هل لدى الاتحاد الاقتصادي الاوراسي أي أفق مستقبلي؟

هل لدى الاتحاد الاقتصادي الاوراسي أي أفق مستقبلي؟

فراس بورزان

14/3/2023

الجوار القريب ، الاسم الذي يفضله الروس لتسمية محيطهم الجيوسياسي الحيوي ، الذي يشمل دول الاتحاد السوفيتي السابقة باستثناء دول البلطيق الثلاث. تضع استراتيجية الأمن القومي الروسية الصادرة في تموز/يوليو 2021 تأمين موقع روسيا المهيمن في مجالها الجيوسياسي على رأس اهتمامات الدولة الروسية ، مقترحة التكامل مع دول جوارها القريب باستخدام مجموعة من الهياكل الإقليمية المختلفة والتي احد أهمها هو الاتحاد الاقتصادي الاوراسي (EAEU).

عام 2015، قامت روسيا بتأسيس الاتحاد الاقتصادي الاوراسي(EAEU)، وينظر الى الاتحاد على أنه مبادرة تعاون اقتصادي واسعة النطاق بين العديد من الدول الواقعة في محيط روسيا الجيوسياسي، تهدف هذه المبادرة الى تأسيس سوق مشتركة مشابهة للاتحاد الاوروبي من خلال تنسيق ومواءمة القوانين واللوائح وإزالة الحواجز التجارية بين الدول الاعضاء في الاتحاد الذي ضم في بداية تأسيسه خمسة دول هي – روسيا وكازاخستان وبيلاروسيا وأرمينيا وقيرغيزستان، بالرغم من السمة الاقتصادية للاتحاد فأن روسيا كانت مدفوعة بمخاوف جيوسياسية على خلفية أزمتها مع الغرب الناجمة عن احتلال القرم والقلق من توسع النفوذ الصيني في دول أسيا الوسطى، لذلك من الملائم اعتبار الاتحاد أداة توازن وهيمنة في أن معاً تستخدمها روسيا تجاه التحديات الناشئة، الامر الذي من شأنه تقليل جاذبية الاتحاد الاقتصادية للدول المنخرطة فيه.

المفارقة التي احدثتها حزم العقوبات التي وقعت على روسيا بعد حربها على اوكرانيا، أنها من جهة جعلت من الصعب استخدام الاتحاد كقناة قانونية وشفافة لإبرام اتفاقيات تجارية بين الاتحاد ودول من خارجه، وهو هدف رئيسي تطلعت روسيا اليه لمزيد من إحكام السيطرة على اقتصاديات الدول الاعضاء في الاتحاد، ومن جهة أخرى قلبت العقوبات الغربية اتجاه المسار داخل الاتحاد، حيث أن روسيا لم تعد هي الاعلى كعباً في لعبة التفاوض بسبب حاجتها الملحة لابقاء الدول الاعضاء الى جانبها، فروسيا تحتاج الى استمرار تغاضي تلك الدول الاعضاء عن قيامها بالاستيراد الموازي للمنتجات المحظورة بموجب العقوبات الغربية، فقد كشف بحث أجراه معهد البحوث الاقتصادية في أستانا عن ازدياد صادرات أجهزة التلفزيون والشاشات وأجهزة العرض 312 مرة ، وأجهزة الكمبيوتر – 215 مرة ، والهواتف – 88 مرة، وطبعاً روسيا تستفيد من الصادرات في الحصول على مصدر للرقائق الالكترونية الدقيقة في الصناعة العسكرية، الامر الذي يجبر روسيا على تقديم تنازلات وبذل مزيد من الجهود لإبقاء تلك الدول الاعضاء الى جانبها، لهذا تحديداً دعى رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين من يريفان في اكتوبر/تشرين الاول الماضي إلى سوق موحد للنفط والغاز والكهرباء بين الدول الأعضاء بسبب ارتفاع أسعار الطاقة.

تصطدم جهود روسيا للمحافظة على الاتحاد الاقتصادي الاوراسي وابقاء الدول الاعضاء في فلكها بثلاث عوائق مرتبطة ببعضها، أولها اقتصادي والثاني يتعلق بالقدرة الجيوسياسية والثالث مرتبط بمنافسة القوى الكبرى.

يظهر العائق الاقتصادي بوضوح في حالة كازاخستان ، ثاني اقتصاد بعد روسيا في الاتحاد، فبيانات التجارة الخارجية الكازاخية لا تفيد بحدوث زيادة محسوسة في التبادلات البينية بينها وبين الدول الاخرى في الاتحاد غير روسيا، أما التبادلات البينية مع روسيا فتشير إلى زيادة اعتماد كازاخستان على الواردات من روسيا التي تتمتع باعفاءات جمركية، والقيادة الكازاخية الجديدة مدركة لخطورة مثل هذا الاعتماد على روسيا، الى جانب ذلك فقد أدت انظمة الاتحاد المتعلقة بالتعرفة الجمركية مع دول خارج الاتحاد الى عرقلة توقيع كازاخستان على اتفاقيات تجارة حرة مع تلك الدول، كل ذلك يوضح لماذا المسؤولون في كازاخستان يفقدون حماسهم تجاه الاتحاد الاوراسي لصالح مزيد من التعاون الاقتصادي مع الصين والاتحاد الاوروبي وتركيا.

كان لتجدد الصدام العسكري الارمني الاذري، والمناوشات الحدودية بين قيرغيزستان وطاجيكستان بالغ الأثر في إظهار روسيا في مظهر العاجز عن فرض التهدئة أوالوساطة بين الأطراف المشتبكة، لم تستطع روسيا منع القتال الذي تجدد بين أرمينيا وأذربيجان في سبتمبر/ أيلول العام الماضي رغم انتشار قواتها في المنطقة، كما لم تفلح الدعوة الروسية لزعيما البلدين للاجتماع في موسكو في احداث أي تغيير يذكر. كذلك رفضت قيرغيزستان المشاركة في التدريبات العسكرية الأخيرة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي في إشارة لامتعاضها من الموقف الروسي خلال المناوشات مع طاجيكستان، كازاخستان هي الاخرى مرتابة من تصاعد الخطاب القومي المتشدد في روسيا، خاصة أن الاقاليم الكازاخية المحاذية للحدود مع روسيا تقطنها أقلية روسية ما يجعلها مشابهة للدونباس الاوكراني.

يجسد تحرك الصين في اسيا الوسطى المظهر الأبرز لمنافسة القوى الكبرى، فالصين تسعى لاقتناص فرصة تأكل النفوذ الروسي. من خلال تعزيز حضورها السياسي في المنطقة بشكل غير مسبوق وعلى مستوى عالٍ، وهو ما بدا واضحاً لدى زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى كازاخستان في أول رحلة خارجية له منذ بداية جائحة كورونا مطلع عام 2020. جين بينغ أعلن دعمه لسيادة كازاخستان قبيل لقاءه مع بوتين في قمة دول منظمة شنغهاي للتعاون بمدينة سمرقند في أوزبكستان. تقوم الصين بربط المنطقة عسكرياً وأمنياً عبر انشاء قواعد عسكرية في قيرغيزستان وطاجيكستان و بالتسلل الامني تحت غطاء الشركات الأمنية بزعم حماية العمال والاستثمارات الصينية في تلك الدول. النشاط الصيني ليس الوحيد، فالمنطقة شهدت زيادة في زيارات المسؤولين الامريكيين الى المنطقة والتي كان أخرها جولة وزير الخارجية بلينكن الى عدد من دول اسيا الوسطى.

بينما يستمر نفوذ روسيا الجيوساسي والاقتصادي في محيطها بالتأكل متأثراً بفشل حربها على اوكرانيا في تحقيق نتائج استراتيجية واضحة، يتصاعد وقلق جيرانها من سياستها التوسعية ومن العواقب والتكاليف للتحالف مع روسيا نتيجة عزلتها وحزم العقوبات الاقتصادية الغربية، كل ذلك يلقي بظلال ثقيلة من الشك على مستقبل الاتحاد الاقتصادي الاوراسي كمبادرة مؤسسية ونموذج تنموي، خاصة أن لدى روسيا القليل جداً لتقدمه للدول الاعضاء في الاتحاد، وهذا بدوره سيدفع الدول الاعضاء في الاتحاد الاوراسي مثل كازاخستان وقيرقيزستان الى تنويع علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية بحثاً عن فرص تنموية أفضل، وهكذا تنويع سيصاحبه تنويع في العلاقات الامنية والعسكرية، مما سيؤدي الى إفراغ الاتحاد الاوراسي من المعنى والجدوى، مما سيضعف الهيمنة الروسية في المنطقة، ويصبح من غير الواقعي توقع دور او توسع مستقبلي للاتحاد الاقتصادي الاوراسي.

*نشرت بالتنسيق مع الكاتب

Залишити відповідь

Ваша e-mail адреса не оприлюднюватиметься. Обов’язкові поля позначені *