التفاوض التي قادها الحليف الاستراتيجي الأكبر في واشنطن، والذي آثر في نهاية المطاف تغليب الحسابات الانتخابية الداخلية الضيقة، والتخلي عن شريكه العضوي في ذروة الاشتباك الميداني، والقبول بطهران شريكاً مكافئاً يمتلك من أوراق الضغط الواقعية ما يؤهله لفرض شروطه وتحويل صموده العسكري إلى مكاسب سياسية واقتصادية هيكلية.

إن هذا الإخفاق الاستراتيجي الأمريكي المتكامل يتجاوز في تداعياته حدود الشرق الأوسط ليصيب بنية النظام الدولي وحسابات التوازنات العالمية في مقتل، فالقراءة الدقيقة لهذه التحولات لا تعني بالضرورة أن إيران أضحت متفوقة عسكرياً أو تكنولوجياً على الدولة العظمى بمقاييس القوة الصلبة الشاملة، لكنها تُقدّم دليلاً عملياً وملموساً على أن امتلاك أعتى أدوات القوة العسكرية والتكنولوجية الفائقة لم يعد كافياً بمفرده لفرض الإرادة السياسية الكاملة على القوى الإقليمية المحورية التي تمتلك عقيدة مواجهة صلبة ومستعدة للذهاب إلى خيار الصدام الشامل وتحمل كلف الاشتباك الطويل. وهذه الخلاصة الاستراتيجية ستكون بمثابة رافعة جيوسياسية تدفع قوى دولية كبرى، وفي مقدمتها الصين وروسيا، لإعادة صياغة حساباتها ومقارباتها الاستراتيجية، والتعامل بجرأة أكبر وتحدٍ وممنهج للنفوذ الأمريكي في ملفات حيوية حول العالم، ليبقى المشهد الدولي بأسره رهناً بما ستسفر عنه الستون يوماً المقبلة، والتي ستحدد ما إذا كانت هذه المسودة المترنحة ستفضي إلى معاهدة سلام مستدام بأطر وقواعد اشتباك جديدة، أم أنها لا تعدو كونها هدنة تكتيكية مؤقتة وفرصة لإعادة التموضع في حرب استراتيجية كبرى طال أمدها ولم تضع أوزارها بعد.

Залишити відповідь

Ваша e-mail адреса не оприлюднюватиметься. Обов’язкові поля позначені *