هل حان وقت تفكيك الإمبراطورية الروسية؟

هل حان وقت تفكيك الإمبراطورية الروسية؟

عبد الرحمن الشامي

باحث في مركز “فيجن” للدراسات الاستراتيجية – مختص في الشأن السوري والأوكراني

5/4/2023

المكان: البرلمان الأوكراني

الزمان: قبيل استقلال أوكرانيا عام 1991

الحدث: جورج بوش (الأب) يلقي خطاباً شهيراً في البرلمان الأوكراني (الذي كان لا يزال جزء من الاتحاد السوفيتي) يحاول بموجبه إقناع البرلمان بضرورة عدم الانفصال عن الاتحاد السوفيتي.

قد يقول قائل: ” غريب كيف أن رئيس أمريكا التي كانت تحارب الاتحاد السوفيتي وتضعفه في الحرب الباردة يدافع عن وحدة الاتحاد السوفيتي؟”

والجواب هو “السلاح النووي”!

لقد كانت أمريكا بالفعل تستهدف الاتحاد السوفيتي وتسعى لإضعافه بشتى الوسائل، ويتذكر المتابع دعم أمريكا لمجاهدي أفغانستان كي يهزموا الاتحاد السوفيتي وطلبها من السعودية مضاعفة انتاج النفط للتقليل من سعره والضغط على اقتصاد الاتحاد السوفيتي. لكن الهدف الأمريكي لم يكن تفتيت الاتحاد السوفيتي كما هو الرأي الدارج، أمريكا كانت تخشى الاتحاد السوفيتي كدولة نووية! السؤال هو في حال سقوطه سوف يتجزأ الى كم دولة؟ من سيحكم تلك الدول؟ وما هو مصير السلاح النووي؟ بكل تأكيد أمريكا كانت تحسب حساباً لإرث الاتحاد السوفيتي وتخشى ان تحصل بدل عن دولة واحدة معادية نووية تهدد امنها الى دول ودويلات وحكومات صعب التنبؤ بشكلها ودوافعها.

بعد مفاوضات طويلة يبدو ان استقلال أوكرانيا كان مرتبطا بتسليمها سلاحها النووي لروسيا لتبقى روسيا الوريث النووي الوحيد في الاتحاد السوفيتي، اما عن شكل الأنظمة الحاكمة في دول الاتحاد السوفيتي السابق فبينما حرص الغرب على دمج الدول الغربية في معسكر وارسو ضمن البنية الغربية، لم يكن يملك مشكلة مع روسيا في إبقاء هيمنتها على دول أسيا الوسطى وحتى أرمينيا وأذربيجان وبيلاروسيا ومولدوفا وأوكرانيا (الى حد ما) فالمهم بالنسبة للمعسكر الغربي هو الاستقرار وعدم استهداف مصالحهم الاقتصادية.

لذلك لا نجد أي صدام حقيقي بين النظام الروسي والنظام الأمريكي منذ الاستقلال. ففي حروب العراق وليبيا ويوغوسلافيا وقفت روسيا موقف المتفرج! اما في أفغانستان فقد انخرطت روسيا لمساعدة الناتو بشكل رسمي ومباشر في حربهم على الشعب الافغاني! اما في سوريا فقد شهد العمل العسكري بين الطرفين الروسي والامريكي صيغة جديدة، لا هي خلاف ولا هي تعاون، بل هي تنسيق مباشر لتحقيق اهداف كل طرف على حساب الشعب السوري.

إذا مما سبق كانت أمريكا والغرب يريدون اتحاد سوفيتي ضعيف لا مفكك، ومن بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، استمروا في سياسة ان تبقى روسيا موحدة لكن تحت السيطرة! هذا يفسر وقوف الغرب على الحياد السلبي من قضية الشعب الشيشاني والمذابح التي حصلت بحقه من قبل الروس. بل أن الغرب وافق على سردية روسيا على اعتبار الشعب الشيشاني “جماعات إرهابية” كي يسهل عمل القوات الروسية في إعادة اخضاع الشيشان للسلطة الروسية. وقد حظي بوتن وقتها، وهو الرئيس الجديد، بحظوة كبيرة عند القادة الغربيين، وكان يسمى وقتها بصديق توني بلير المفضل (رئيس الوزراء البريطاني وقتها)، وروسيا نفسها شهدت انفتاح غربي من خلال الاستثمار وغيرها من السبل.

ازدادت أهمية روسيا كشريك للغرب مع تصاعد قوة الصين الاقتصادية، اذ ان الغرب تعلم الدرس من أخطاء الأخرق جورج بوش الابن وحربه على العراق! ان إزالة دولة العراق أدى الى تغول إيران في المنطقة والعالم! إذا وجود روسيا كقوة إقليمية هو ضرورة للغرب كي تبقى جار منافس للصين وتحد من سطوتها على المنطقة! اذ تمتلك الصين قوة صناعية واقتصادية هائلة لكنها تفتقر الى الموارد الطبيعية! تخيل ماذا سيحصل لو امتلك الصينيون السيطرة على الموارد الطبيعية مثلاً في الأراضي المتنازع عليها سابقاً بين الصين والامبراطورية الروسية في حال تفتت الدولة الروسية؟

من كل ما ذكر أعلاه لا يملك الامريكيون تحديداً أي مصلحة حتى اليوم في تفكيك روسيا! على الرغم من الحرب مع أوكرانيا، لا تشكل روسيا تهديداً حقيقياً لأمريكا، بل ورغم جنون بوتن فإن هذه الحرب اكدت هذه الفكرة، اذ ان الجيش الروسي انفضح ضعفه تماما امام ابسط مكونات المنظومة الغربية من الأسلحة! أكثر من ذلك تلويح بوتن بالسلاح النووي يذكر الغرب بشكل مستمر بخطر ان يتحول هذا السلاح الى يد عدد من الدول يحكمها عدد من الأنظمة الدكتاتورية من أمثال كوريا الشمالية وإيران!

قد يقول قائل: بإمكان الغرب التدخل ووضع نظام يخضع للغرب في تلك الدويلات، لكن الحقيقة ان الغرب فشل في وضع نظام يحكم كل من أفغانستان والعراق، مؤكداً ان النظريات تختلف عن الواقع، وأن النتيجة قد تكون أنظمة فاشلة لا تتحكم بالدولة كما حصل في العراق وأفغانستان مما يشكل فوضى نووية في العالم في الحالة الروسية.

لذلك، رغم ان الرؤيا الغربية مختلفة بين دول الجوار الغربي (بولندا والبلطيق) وبين دول الاتحاد الأوربي وبين أمريكا وان لكل منهم رؤيته، إلا ان اللاعبين الأقوى وتحديداً أمريكا وألمانيا وفرنسا غير مهتمين بتفتيت روسيا! هم يريدون اضعافها واخضاعها لإعادتها تحت السيطرة، وأيضا كي تستفيد منها أمريكا تحديدا في صراعها مع الصين.

هنا ربما يظهر أننا أجبنا على السؤال: هل حان وقت تفكيك الإمبراطورية الروسية؟ الجواب هو لا! لأن الغرب غير مهتم بذلك، لكن الموضوع اعقد من هذا بكثير! اذ أن الواقع يقول إنه على الرغم من عدم وجود إرادة غربية لتفتيت روسيا، لكن روسيا باتت اليوم بالفعل تواجه خطر التفكك! ونحن نسمع ونرى قوى داخل روسيا بدأت تتحدث علناً على أن النصر في أوكرانيا “في حال إمكانية تحقيقه” هو ضرورة لإبقاء روسيا متحدة وان الفشل الروسي قد يؤدي الى انهيار روسيا.

السؤال الأول هو لماذا تنهار دولة كاملة إن خسرت الحرب خارج أرضها؟ أغلب دول العالم تخسر حروب خارج أرضها ولا يؤثر هذا الأمر على وحدتها، لماذا إذا روسيا في خطر؟ لنفهم هذا الأمر أكثر لنقارن بين خسارة أمريكا في فيتنام ثم في أفغانستان وبين خسارة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان ولماذا انهارت الثانية ولم تنهار الأولى.

الحقيقة هي أن أي دولة تخرج للغزو خارج أراضيها دائما ما تستعين برسالة مستلهمة مما يسمى مجازياً “قيم او فكرة الدولة نفسها” بمعنى أن أمريكا تدعي انها تحارب لنشر الديمقراطية في العالم بينما الاتحاد السوفيتي كان يحارب لنشر الاشتراكية، الان يحارب الروس ل “حماية الروس من الاضطهاد” لذلك عند الخسارة تتعرض القيمة أو فكرة الدولة نفسها لهزة عنيفة! هذا ما شاهدناه بشكل كبير مثلا مع الاتحاد السوفيتي! كثير من الناس فقد الايمان بالفكرة الاشتراكية بعد احداث أفغانستان! وقد كان هذا سبباً مهماً في تفتت الاتحاد السوفيتي في وقت لاحق. نفس الأمر حصل بالفعل في حرب أمريكا على فيتنام، فقد كثير من الامريكان الايمان بفكرة الرأسمالية وشككوا حتى بمفهوم الحرية داخل أمريكا لكن أمريكا لم تنهار، ولم تنهار حتى بعد انسحاب جوزف بايدن من أفغانستان!

لماذا لم تنهار أمريكا بينما انهار الاتحاد السوفيتي؟ الجواب اقتصادي اجتماعي! قيمة الدولة مهمة جداً في عيون المواطنين، لكن العامل الاقتصادي والاجتماعي، او بشكل ادق مفهوم رفاهية المواطن، يلعب الدور الأكبر في تماسك الدول! ان كان المواطن يتمتع بأغلب حقوقه ويتمتع بمزايا اقتصادية قوية بسبب المواطنة، لا يوجد لدى المواطن أي سبب في دعم تفكيك دولته، بل على العكس سيدافع عنها حتى لو كانت تلك الدولة لا تملك رسالة إنسانية قوية، رغم ان ذلك أيضا يلعب دور، على العكس تماما في حال كان المواطن يعاني من نقص حاد في الحقوق، فان أفضل طريقة للحفاظ على الدولة تكون بالقبضة الحديدية من جهة وببروباغاندا تركز على “رسالة الدولة”، ولكن في حال اهتزت رسالة الدولة من جهة وضعفت القبضة الأمنية إذا فان تفكك الدولة هو المصير شبه الحتمي.

خارج موسكو وسان بطرسبورغ يعاني الشعب الروسي اقتصادياً بشكل كبير! لفهم المشكلة أكبر علينا فقط ان نعلم انه قبل الحرب الروسية على أوكرانيا كان الحد الأدنى للأجور في روسيا، الغنية جدا بالثروات، اقل من نظيره في أوكرانيا التي تعد أفقر بكثير من ناحية الثروات الطبيعية! يملك الشعب الروسي أيضا مشاكل اجتماعية كبيرة! اذ أن الروس اغلبهم ليسوا روساً، بل هم من شعوب أخرى، لا يتم فعلياً الاعتراف بخصوصيتهم، بداية من اسم وعلم الدولة وامتداداً لحقوقهم وخصائصهم الدينية والاجتماعية! ولربما هذا من أكبر أسباب وجود الة قمعية رهيبة في القوقاز مثلاً، على اعتبار ان شعوب القوقاز لا تعتبر نفسها روسية وتنتظر الفرصة لإعلان استقلالها، خاصة وأنها الاحدث ذاكرة بالأحداث الدموية التي حصلت في الشيشان.

روسيا فعليا اليوم ليست دولة بالمفهوم الحديث للدولة، هي أشبه بالإمبراطورية بالمفهوم التقليدي! هي لا تزال تعيش على فكرة التوسع الجغرافي بالقوة العسكرية وقمع المواطنين من الأقاليم الواقعة تحت رحمة الروس نفسهم! يعاني الكثير من غير الروس الواقعين تحت رحمة الروس من العنصرية المنهجية والكره! هذا يسبب فقدان الثقة بين مكونات الدولة الروسية نفسها! حتى اقتصادياً هناك أقاليم غنية جدا بالثروات الباطنية، لكن اغلب هذه الثروات يتمتع بها اغنياء مقربون من نظام بوتن، محسوبين على موسكو وسان بطرسبورغ.

بالتالي الدولة الروسية، او بشكل اصح الإمبراطورية الروسية، مرشحة جداً للانهيار في حال حصول أي ضعف للقبضة الأمنية! فشل القبضة العسكرية الروسية في أوكرانيا يعني اهتزاز صورتها بشكل كبير ويعني بشكل مباشر ان تفهم مكونات الإمبراطورية الرازحة تحت قبضة الاحتلال ان الحرية أصبحت ممكنة وانه، كما فعلها الشعب الأوكراني، ممكن جدا لشعوب مثل الشيشان او التتار او الكالميك او الباشكيري او البوراتي ان يحرروا ارضهم ويحصلون أخيراً على دولة تمثلهم.

كل ما ذكر أعلاه قد يشكل هزة لاستقرار النظام العالمي الاقتصادي، اذ ان هذه الشعوب تملك الكثير من الثروات من ناحية، ومن ناحية ثانية تبقى المشكلة النووية الخطر الأكبر في عين الغرب، لذلك، كما قلنا، يحرص الامريكيون على مساعدة أوكرانيا على الانتصار، لكن ليس بشكل سريع وساحق، حتى لا تكون أوكرانيا مجرد مقدمة لانهيار الاتحاد الروسي. ولعل هذا الامر كان أوضح ما يكون في تصريحات ثعلب السياسة الأمريكية ومهندس النظام العالمي الحالي لحد ما هنري كسنجر الذي كان حريصاً على ألا تخسر روسيا.

بنفس الوقت هناك دول، مثل بولندا ورومانيا ودول البلطيق وجورجيا ومولدوفا وكازاخستان واوزباكستان وتركمانستان وسوريا وغيرها، شعوبها تتوق لانهيار الاتحاد الروسي لسببين، الأول هو ان الإمبراطورية الروسية حقيقة قائمة على فكرة التوسع والاحتلال، وأنها لن تبقى على حدودها دون ان تهاجم دول أخرى، والثانية دعمها للأنظمة المارقة ومجرمي الحرب! إذا هي امبراطورية شر بكل معنى الكلمة، وانهيارها يؤدي الى اضعاف الكثير من مجرمي الحرب حول العالم، ناهيك على ان انهيارها يعني تحرر الكثير من الشعوب الرازحة فعلياً تحت وطأة هذا الاحتلال ويكون فرصة لتقرير مصيرها.

مما سبق وعلى عكس الإرادة الغربية التي يبدو أنها أحرص على وحدة الاتحاد الروسي من حكومة روسيا نفسها، يبدو ان الخيار الأفضل للبشرية ان تستغل الفرصة النادرة لتفكك واحدة من أكبر امبراطوريات الشر في العالم للتخلص من شرها من ناحية، ولتغيير شكل النظام العالمي الحالي من ناحية أخرى، اذ بكل تأكيد ان هبوط قوة بهذا الحجم سيؤدي الى صعود قوى أخرى ربما تكون اقل استعمارية وهمجية من الروس، ويفرض على الأنظمة الدكتاتورية إعادة النظر في سلوكها لاختفاء داعم كبير لها.

إذا حرب الأوكران من اجل تحرير ارضهم هي فرصة نادرة لا تعوض للبشرية لجعل العالم مكان أفضل للعيش! حان الوقت لتفكيك الإمبراطورية الروسية دون عودة ولتكون عبرة لكل من يظن ان احتلال الشعوب واستعبادها امر مقبول في عالمنا هذا.

 

Залишити відповідь

Ваша e-mail адреса не оприлюднюватиметься. Обов’язкові поля позначені *