ادعاءات روسيا بالسيطرة الكاملة على “كوستيانتينوفكا” و29 بلدة أوكرانية في يونيو 2026..
بين الرواية الرسمية والواقع الميداني المعقد

وحدة الدراسات العسكرية – مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية
4\7\2026
في خضم الغزو الروسي لأوكرانيا الذي دخل عامه الخامس منذ 4 اشهر، أطلقت القيادة الروسية في نهاية يونيو وبداية يوليو 2026 موجة من التصريحات المتفائلة التي تصف تقدماً ميدانياً حاسماً. شمل ذلك إعلان السيطرة شبه الكاملة أو الكاملة على مدينة “كوستيانتينوفكا” الاستراتيجية في اقليم دونيتسك، إلى جانب السيطرة على 29 بلدة أو منطقة سكنية أوكرانية خلال شهر يونيو، مع مساحة تقدر بنحو 636 كيلومتر مربع. هذه الادعاءات جاءت على لسان الرئيس فلاديمير بوتين، ورئيس هيئة الأركان الجنرال فاليري غيراسيموف، وتقارير وزارة الدفاع.
تأتي هذه التصريحات ضمن نمط متكرر من الدعاية العسكرية الذي يهدف إلى تعزيز الرواية الداخلية حول “الانتصارات المتتالية”، وإيصال رسائل إلى الغرب بأن الزخم الروسي لا يزال قوياً رغم التحديات اللوجستية والاقتصادية. ومع ذلك، تكشف التقييمات المستقلة من معهد دراسة الحرب (ISW) ومصادر أوكرانية مثل DeepState التي تنشر خرائط تفصيلية لمناطق سيطرة و تقدم القوات الروسية و الأوكرانية بشكل يومي، وتقارير إعلامية دولية موثوقة، عن تباين كبير بين هذه الصورة والواقع الميداني، الذي يتسم بالتقدم البطيء والمكلف والمحدود في نطاقه.
تمثل بلدة “كوستيانتينوفكا” عقدة مرورية ولوجستية حيوية ضمن “حزام الحصون” الأوكراني في اقليم دونيتسك، الذي يربط بلدات سلافيانسك وكراماتورسك ودروجكيفكا. ركزت القوات الروسية جهودها هناك منذ أكتوبر 2025 عبر تكتيكات التسلل بمجموعات صغيرة، مدعومة بغطاء مدفعي وجوي مكثف، ثم تصاعدت هذه العمليات بشكل ملحوظ خلال أشهر الربيع الماضية، وتصاعدت في شهر يونيو، في محاولة لاستنزاف الدفاعات الأوكرانية وتحقيق سيطرة تدريجية على أحياء المدينة. ومع ذلك، أسفرت هذه التكتيكات عن خسائر بشرية مرتفعة للجانب الروسي، حيث تشير التقارير المستقلة والمصادر العسكرية إلى أن القوات الروسية تتكبد عشرات الخسائر البشرية يومياً في محور “كوستيانتينوفكا” – سواء قتلى أو جرحى – نتيجة للمعارك الضارية داخل المناطق الحضرية والتسلل تحت نيران المدفعية والطائرات بدون طيار الأوكرانية. في المقابل، فإن الخسائر الأوكرانية أقل بكثير نسبياً، بفضل الدفاع المرن والاستفادة من التحصينات والضربات المضادة، مما يعكس التكلفة الباهظة لهذا التقدم البطيء والمكلف للجانب الروسي، والذي يستهلك موارد بشرية وعتادية كبيرة دون تحقيق اختراق عملياتي حاسم حتى الآن. وفي 3 يوليو، أعلن بوتين السيطرة الكاملة عليها، مشيداً بها كخطوة استراتيجية كبرى، بعد ادعاءات سابقة بالسيطرة على 96% منها.
بين روسيا وأوكرانيا.. موازين التفاوض تحت ضغط التصعيد الميداني
لكن التقييمات المستقلة ترسم صورة مغايرة تماما. يحدد ISW الوجود الروسي بنحو 37% فقط من المدينة، غالباً مجموعات متسللة متداخلة مع مواقع أوكرانية دون سيطرة مستقرة. اما DeepState فقد أقرت بنجاحات روسية جزئية في النصف الثاني من يونيو، لكنها أكدت استمرار القتال دون سقوط كامل المدينة. الطابع الاستنزافي واضح: خسائر روسية يومية مرتفعة، مقابل قدرة أوكرانية على التصدي.
أما الادعاء الروسي الأوسع لشهر يونيو فيتحدث عن السيطرة على 29 منطقة سكنية و636 كيلومتر مربع، في محاولة لتصوير تقدم واسع النطاق عبر محاور متعددة مثل كوبيانسك وفولشانسك وبوكروفسك وزابوريجيا. غير أن التقييمات المستقلة تكشف عن واقع مغاير تماماً. تقدر مؤسسة دراسة الحرب (ISW) المكاسب الحقيقية التي حققتها القوات الروسية – سواء سيطرة كاملة أو تسلل محدود – بنحو 30.42 كيلومتر مربع فقط خلال الشهر بأكمله، بمعدل يومي منخفض جداً يبلغ حوالي 1.01 كيلومتر مربع. أما مجموعة DeepState الأوكرانية، فتشير إلى مكاسب صافية محدودة، غالباً في قرى صغيرة أو أطراف بلدات، دون سيطرة كاملة أو مستقرة على معظم هذه المناطق.
هذا التباين الكبير بين الادعاءات الرسمية والأرقام الميدانية الموثقة يعكس تباطؤاً ملحوظاً في وتيرة التقدم الروسي مقارنة بعام 2025، حيث كانت المكاسب أكبر بكثير في الفترات المماثلة. ويأتي هذا التباطؤ نتيجة نجاح أوكرانيا في إبطاء الزخم الروسي من خلال الدفاع المرن، والضربات الليلية الفعالة على خطوط الإمداد، والاستنزاف المستمر للقوات المهاجمة. يعتمد النمط الروسي التقليدي على تضخيم التكتيكيات الصغيرة وتحويل أي تقدم محدود أو تسلل مؤقت إلى “انتصارات” كبرى، مع الاستعانة أحياناً بلقطات مصورة معدلة أو مبالغ فيها لتعزيز السردية الإعلامية.
هذا التناقض ليس جديداً، بل يندرج ضمن استراتيجية دعائية أوسع تهدف إلى الحفاظ على الروح المعنوية داخلياً وإرسال إشارات للخارج بأن العملية العسكرية تسير وفق الخطط، رغم الواقع الميداني الذي يشهد حرب استنزاف بطيئة ومكلفة.
استراتيجية التآكل الوجودي: الفشل العسكري والارتباك البنيوي في الدولة الروسية ومنعطف 2026
يلعب دور الضربات الأوكرانية الليلية دوراً حاسماً في تشكيل هذا الواقع. كثفت كييف عملياتها الليلية ضد منشآت الطاقة والدعم اللوجستي الروسية في يونيو، مما أدى إلى تعطيل نحو 42% من قدرة تكرير النفط، وتدمير عشرات الخزانات وإلحاق أضرار بالجسور والمحطات. أثرت هذه الضربات مباشرة على نقل الوقود والذخائر إلى الجبهة، مما تسبب في نقص إمدادات وصعوبات لوجستية للقوات الروسية. كما أُجبرت موسكو على إعادة توزيع منظومات الدفاع الجوي، وأحدثت اضطرابات اقتصادية داخل روسيا، بما في ذلك نقص الوقود الذي اعترف به بوتين. ساهمت هذه العمليات في إبطاء التقدم الروسي حول “كوستيانتينوفكا” وغيرها من المحاور، محولة الحرب إلى استنزاف نشط يقلل من قدرة روسيا على الهجوم المستمر.
في الأبعاد الاستراتيجية الأوسع، تواجه روسيا تحديات متراكمة ومتشابكة تعيق قدرتها على تحقيق تقدم حاسم. يأتي في مقدمتها تباطؤ واضح في وتيرة التقدم الميداني مقارنة بالفترات السابقة، إلى جانب الخسائر البشرية الكبيرة التي تتكبدها قواتها يومياً في المحاور الرئيسية، وتأثير الضربات الأوكرانية المتكررة على خطوط اللوجستيات والإمدادات، مما يؤدي إلى نقص في الوقود والذخائر ويبطئ من قدرة الوحدات على المناورة. داخلياً، تعتمد موسكو على هذه الادعاءات لتعزيز الدعم الشعبي والحفاظ على الروح المعنوية للجيش والمجتمع، وتصوير العملية العسكرية على أنها تسير نحو النصر. أما على المستوى الخارجي، فتسعى هذه التصريحات إلى إضعاف الثقة الغربية في قدرة أوكرانيا على الصمود، وخلق انطباع بأن الزخم الروسي لا يمكن إيقافه، بغية دفع الأطراف الدولية نحو مفاوضات تتماشى مع الشروط الروسية.
كييف تسيطر على عمق روسيا وتعلن حرب تدمير اللوجستيات الاستراتيجية
في المقابل، نجحت أوكرانيا في تنفيذ عمليات مضادة فعالة واستنزاف مستمر للقوات الروسية، مع الحفاظ على دفاع مرن وقادر على التكيف، مدعوماً بالضربات العميقة التي تستهدف نقاط الضعف في العمق الروسي. هذا التباين يعكس قدرة كييف على تحويل الضغط إلى فرصة للاستنزاف طويل الأمد، مما يجعل أي تقدم روسي مكلفاً وغير مستدام على المدى المتوسط.
في الخلاصة، تبقى ادعاءات موسكو بالسيطرة الكاملة على “كوستيانتينوفكا” وعلى 29 بلدة أوكرانية خلال يونيو 2026 جزءاً أساسياً من حرب المعلومات الموازية للعمليات العسكرية. صحيح أن القوات الروسية حققت تقدماً تكتيكياً محدوداً ومكلفاً في بعض المحاور، خاصة منذ أكتوبر 2025 مع تصعيد في يونيو، لكن فكرة السيطرة الشاملة أو المكاسب الواسعة تبقى مبالغاً فيها بعيداً عن الواقع الميداني.
تعتمد ديناميكية الحرب أساساً على حرب استنزاف طويلة الأمد، حيث تلعب الضربات الأوكرانية، خاصة ضد مصافي النفط واللوجستيات، دوراً مؤثراً في تقييد القدرات الروسية وإبطاء تقدمها. تواجه روسيا تحديات متراكمة من تباطؤ التقدم والخسائر البشرية الكبيرة، بينما نجحت أوكرانيا في الدفاع المرن والاستنزاف الفعال.

