الانتخابات الأوكرانية بين الحرب والديمقراطية
مقترحات فيدوروف، تحديات الأحكام العرفية، وأزمة الشرعية الانتخابية

مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية
لم تكن دعوة وزير الدفاع الأوكراني السابق، ميخائيل فيدوروف، إلى وضع آلية لإجراء الانتخابات في أوكرانيا، والتي أطلقها في 18 أغسطس/آب 2026 بعد أسابيع من إقالته، مجرد تصريح سياسي عابر لمسؤول خرج من السلطة. فقد شكّلت هذه الدعوة نقطة تحوّل كشفت عن صراع مؤسساتي أعمق حول طبيعة الشرعية السياسية في زمن الحرب، وأعادت إلى الواجهة سؤالاً كان مؤجلاً منذ بداية الغزو الروسي الشامل: كيف تحافظ دولة تخوض حرباً وجودية على جوهرها الديمقراطي من دون أن يتحول الاستثناء الأمني إلى صيغة دائمة تعفي السلطة من التجديد الشعبي؟
وتكمن حساسية الدعوة في أنها صدرت من شخصية كانت جزءاً من بنية السلطة نفسها لا من معارض خارجي؛ فقد شغل فيدوروف منصب نائب رئيس الوزراء ووزير التحول الرقمي منذ أغسطس/آب 2019، ليصبح حينها أصغر وزير في تاريخ الحكم الأوكراني، وقاد خلال هذه الفترة إنشاء منصة «ديا» الحكومية الرقمية التي حوّلت مجمل الخدمات العامة إلى نظام إلكتروني موحد، كما أشرف بعد الغزو الروسي الشامل على تأسيس «جيش تكنولوجيا المعلومات» التطوعي ومبادرة «جيش المسيّرات» لتوريد الطائرات المسيّرة وصيانتها وتدريب مشغّليها، وأطلق منبر «Brave1» الذي يربط وزارته بوزارة الدفاع لتطوير التقنيات العسكرية، وهو المنبر الذي بات جزءاً من المنظومة الاستثمارية الدفاعية القائمة اليوم. وفي 14 يناير/كانون الثاني 2026، صوّت البرلمان بالإجماع (277 صوتاً من دون معارضة) على تعيينه وزيراً للدفاع خلفاً لدينيس شميهال، ليصبح بذلك أصغر من تولى هذا المنصب ورابع وزير دفاع منذ بدء الغزو الروسي الشامل، متعهداً بإجراء «تدقيق شامل» في الوزارة والجيش وبإصلاح المؤسسة العسكرية ومكافحة الفساد فيها؛ وقد منح هذا المسار الجامع بين الإنجاز التقني والخبرة الحكومية والدخول المتأخر إلى الملف العسكري خطابه اللاحق دلالة تتجاوز مسألة عودته إلى الوزارة، وحوّله إلى اختبار لقدرة النظام الأوكراني على إدارة الخلافات الداخلية في أشد ظروفها حساسية.
بدأت الأزمة بإقالة فيدوروف من وزارة الدفاع في بداية يوليو/تموز 2026 ضمن إعادة تشكيل حكومي ربطتها تقارير أوكرانية بخلافات حول إدارة المشتريات العسكرية وحدود الصلاحيات بين الوزير والقيادة العسكرية ومكتب الرئاسة. ولم يكن توقيت الإقالة عادياً؛ فقد جاء في ظل مشهد ميداني لم يشهد تحولاً استراتيجياً حاسماً لكنه بقي نشطاً ومفتوحاً على احتمالات التصعيد: امتدت الجبهة على نحو 1200 كيلومتر، وحقق الهجوم الروسي الصيفي تقدماً بطيئاً حول محوري بوكروفسك-دوبروبيليا وسلوفيانسك من دون اختراق عملياتي حاسم، بينما أعلنت كييف استعادة نحو 745 كيلومتراً مربعاً و26 تجمعاً سكنياً في عملية مضادة محدودة خلال العام نفسه. وقد أدى هذا التوازن الميداني الهش إلى معادلة مزدوجة: فغياب الانهيار الروسي الكبير يخفف حجة الانهيار الوشيك التي قد تُستخدم لتبرير تجميد الحياة السياسية بالكامل، لكنه لا يعني أن البيئة أصبحت مستقرة بما يكفي لتنظيم حملة انتخابية وطنية آمنة، إذ يكفي أن تبقى مناطق واسعة معرضة للهجوم وأن تكون خطوط الإمداد والبنية التحتية المدنية تحت التهديد المباشر، خصوصاً مع استمرار الضربات الروسية على الموانئ وشبكتي الطاقة والاتصالات والمخازن الغذائية، وحملة أوكرانيا الموازية لضرب العمق الروسي.
أعقبت الإقالة احتجاجات متكررة في كييف ومدن أخرى، شارك فيها محاربون قدامى وناشطون رفعوا مطالب محددة اقتصرت على إعادة فيدوروف إلى منصبه أو تقديم تفسير واضح لأسباب إقالته، من دون أن تتضمن هذه المطالب أي دعوة إلى الانتخابات. وفي مسار منفصل عن خطاب الاحتجاجات نفسه ومطالبها المعلنة، تطور خطاب فيدوروف الشخصي، مع تثبيت تعيين وزير الدفاع الجديد يفغيني خمارة، من الدفاع عن سجله الإداري إلى نقد سياسي أوسع تُوّج بخطاب 18 أغسطس الذي وصف الوضع بأنه «أزمة حوكمة» ودعا إلى آلية قانونية وآمنة لإجراء الانتخابات أو التحضير لها؛ وهو تحول صدر عن فيدوروف بصفته الشخصية لا عن الحركة الاحتجاجية أو مطالبها الأصلية. وقد تزامن هذا الخطاب تحديداً مع إعلان هيئات مكافحة الفساد الأوكرانية كشف شبكة يُشتبه في أنها غسلت نحو 150 مليون هريفنيا (نحو 3.35 مليون دولار) في قضية فساد بقطاع الطاقة، مع ورود اسم مسؤول من مكتب الرئاسة في الملف من دون حكم قضائي نهائي؛ ولا يثبت هذا التزامن علاقة سببية بين الحدثين، لكنه وسّع النقاش من إقالة وزير إلى علاقة الرئاسة بالهيئات الرقابية، وجعل ملف مكافحة الفساد جزءاً لا يتجزأ من الصراع الأوسع على الشرعية. وقد أوضح فريق فيدوروف لاحقاً أن المقصود ليس اقتراعاً فورياً بل إعداد الآليات ومحاكاة عملية التصويت بالتنسيق مع اللجنة المركزية للانتخابات والمحكمة الدستورية والبرلمان، غير أن الرئيس زيلينسكي رفض في 23 أغسطس إجراء انتخابات في الظروف الحالية محذراً من أن الاقتراع الفوري قد يقسّم البلاد، لينتقل الخلاف إلى صيغة أكثر تحديداً: فتح المسار الانتخابي والتحضير له مقابل التأجيل إلى حين توافر شروط أمنية وقانونية مناسبة.
وتكشف التطورات اللاحقة عن فارق جوهري بين القدرة على جذب الاحتجاج والقدرة على قيادة مشروع سياسي متكامل؛ إذ رفض عدد من منظمي الاحتجاجات الأصليين أنفسهم الانتقال إلى تبني مطلب الانتخابات أثناء الحرب، واعتبروا أن هذه الدعوة تجاوزت الأهداف التي قامت الحركة من أجلها أصلاً، كما تراجع زخم الاحتجاجات بعد تثبيت الوزير الجديد، وهو ما يوحي بأن التعاطف الشعبي مع فيدوروف لم يتحول تلقائياً إلى حركة انتخابية منظمة ذات هدف موحد. فالدعم الشعبي لفيدوروف لا يساوي بالضرورة تأييده السياسي أو الموافقة على توقيت الانتخابات؛ إذ أظهر استطلاع منفصل أن 62.5% من الأوكرانيين ينظرون بصورة سلبية إلى قرار إقالته وأن 57.6% أيدوا الاحتجاجات ضد إبعاده، من دون أن يعني ذلك تأييداً لانتخابات أثناء الحرب. وتنظر مؤسسة الرئاسة إلى الانتخابات باعتبارها قراراً يتصل بأمن الدولة ووحدة القيادة لا مجرد استحقاق دستوري، وتستند إلى حجة قانونية (الحظر أثناء الأحكام العرفية) وأخرى أمنية (خطر التقسيم والاستغلال الروسي)، بينما تنقسم القيادة العسكرية والبرلمان والمجتمع المدني والمحاربون القدامى أنفسهم بين من يرى ضرورة التحضير المبكر ومن يخشى تسييس الجيش أو استثمار الأزمة سياسياً.
إعادة هيكلة الدبلوماسية والحوكمة الأوكرانية في ظل الحرب وتغير المشهد الجيوسياسي
ولا تقتصر الانقسامات على مواقف الرئاسة وفيدوروف فحسب، بل تمتد إلى مؤسسات الدولة والمجتمع كافة؛ فالبرلمان نفسه لا يتحدث بصوت واحد، إذ يرى بعض النواب أن الاقتراع في ظل القصف غير واقعي لكنهم يؤيدون البدء في إعداد التشريعات وتحديث سجل الناخبين، بينما يخشى آخرون أن يؤدي التأجيل من دون جدول واضح إلى تعميق أزمة الشرعية. كما لا يتبنى المجتمع المدني ولا المحاربون القدامى أنفسهم موقفاً موحداً؛ فبعضهم يدعم فيدوروف تقديراً لخبرته أو اعتراضاً على طريقة إقالته، بينما يخشى آخرون أن يؤدي تحويل الاحتجاجات إلى حملة انتخابية وإلى تسييس تضحيات الجيش. وعلى المستوى الدولي، يحتاج الحلفاء الغربيون إلى شريك أوكراني مستقر قادر على إدارة الحرب والتفاوض، لكنهم في الوقت نفسه يطالبون بمؤسسات أكثر شفافية وقضاء مستقل، ما يضعهم أمام معادلة حساسة بين دعم التحضير للانتخابات ومنع أي انطباع بأنهم يختارون مرشحاً بعينه أو يفرضون موعداً على المجتمع الأوكراني؛ ولذلك يبقى النهج الأكثر فاعلية هو تقديم دعم تقني وأمني مرتبط بمعايير الشفافية لا بأسماء سياسية بعينها.
من الناحية القانونية الصرفة، يحظر “قانون النظام القانوني للأحكام العرفية” في مادته 19 صراحة إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية والاستفتاءات أثناء سريانه، ولم تُطرح حتى الآن أي تعديلات رسمية معتمدة على هذه المادة. غير أن هذا الحظر لا يعني تعليق الدستور؛ فالمادة 108 تضمن استمرار الرئيس في ممارسة صلاحياته حتى يتولى الرئيس المنتخب الجديد منصبه، والمادة 83 تكفل الاستمرار نفسه للبرلمان حتى انعقاد أول اجتماع لمجلس جديد بعد رفع الأحكام العرفية، وكلاهما آلية لمنع فراغ السلطة لا تمديداً انتخابياً بالمعنى التقليدي. يحمل هذا التمييز فارقاً بنيوياً مهماً بين المؤسستين: فالانتخابات الرئاسية والمحلية تخضع أساساً لحظر قانوني مصدره قانون الأحكام العرفية، وهو حظر يمكن نظرياً تعديله بأغلبية تشريعية عادية، بينما تحظى استمرارية البرلمان بحماية دستورية أوضح تجعل حل المجلس قبل انقضاء الحالة الاستثنائية مسألة تتجاوز حدود التشريع العادي إلى التفسير الدستوري ذاته. ثمة سيناريو إضافي مهم يجب معالجته أيضا: فرضية عجز الرئيس المفاجئ أو استقالته أو وفاته، إذ تنص المادة 112 على أن رئيس البرلمان يتولى مهام الرئاسة حصراً في هذه الحالات الأربع لا في حالة انتهاء المدة العادية، مع قيود صارمة على صلاحياته المؤقتة تمنع حل البرلمان أو تعيين مسؤولين جدد.
وتزداد القيود صرامة كلما اتجه النقاش نحو تعديل الدستور ذاته، إذ يحظر الدستور الأوكراني، أو يقيد بشدة، إجراء تعديلات عليه أثناء الأحكام العرفية، بهدف منع استغلال الأزمة الأمنية لإعادة تصميم قواعد توزيع السلطة لمصلحة طرف بعينه. وقد تُحال إلى المحكمة الدستورية أسئلة تتعلق بحدود هذه الاستمرارية، وتكمن أهمية دور المحكمة الدستورية في التمييز بين تفسير النص القائم وتغييره، بحيث يبقى أي تفسير قضائي معلناً ومفصلاً ومستنداً إلى مبادئ عامة لا مستجيباً لمصلحة سياسية آنية.
وهكذا تتلخص القيود الدستورية والقانونية على اجراء انتخابات في أربعة مستويات مترابطة يصعب فصل أحدها عن الآخر: حظر إجراء الانتخابات الوطنية أثناء الأحكام العرفية، واستمرار الرئيس والبرلمان لمنع الفراغ الدستوري، والقيود المشددة على تعديل الدستور نفسه، وأخيراً صعوبة ضمان مشاركة متساوية وآمنة للعسكريين والنازحين واللاجئين وسكان المناطق المحتلة. وقد اقترحت اللجنة المركزية للانتخابات، في مشروع قانون كامل للانتخابات الأولى بعد الحرب، فترة تحضيرية لا تقل عن ستة أشهر بعد رفع الأحكام العرفية، على أن يتخذ البرلمان قراره بالدعوة إلى الانتخابات خلال شهر واحد من الرفع، مع بقاء مدة الحملة الانتخابية نفسها كما هي (90 يوماً للرئاسة و60 يوما للبرلمانية)؛ وتستند اللجنة في تحديد هذه المدة إلى حجم الناخبين النازحين، والأضرار الهيكلية في آلاف المدارس المستخدمة كمراكز اقتراع، وتعقيد تنظيم تصويت العسكريين، واستحالة إجراء انتخابات آمنة قبل استقرار خطوط التماس.
ولا تنفصل هذه المعادلة القانونية عن حق الفئات التي أفرزتها الحرب في المشاركة السياسية، تصويتاً وترشحاً معاً؛ فالمادة 38 من الدستور تكفل حق العسكريين في الترشح، وإن حظر قانون الأحزاب عليهم الانتساب الحزبي، بما يستدعي قواعد دقيقة لفصل الصفة العسكرية عن الصفة السياسية، خصوصاً في حال الترشح للرئاسة حيث قد يضطر المرشح إلى الاستقالة من القيادة العملياتية لمنع تضارب المصالح. ويحتاج النازحون داخلياً إلى تسهيل تغيير عنوانهم الانتخابي، فيما يواجه ترشحهم عائقاً من شرط الإقامة الذي لا يعترف دائماً بالنزوح القسري. أما المواطنون في الخارج، ويُقدَّر عددهم بنحو ثمانية ملايين شخص، فلا يتجاوز عدد مراكز الاقتراع المتاحة لهم 104 مراكز فقط، وهو فارق حسابي كبير يستدعي آليات بديلة تتجاوز الاعتماد على الشبكة القنصلية وحدها، فيما تشترط ترشح الرئاسة إقامة عشر سنوات سابقة داخل البلاد. وتبقى المعضلة الأصعب في المناطق المحتلة، حيث تعتبر أوكرانيا سكانها مواطنين كاملي الحقوق مع استبعاد أي تصويت فعلي داخلها لتعذر ضمان حرية الناخب، واعتبار المؤسسات الأوكرانية أي انتخابات تنظمها روسيا هناك باطلة وغير شرعية. وقد يؤدي أي خلل في أي من هذه الفئات مجتمعة إلى الطعن في شرعية الانتخابات داخلياً، بمخالفة مبدأ المساواة، وخارجياً، بمخالفة معايير الانتخابات الحرة والشاملة التي أكدت الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا استحالة تحققها أثناء الأحكام العرفية مع تشديدها على ضرورة دعم أوكرانيا في التحضير المبكر لمرحلة ما بعد الحرب.
وتؤكد المعايير الانتخابية الدولية أن الشمول الحقيقي يجب أن يبدأ قبل يوم الاقتراع بوقت طويل لا أن يقتصر على الاعتراف الشكلي بالحقوق على الورق؛ فإدراج اسم الناخب في السجل، وإتاحة التسجيل من خارج البلاد، وقبول ترشح المتضررين من النزوح القسري، وتوفير المعلومات الانتخابية بلغات ووسائل مناسبة لجميع الفئات، كلها أجزاء لا تتجزأ من الحق الانتخابي بمعناه الكامل. وتحتاج أوكرانيا أيضاً إلى فحص أهلية جميع المرشحين، عسكريين ومدنيين على حد سواء، في ضوء خطر التعاون مع الدولة المعتدية، عبر إقرارات صريحة بشأن عدم المشاركة في العدوان أو تلقي تمويل من دولة أجنبية أو جهات مرتبطة بها، على أن تستند هذه القواعد الوقائية إلى أدلة موثقة وتخضع لقرار قضائي قابل للطعن حتى لا تتحول إلى أداة لإقصاء المنافسين السياسيين بصورة تعسفية. وإذا تأخرت الدولة في معالجة هذه المسائل مجتمعة حتى بدء الحملة الانتخابية الفعلية، فقد لا يكون الوقت المتبقي كافياً لتصحيح أي خلل بنيوي تراكم فيها، ما يجعل الإعداد المبكر لهذه الآليات شرطاً سابقاً حقيقياً على تحديد أي موعد للاقتراع لا إجراءً ثانوياً يمكن إرجاؤه.
وتقدّم استطلاعات الرأي صورة أكثر دقة من أي تصريح سياسي منفرد لموقف الجمهور من هذه المعادلة. فقد تراجعت الثقة بزيلينسكي من 58% في أبريل/نيسان إلى 55% في أغسطس/آب بحسب مؤسسة كييف الدولية لعلم الاجتماع (KIIS)، وهو تراجع محدود لا انهيار حاد. وحين سألت المؤسسة نفسها عن توقيت الانتخابات وفق ثلاثة سيناريوهات متدرجة بدلاً من سؤال ثنائي، تبين أن 15% فقط يؤيدون الانتخابات قبل توقف القتال، و23% بعد وقف إطلاق النار وقبل اتفاق سلام نهائي، بينما يرى 57% أنها يجب ألا تُجرى إلا بعد اتفاق سلام كامل؛ وقد تراجعت هذه النسبة الأخيرة من 69% في مارس/آذار، ما يوحي بتحرك تدريجي في الرأي العام نحو قبول أوسع للاقتراع بعد وقف إطلاق النار من دون أن يعني قبولاً بانتخابات فورية.
ويكشف استطلاع مواز أجرته مؤسسة KIIS حول الاستعداد لتقديم تنازلات إقليمية مقابل السلام – وهي مسألة قريبة الصلة لا قياس مباشر لتوقيت الانتخابات – نتائج واضحة: عارض 42% من المستطلعين في شرق أوكرانيا أي تنازل إقليمي مطلقاً، مقابل 50-51% في مناطق الغرب والوسط والجنوب؛ أي أن سكان الشرق، الأقرب إلى خطوط القتال والاحتلال، كانوا أقل تشدداً بقليل لا أكثر كما قد يُفترض بداهة. ويكشف هذا التقارب اللافت بين المناطق أن الانقسام الجغرافي التقليدي الذي ميّز السياسة الأوكرانية قبل الغزو الشامل (غرب أوروبي التوجه وشرق أقرب تاريخياً إلى روسيا) قد لا ينطبق بالحدة نفسها اليوم، إذ يبدو أن التجربة المباشرة مع الاحتلال أنتجت واقعية سياسية في الشرق لا تشدداً أعمق كما كان متوقعاً.
أما على صعيد التفضيل الانتخابي، فقد تصدر زيلينسكي استطلاع «Rating» بنسبة 25.2% في أوائل أغسطس مقابل 16.7% لزالوجني و12.5% لفيدوروف، بعد أن كانت النسب في يوليو 22.3% و14.9% و13.4% على التوالي. وهذا مقياس مختلف عن مقياس الثقة الشخصية بالشخصيات السياسية: فقد تراوحت التقديرات الأولية لثقة الجمهور بفيدوروف بعد إقالته، بحسب استطلاعات متفرقة مبكرة، بين 58% و63%، قبل أن يحدد استطلاع لاحق مخصص لمؤشر الثقة هذه النسبة بدقة عند 63% لفيدوروف مقابل 66% لزالوجني، متجاوزين بذلك زيلينسكي في مقياس الثقة الشخصية تحديداً، وإن ظل الأخير متقدماً عليهما في مقياس التفضيل الانتخابي للجولة الأولى.
وفي محاكاة افتراضية لجولة ثانية، تفوق فيدوروف على زيلينسكي بنسبة 63.8% مقابل 36.2% بين من حسموا خيارهم، لكن هذه النتيجة تفترض ترشحاً رسمياً وحملة وتحالفات لم تتشكل بعد، ولا تمثل توقعاً انتخابياً نهائياً. ويكمن أهم تحول في خطاب فيدوروف في الانتقال من مطلب انتخابي مباشر إلى الدعوة للتحضير، وهو مسار وسط لا يجبر الحكومة على انتخابات أثناء القتال لكنه يمنعها من الظهور رافضة أي نقاش تحضيري، ويلزم فيدوروف في المقابل بتحويل خطابه إلى برنامج قابل للتدقيق.
ولا يمكن فصل هذه المعادلة السياسية عن سياقها الدولي؛ فقد سبقت الضغوط الأمريكية دعوة فيدوروف بأشهر طويلة حين وصف الرئيس دونالد ترامب زيلينسكي في فبراير/شباط 2025 بأنه «ديكتاتور بلا انتخابات»، وربط المبعوث الأمريكي كيث كيلوغ الانتخابات بمسار وقف إطلاق النار، من دون أن تحل هذه الضغوط السياسية محل الدستور والقانون الأوكرانيين أو تمنح أي طرف خارجي حق تحديد موعد الاقتراع أو شروطه. وقد تحمل هذه الدعوات دوافع وضغوطات تفاوضية، لكن ربط موعد الانتخابات باتفاق تسوية شامل ينطوي على مخاطرة إضافية: فقد تُجرى الانتخابات تحت تأثير صدمة نفسية جماعية وحاجة ملحّة للأمان، فتتحول الحملة إلى استفتاء على الحرب لا منافسة حول كفاءة إدارة الدولة، ما يستدعي فترة تحضيرية كافية بعد أي وقف لإطلاق النار لا جدولاً يُملى بمنطق التفاوض الخارجي وحده. وقد قوبلت هذه الضغوط برفض صريح من أبرز قادة المعارضة الأوكرانية أنفسهم؛ ففي مارس 2025، بعد أن كشفت تقارير صحفية عن لقاءات سرية جمعت مقربين من فريق ترامب بكل من يوليا تيموشينكو وبترو بوروشينكو لبحث احتمال انتخابات مبكرة، أكد الطرفان تواصلهما مع المسؤولين الأمريكيين لكنهما رفضا معاً فكرة الانتخابات أثناء الحرب؛ إذ صرّح بوروشينكو بأن «فريقنا كان ولا يزال يعارض بشكل قاطع إجراء انتخابات أثناء الحرب»، وأنها لا تصبح ممكنة إلا بعد وقف إطلاق النار واتفاق سلام بضمانات أمنية، على أن تُجرى خلال 180 يوماً من رفع الأحكام العرفية، فيما أكدت تيموشينكو أنه لا مجال للحديث عن انتخابات قبل سلام عادل. ويحمل هذا الموقف دلالة مهمة: فحتى أبرز خصوم زيلينسكي، ممن قد يستفيدون نظرياً من انتخابات مبكرة، رأوا في الدعوة إليها أثناء الحرب مخاطرة تخدم الحسابات الروسية أكثر مما تخدم التداول الديمقراطي.
في المقابل، لا يقتصر الإطار الدولي على الضغط الأمريكي؛ ففي 15 يونيو/حزيران 2026 افتتحت بروكسل وكييف رسمياً التفاوض على عنقود «الأساسيات» في مسار الانضمام الأوروبي، الذي يغطي سيادة القانون ومكافحة الفساد وعمل المؤسسات الديمقراطية، ويُفتتح أولاً ويُغلق أخيراً في كامل مسار الانضمام، بما يمنح بروكسل رافعة ضغط مؤسسية دائمة مستقلة عن الرافعة الأمريكية المتغيرة.
وتقدم تجربتا جورجيا ومولدوفا الأخيرتين سياقاً ما بعد سوفيتياً أقرب بنيوياً إلى الحالة الأوكرانية من أي مقارنة أخرى؛ ففي جورجيا يتضح الدور التخريبي الروسي من خلفية الحزب الحاكم نفسه؛ فحزب «الحلم الجورجي»، الذي أسسه ويموّله الأوليغارك بيدزينا إيفانيشفيلي الذي جمع ثروته في روسيا خلال خصخصة التسعينيات، يُتهم بعلاقات وثيقة مع موسكو، وترجم ذلك بتبنّي قانون «التأثير الأجنبي» الذي يستنسخ تشريعاً روسياً لقمع المجتمع المدني، وبتباطؤ متعمد في فرض عقوبات على روسيا رغم غزوها أوكرانيا. ولم تنتهِ الأزمة عند رفض النتيجة والتجميد الأوروبي؛ فقد شهدت جورجيا منذ أكتوبر 2024 احتجاجات شبه يومية استمرت أكثر من عام، قوبلت بقمع متكرر (خراطيم مياه، غاز مسيل للدموع، اعتقالات جماعية)، بينما استغل الحزب الحاكم اضطرابات مرافقة لانتخابات محلية في أكتوبر 2025 ذريعةً لطلب حظر ثلاثة أحزاب معارضة رئيسية من المحكمة الدستورية، في مسار وصفته الرئيسة زورابيشفيلي بمحاولة روسية لتركيع بلادها بالكامل.
ويتكرر الدور التخريبي الروسي في الحالة المولدوفية بالقدر نفسه من الوضوح من خلال شخصية منظّم شبكة شراء الأصوات نفسه؛ فإيلان شور، الأوليغارك الفارّ من مولدوفا والمقيم في روسيا، كان قد أُدين غيابياً بتنظيم سرقة نحو مليار دولار من المصارف المولدوفية عام 2014 فيما عُرف بـ«فضيحة سرقة القرن»، وشغل قبل إدانته منصب عمدة مدينة أورهي عام 2015، ثم مقعداً في البرلمان عامي 2019 و2021، قبل أن يُحظر حزبه من خوض الانتخابات عام 2023 عقب تأكيد إدانته استئنافياً؛ ولم يثنِه ذلك عن تأسيس كيان سياسي بديل يحمل اسم «فيكتوري» لمواصلة النشاط نفسه. وقد جرى تمويل شبكة شراء الأصوات تحديداً عبر نحو مليون تحويل مصرفي من البنك الروسي «Promsvyazbank» المشمول أصلاً بعقوبات دولية بسبب دعمه الحرب على أوكرانيا، وصلت إلى نحو 138 ألف مواطن مولدوفي، في عملية وصفها شور نفسه بصراحة لافتة عبر مقطع مصوّر نشره على تيليغرام عرض فيه دفع ما يعادل 28 دولاراً لكل من يسجل في حملته. ولم تقتصر أدوات موسكو على المال المباشر؛ فقد واصلت منظمة «إيفرازيا» التابعة لشور وشبكة تلفزيونية مرتبطة بها تُدعى «Moldova24» ترويج حملات إعلامية منسقة معادية للرئيسة ساندو عبر حسابات وهمية على منصات التواصل الاجتماعي امتدت إلى الانتخابات البرلمانية اللاحقة في سبتمبر 2025، حين اتهمت ساندو روسيا مجدداً بتمويل «مجموعات إجرامية» بنحو 5 ملايين دولار إضافية، فيما استُبعد حزب «تشانس» المرتبط بشور من الاقتراع لأسباب أمنية، ما يوضح أن التدخل الروسي لم يكن حادثة انتخابية واحدة بل حملة ممتدة عبر دورات انتخابية متعاقبة. وقد فاز استفتاء الانضمام الأوروبي في مولدوفا بفارق ضئيل للغاية (50.38% مقابل 49.62%)، ترجّحت كفته تحديداً بفضل تصويت الجالية المولدوفية الكبيرة في الخارج، وهو ما يعزز مباشرة أهمية حماية التصويت الخارجي من الاستهداف الذي أشار إليه هذا التقرير سابقاً، بينما تصدّرت ساندو الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية بنسبة 42% أمام مرشح موصوف بأنه «موالٍ لروسيا» حصل على 26%، قبل أن تحسم الجولة الثانية لمصلحتها بنحو 55%.
وإذا كانت أدوات موسكو المباشرة في جورجيا ومولدوفا تمثلت في تمويل شبكات شراء الأصوات والتصويت المزدوج بهدف حسم نتيجة انتخابية بعينها لمصلحة طرف موالٍ لها أو غير معادٍ لها على الأقل، فإن أداتها في الحالة الأوكرانية مختلفة بالضرورة، لأن لا انتخابات مقررة بعد يمكن التأثير في نتيجتها مباشرة؛ ولذلك يتحول الهدف الروسي من حسم نتيجة اقتراع إلى إبقاء السؤال نفسه – هل تُجرى الانتخابات أم لا، ومتى، وبأي شرعية – مادة خلافية دائمة تُستنزف بها الثقة الغربية بالقيادة الأوكرانية وتُغذى بها الانقسامات الداخلية، بصرف النظر عن أي قرار فعلي يُتخذ بشأنها. وتستند موسكو في ذلك إلى بنية تحتية إعلامية مجرَّبة سبق توظيفها في الحالتين الجورجية والمولدوفية تحديداً، من مواقع إخبارية تعمل مضخمات لمحتوى موالٍ للكرملين موجَّه بلغة الجمهور المحلي، وشبكات حسابات منسقة على منصات التواصل الاجتماعي تُكرر الرسالة نفسها بأشكال متعددة تبدو عفوية؛ وهي البنية ذاتها التي يُحتمل أن تُعاد توظيفها في أي مسار انتخابي أوكراني مقبل، ما يجعل الاستعداد الإعلامي المبكر، لا الرد اللاحق فقط، جزءاً ضرورياً من أي استراتيجية أوكرانية لحماية شرعية الانتخابات المقبلة من التدخل الخارجي.
وتتجسد استراتيجية إبقاء السؤال مفتوحاً هذه بوضوح عبر خط رسائل متسق ومتكرر انطلق من بوتين نفسه؛ فقد صرّح في يناير/كانون الثاني 2025 بأن زيلينسكي «بسبب عدم شرعيته، لا يملك الحق في توقيع أي شيء»، رافضاً التفاوض المباشر معه ومقترحاً «تفويض أشخاص للمشاركة» بدلاً من لقاء وجهاً لوجه، وكرر الناطق باسمه ديمتري بيسكوف الموقف نفسه في مناسبات لاحقة، واصفاً في فبراير 2025 «الجوانب القانونية المرتبطة بشرعية» زيلينسكي بأنها «موضع شك جدي»، قبل أن يعلّق مباشرة على دعوة فيدوروف نفسها في يوليو 2026 معتبراً أن «الساحة شبه السياسية» في كييف «غير متجانسة» وأن البعض يحاول «الصيد في الماء العكر» متذرعاً بالديمقراطية. وترتكز هذه الرسائل على حجة واحدة يكررها المسؤولون الروس جميعاً: أن ولاية زيلينسكي انتهت في مايو 2024 وأن انتخابات مارس من العام نفسه لم تُجرَ، متجاهلين عمداً أن القانون الأوكراني يحظرها أثناء الأحكام العرفية وأن خبراء القانون الدستوري يُجمعون على مشروعية استمراره. وتخدم هذه الحملة أهدافاً استراتيجية محددة: بث الشك بشأن من يمثل أوكرانيا فعلياً لدى الرأي العام الغربي، وتوفير ذريعة لرفض التفاوض «مع طرف غير شرعي»، وتعزيز الرواية الداخلية الروسية التي تصور الحرب إزالة لنظام غير شرعي، وتعميق الانقسامات داخل الرأي العام الغربي؛ مع تناقض صارخ لاحظه محللون، إذ امتدت ولاية بوتين نفسه عبر استفتاء دستوري عام 2020 لم تعترف به الحكومات الغربية بوصفه حراً ونزيهاً. وقد وثّقت تقارير صحفية، عقب إقالة فيدوروف مباشرة، حملة من المقالات المفبركة والادعاءات الملفقة غذّت صورة أوكرانيا بلداً منقسماً وحكومته غير شرعية، فيما جرّب بوتين مساراً أكثر مراوغة في ديسمبر 2025 حين أعلن استعداد روسيا «للتفكير في توفير الأمن» أثناء أي انتخابات أوكرانية بل و«الامتناع عن الضربات العميقة»، محاولاً تصوير نفسه راعياً محتملاً للعملية لا خصماً لها، فرد عليه زيلينسكي بأن بوتين «يتحكم بالانتخابات في روسيا ويريد الآن التحكم بها في أوكرانيا».
وتستفيد روسيا من هذه القضية بغض النظر عن نتيجتها؛ فإذا جرت الانتخابات، يمكنها تصويرها دليلاً على الانقسام الداخلي أو نتيجة لضغط أمريكي مباشر، وإذا تأجلت، يمكنها اتهام كييف بالخوف من التجديد الشعبي وبالطابع غير الديمقراطي للحكم فيها، ما يجعل تفادي الاستغلال الإعلامي الروسي أمراً بالغ الصعوبة أياً كانت النتيجة النهائية. ولهذا تحتاج كييف إلى سياسة اتصال تقوم على السرعة والدقة والفصل بين الحقيقة والتفسير، تشرح الفرق بين التأجيل القانوني والتحضير الانتخابي وتنشر بصورة دورية ما تحقق من الشروط وما بقي منها، فيما يتعين على فيدوروف نفسه تجنب الغموض في خطابه عن «أزمة الحوكمة»، إذ كلما بقيت اتهاماته عامة من دون تحديد الوقائع والوثائق، اتسعت مساحة التأويل والاستغلال من جميع الأطراف. كما تحتاج المعارضة إلى إعلان التزامها الصريح بوحدة الدولة وسلامة الجبهة حتى لا تبدو الدعوة إلى الانتخابات محاولة لاستثمار الحرب في صراع شخصي على السلطة، لأن المعركة الإعلامية حول شرعية أي مسار انتخابي مقبل لا تقل أهمية عن المعركة القانونية والسياسية ذاتها.
بالإضافة الى ذلك تحمل الانتخابات المقبلة كلفة مالية حقيقية لا يمكن تجاهلها في ضوء حجم الموازنة الحربية الأوكرانية لعام 2026 نفسها، التي بلغت نحو 4.8 تريليون هريفنيا (113.8 مليار دولار)، خُصص للدفاع وحده نحو 60% منها، مع حاجة خارجية تقدر بنحو 49.3 مليار دولار. وقد دخلت أوكرانيا برنامجاً جديداً مع صندوق النقد الدولي بقيمة 8.1 مليار دولار، وتلقت أكثر من 9.7 مليار دولار من مبادرة عائدات الأصول الروسية المجمّدة، لكن فجوة التمويل الدفاعي لا تزال تقارب 19.6 مليار يورو، ما يعني أن أي كلفة إضافية للتحضير الانتخابي ستنافس فعلياً قطاعات الدفاع والإعمار والخدمات الاجتماعية على الموارد نفسها. ويرتبط هذا البعد المالي مباشرة بملف مكافحة الفساد؛ فقد أفاد المكتب الوطني لمكافحة الفساد ومكتب الادعاء الخاص باسترداد نحو 12.3 مليار هريفنيا حتى نهاية يونيو/حزيران 2026 وتحويل أكثر من 3.2 مليار هريفنيا من الأصول المصادرة إلى احتياجات الدفاع، بما يجعل استقلال هذه الهيئات جزءاً فعلياً من آلية تمويل الحرب لا ملفاً منفصلاً عن الشرعية السياسية.
وعلى المستوى الأمني واللوجستي البحت، لا تقتصر تحديات الانتخابات على يوم التصويت؛ فالحملة نفسها تحتاج إلى قاعات آمنة ووسائل إعلام عاملة وحرية حركة للمرشحين، وقد يستطيع مرشح الوصول إلى المناطق الآمنة بينما يتعذر على منافسه الوصول إلى مناطق الجبهة، ما يخلق تنافساً غير متكافئ. ويحتاج تصويت العسكريين إلى موازنة دقيقة بين حقهم في المشاركة وحياد المؤسسة العسكرية، عبر مراكز اقتراع خارج الوحدات حيثما أمكن، ومراكز خاصة عند الضرورة الأمنية، وتصويت متنقل للحالات المعزولة، مع حظر صريح لاستخدام الرتبة أو الموارد العسكرية في أي دعاية ومنع القادة من معرفة خيارات مرؤوسيهم؛ وقد حذر رئيس اللجنة المركزية للانتخابات أوليغ ديدينكو من أن التصويت الإلكتروني والبريدي الكاملين قد يكونان بالغي الخطورة في ظروف الحرب، لصعوبة التحقق من الهوية والسرية ومخاطر الاختراق. وتضيف قواعد التعبئة العامة، التي تحظر مغادرة الرجال ضمن فئة عمرية معينة للبلاد، بُعداً ديموغرافياً يستحق الانتباه عند تفسير أي نتيجة انتخابية مقبلة، فيما يزيد اعتماد جزء واسع من البنية المدنية والعسكرية القريبة من الجبهة على أنظمة اتصال فضائية أجنبية المنشأ من هشاشة أي ضمان لاستمرارية الاتصالات خلال العملية الانتخابية. ويمكن أيضاً تمديد التصويت على أكثر من يوم واحد لتقليل الازدحام ومنح الوحدات مرونة أكبر، على أن تبقى هذه الوسائل جميعها، إلى جانب التسجيل الإلكتروني المسبق، أدوات مساعدة لتنظيم اقتراع تقليدي قابل للتدقيق الورقي المستقل لا بديلاً كاملاً عنه.
وتقدم المقارنات الدولية دروساً عامة لا وصفات جاهزة؛ فانتخابات الولايات المتحدة الرئاسية عام 1944 أثناء الحرب العالمية الثانية تثبت أن استمرار الحرب لا يلغي بالضرورة الحياة الدستورية، لكن الفارق جوهري: لم تكن الولايات المتحدة حينها خاضعة لحظر دستوري على الانتخابات، ولم تكن مدنها القارية تتعرض لقصف يومي أو احتلال واسع كما هو حال أوكرانيا اليوم. وتوضح تجربتا العراق ولبنان أن إجراء الانتخابات في بيئة أمنية مضطربة لا يضمن استقراراً سياسياً تلقائياً، إذ قد تستمر الانقسامات المسلحة داخل المؤسسات المنتخبة نفسها، بينما تُبرز تجربتا كوسوفو والبلقان أهمية المراقبة الدولية المستقلة في مسائل تمثيل النازحين والطعون الانتخابية من دون أن تعوّض هذه المراقبة ضعف المؤسسات الوطنية ذاتها.
وتبقى الخلاصة المشتركة لكل هذه المقارنات أن السؤال الصحيح ليس ما إذا كانت الانتخابات ممكنة نظرياً أثناء الحرب، بل ما إذا كانت الشروط القانونية والأمنية واللوجستية التي تجعلها آمنة وشاملة متوافرة فعلياً في الحالة الأوكرانية تحديداً.
ويمكن تلخيص المسار الأكثر اتزاناً وسط كل هذه المعطيات في خمسة استنتاجات مترابطة: أولها أن دعوة فيدوروف لم تلقَ قبولاً كاملاً حتى داخل الحركة الاحتجاجية التي ساندت عودته في البداية، ما يضعف الربط الآلي بين حجم الاحتجاج على إقالته واحتمال تحوله إلى مرشح رئاسي جاد. وثانيها أن أغلبية الرأي العام الأوكراني تميل إلى تفضيل الانتخابات بعد انتهاء القتال أو بعد وقف إطلاق النار المصحوب بضمانات أمنية، لا قبل ذلك، وهو ما يخلق فجوة بين خطاب فيدوروف العلني وموقف الجمهور الفعلي من التوقيت. وثالثها أن تزامن خطابه عن أزمة الحوكمة مع الكشف عن تحقيقات فساد قرب مكتب الرئاسة جعل مكافحة الفساد جزءاً لا يتجزأ من الصراع الأوسع على الشرعية السياسية. ورابعها أن حجم مشاركة العسكريين والأوكرانيين في الخارج وتحت الاحتلال يجعل من أي مسار انتخابي مقبل إشكالية لوجستية وحقوقية بقدر ما هي إشكالية سياسية ودستورية. وخامسها أن الانتخابات نفسها تحولت، بفعل التوظيف الروسي والأمريكي والأوروبي المتزامن للأزمة، إلى أداة في الحرب المعلوماتية وفي حسابات التفاوض الدولي في آن واحد، بحيث تؤثر طريقة طرح القضية، لا مضمونها القانوني المجرد وحده، في مدى قبول أي نتيجة انتخابية مستقبلية داخلياً وخارجياً.
وعلى صعيد خفض التصعيد المؤسسي، يمكن البناء على ما هو قائم بالفعل بدلاً من ابتكار هيئات جديدة منفصلة؛ فقد أنشأ البرلمان الأوكراني فريق عمل من 64 عضواً يمثل الكتل البرلمانية ومكتب الرئاسة والحكومة والهياكل العسكرية واللجنة المركزية للانتخابات والمنظمات المدنية والمحكمة العليا وخبراء متخصصين، مع مجموعات فرعية معنية بحقوق العسكريين والنازحين والمناطق المحتلة والمواطنين في الخارج تحديداً، لذا يمكن توسيع تفويض هذا الفريق القائم ليشمل نشر تقارير دورية علنية عن مستوى الجاهزية القانونية والأمنية، بدلاً من الاكتفاء بعمل تشريعي مغلق لا يصل إلى الرأي العام، قد يحقق هدف خفض التصعيد نفسه من دون الحاجة إلى تفاوض سياسي إضافي حول تشكيل هيئة موازية جديدة قد تُقرأ سياسياً بوصفها ازدواجاً مؤسسياً لا مبرر له. ومن المفيد كذلك فتح تحقيق مهني مستقل في أسباب إقالة فيدوروف تحديداً وإعلان ما يمكن نشره من نتائجه من دون الإضرار بالأمن، لأن ترك أسباب الإقالة رهينة تفسيرات متضاربة يغذي الاستقطاب، بينما يسمح تحقيق مستقل بفصل الخلاف الإداري عن الاتهامات السياسية المتبادلة.
ومن الناحية الزمنية العملية، يمكن قراءة المسار المقبل عبر ثلاثة آفاق متدرجة تتقاطع مع الجدول الرسمي الذي حددته اللجنة المركزية للانتخابات لا تتنافس معه: مسار قصير خلال نحو ثلاثة أشهر يشمل خطوات ممكنة الآن أثناء استمرار الأحكام العرفية، كتشكيل فريق مؤسسي مشترك ومراجعة القوانين وتحديث قواعد بيانات الناخبين وإجراء تقييم أمني وتقني مستقل، من دون أن يعني ذلك تحديد موعد فعلي للاقتراع؛ ومسار متوسط يتقاطع مع فترة الأشهر الستة التي حددتها اللجنة حداً أدنى بعد رفع الأحكام العرفية، تشمل إقرار التعديلات القانونية واختبار آليات التصويت الخارجي وتقييم أمن مراكز الاقتراع؛ ومسار طويل يضيف مدة الحملة الانتخابية نفسها التي لا تتغير قانونياً، ويمتد إلى أكثر من عام إذا استمرت المرحلة النشطة من القتال.
وفي جميع الأحوال، يبقى المؤشر الأهم هو مدى استعداد جميع الأطراف لقبول قواعد موحدة قابلة للمراجعة العلنية؛ فإذا رفضت الرئاسة أي جدول زمني للتحضير، ورفض فيدوروف أي قيود أمنية، واستخدمت المعارضة الجيش في صراعها الحزبي، فإن الخلاف سيتحول حتماً إلى أزمة شرعية أعمق، أما إذا قبلت الأطراف الفصل الواضح بين التحضير والاقتراع، فقد تتحول هذه الأزمة نفسها إلى فرصة نادرة لإصلاح مؤسسي حقيقي تحتاج إليه أوكرانيا بصرف النظر عن نتيجة الجدل السياسي الراهن.
وتبقى قيمة دعوة فيدوروف الأساسية أنها أعادت فتح سؤال كان مؤجلاً: كيف تحافظ أوكرانيا على الديمقراطية وهي تخوض حرباً وجودية؟ فالإجابة المستدامة لا تكون بانتخابات عاجلة قد تفتقر إلى الأمن والشمول، ولا بتأجيل بلا نهاية يتحول فيه الاستثناء الأمني إلى إعفاء دائم من المساءلة، بل ببناء مسار مؤسسي ثالث يبدأ التحضير القانوني والتقني واللوجستي فوراً، ويحدد معايير أمنية موضوعية وقابلة للقياس، ويُخضع العملية لرقابة برلمانية وقضائية ومدنية مستقلة، ويستفيد من الدعم الدولي من دون السماح بالتدخل الخارجي في اختيار القيادة. وسيكون الاختبار الحقيقي لجميع الأطراف قدرتها على تحويل الخطاب إلى إجراءات فعلية: الرئاسة مطالبة بخطة شفافة للتأجيل والاستعداد معاً، وفيدوروف مطالب بتقديم برنامج ومشروع قانون لا شعار سياسي، والمعارضة مطالبة بالفصل بين الرقابة الديمقراطية المشروعة وتفكيك وحدة الدولة في وقت الحرب، والحلفاء الدوليون مطالبون بدعم بناء المؤسسات لا فرض البدائل السياسية؛ وفي نهاية المطاف، لا يكمن السؤال الحقيقي فيما إذا كان فيدوروف قد انتصر في هذا الجدل أو خسره، بل فيما إذا كانت هذه الأزمة، بكل أبعادها العسكرية والسياسية والقانونية والاقتصادية والنفسية والإعلامية والدبلوماسية المتشابكة، ستؤدي إلى تحسين حقيقي في قواعد الحكم وإدارة الدفاع، أم ستتحول إلى صراع شخصي يُضعف الجبهة الداخلية في اللحظة التي تحتاج فيها أوكرانيا إلى أقصى درجات التماسك.

