هجوم كييف والتهديدات الهجينة: تشريح للاختراق الأمني وقراءة في الدور الروسي المحتمل

هجوم كييف والتهديدات الهجينة: تشريح للاختراق الأمني وقراءة في الدور الروسي المحتمل

هجوم كييف والتهديدات الهجينة: تشريح للاختراق الأمني وقراءة في الدور الروسي المحتمل

وحدة الدراسات الأمنية – مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية

20\4\2026

تأسيساً على مقتضيات القراءة الرصينة للمشهد الأمني المتقلب في أوكرانيا، واستحضاراً لكافة البيانات الميدانية والتحقيقات المحدثة حتى مساء 20 أبريل 2026، والمستقاة من الأروقة الرسمية لوزارة الداخلية ومكتب المدعي العام وجهاز الأمن الأوكراني، والمعززة بالمواقف السياسية والتقديرات الميدانية الصادرة عن رئاسة الدولة وقيادة الشرطة الوطنية، إلى جانب ما رشح من تحقيقات صحفية استقصائية، يغدو الهجوم المسلح الذي استهدف منطقة ديمييفكا في حي غولوسييفسكي بالعاصمة كييف مساء 18 أبريل، ليس مجرد واقعة جنائية معزولة أو نتاجاً عارضاً لخلل سيكولوجي طارئ، بل يبرز كحالة دراسية استثنائية ضمن سياقات الحروب الهجينة المعاصرة والاختراقات الأمنية العميقة. إذ تجسد هذه العملية نموذجاً شديد التعقيد لاختراق أمني بنيوي محتمل يتشابك فيه البعد العسكري الاحترافي بالولاءات الأيديولوجية الكامنة، تحت غطاء من الاضطرابات النفسية المتراكمة، وهو ما يستوجب تشريحاً سوسيولوجياً وأمنياً يتجاوز السطح الجرمي للمؤشرات نحو سبر أغوار الدوافع الجيوسياسية والخلل المؤسسي الذي مكن من إنضاج هذه الظاهرة في قلب العاصمة، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا التحليل يبقى محكوماً بسقف البيانات المتاحة حالياً، بانتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الرقمية والنتائج النهائية التي لا تزال قيد الاستكمال والتدقيق.

تولى تنفيذ هذه العملية المدعو دميترو فاسيلتشينكوف، البالغ من العمر ثمانية وخمسين عاماً، وهو من مواليد العاصمة الروسية موسكو في 21 أبريل 1968، والذي يحمل الجنسية الأوكرانية. تشكل سيرته الذاتية وتقاطعاتها الجغرافية مادة حيوية للتحليل الاستراتيجي المعمق، إذ تنقل في مسارات مكانية حساسة بدأت من مدينة باخموت في إقليم دونيتسك، مروراً بإقامة مريبة في مدينة ريازان الروسية بين عامي 2015 و2017، وصولاً إلى استقراره الأخير في قلب العاصمة كييف، وتحديداً في شارع ديمييفسكا رقم 35 (الشقة 176) ضمن حي غولوسييفسكي، وهو ما يمنح تحركاته طابعاً ميدانياً ميسراً داخل المربع الأمني المستهدف في منطقة ديمييفكا. وبالرغم من التضارب الذي صاحب الروايات الأولية حول طبيعة خدمته العسكرية، إلا أن الرواية الرسمية الحاسمة التي قدمها رئيس الشرطة الوطنية الأوكرانية إيفان فيهيفسكي، أكدت أن فاسيلتشينكوف خدم فعلياً في صفوف القوات المسلحة الأوكرانية منذ العام 1992، وتركزت خدمته بشكل أساسي في اقليم أوديسا ضمن وحدات النقل الآلي حتى تقاعده في عام 2005، وهي الرواية التي تتقاطع في جوهرها مع ما أورده الصحفي الاستقصائي فيتالي غلاغولا حول خدمته في الفرقة 254 الميكانيكية بكتيبة الدعم اللوجستي في دونيتسك حتى عام 2004. وفي هذا السياق، يجب تفنيد المعلومات المغلوطة التي روجت لانتمائه للجيش الروسي برتب رفيعة، إذ تبين أنها ناتجة عن لبس في تشابه الأسماء. ومع ذلك، فإن القيمة التحليلية تكمن في الحقيقة الثابتة والمشتركة بين كافة المصادر، وهي امتلاكه لخبرة عسكرية نظامية معمقة تمتد لأكثر من عقدين من الزمان، مقترنة بنشأة روسية وإقامة ممتدة على الأراضي الروسية في مرحلة زمنية حرجة جداً من مسيرته الشخصية ومن تاريخ الصراع، مما يعزز من فرضية وجود خلفية احترافية مكنته من إدارة المشهد العملياتي ببرود ودقة تكتيكية لافتة.

انطلقت الفصول الإجرامية لهذه الكارثة في تمام الساعة 16:32، إثر بلاغ تلقته الأجهزة الأمنية حول نزاع بيني محدود في شارع ديمييفسكا، وهو ما استدعى استجابة دورية شرطية روتينية لفض ما بدا حينها مشاجرة تقليدية بين جيران. غير أن المنفذ فاسيلتشينكوف عمد إلى تصعيد الموقف بشكل مفاجئ باستخدام سلاح غير مميت (مسدس رصاص مطاطي) ضد خصمه، قبل أن يرتد فوراً إلى شقته السكنية في مناورة تكتيكية خاطفة؛ حيث قام بإضرام النيران فيها باستخدام مواد سائلة مسرعة للاشتعال، بالتزامن مع أخذه ترسانته الحقيقية المتمثلة في سلاحه الناري المرخص قانوناً لمواصلة فصول اعتدائه الدامي. ويحمل هذا التسلسل الزمني والعملياتي دلالات بالغة الخطورة، إذ لم يكن إشعال الحريق مجرد فعل تخريبي عشوائي أو نتاج تخبط لحظي، بل كان “مناورة تشتيت” متعمدة هدفت إلى خلق تزامن معقد بين بؤرة الحريق وتصاعد الدخان ومسرح العمليات المسلح في منطقة ديمييفكا، مما أدى آلياً إلى إرباك مصفوفة الاستجابة الأمنية الأولى وتفتيت جهود فرق الإطفاء والإنقاذ والملاحقة الأمنية في آن واحد، وهو سلوك ينم في عمقه البنيوي عن إدراك عملياتي ناضج وقدرة احترافية على إدارة الفوضى وتوجيه الموارد بعيداً عن مركز التهديد الحقيقي، بما يتجاوز فرضية الانهيار العصبي العفوي نحو مربع التخطيط التكتيكي الواعي الذي يستهدف شل قدرة المنظومة الأمنية على رد الفعل المركز.

Від виснаження до суверенітету: створення нового українського рівняння та перехід до нав'язливого поля

انتقل المنفذ عقب ذلك إلى مرحلة التصعيد الميداني المباشر عبر استهداف عشوائي ودموي للمارة في المحيط العام لشارع ديمييفسكا، موقعاً عدداً من الضحايا قبل أن يختار سوبر ماركت “فيلمارت” ليكون مركزاً لتحصنه، حيث قام باحتجاز مجموعة من الزبائن والموظفين كرهائن وسط إطلاق نار متقطع داخل المنشأة التجارية لفرض حالة من الهيمنة المسلحة وبث الذع.، وقد أعقب ذلك تفعيل فوري لبروتوكولات التفاوض التي استمرت قرابة الأربعين دقيقة، وظفت خلالها الأجهزة الأمنية مفاوضة متخصصة أدارت التواصل من خلف ساتر مركبة مدرعة وباستخدام معدات الحماية الكاملة، موجهة نداءات متكررة عبر مكبرات الصوت لمناشدته الإفراج عن المحتجزين وتأكيد حياد وسلامة المدنيين الأبرياء من سياق النزاع. غير أن السلوك العدائي للمنفذ بلغ ذروته برفضه القاطع لأي استجابة إنسانية، بما في ذلك المقترح الأمني بتزويده بعاصبات طبية لإسعاف جريح داخل المحل كان يعاني من نزيف حاد ويحتاج لتدخل فوري لوقف النزف، وهو ما أكد للقيادة العملياتية انعدام أي رغبة في التسوية وتغليب النزعة التدميرية لديه، خاصة في ظل الصمت المطبق للمنفذ عن تقديم أي مطالب سياسية أو مادية واضحة تبرر عملية الاحتجاز. ومع استنفاد كافة فرص الحل السلمي وتصاعد التهديد الوجودي المباشر للرهائن، صدرت الأوامر العملياتية لوحدة النخبة (KORD) بتنفيذ اقتحام خاطف، أدى إلى اندلاع مواجهة نارية مباشرة ومبارزة تسلسلية داخل أروقة المركز التجاري، انتهت بتحييد المنفذ وتصفيته ميدانياً لضمان سلامة من تبقى من المحتجزين.

تصاعدت الحصيلة المأساوية للخسائر البشرية في صفوف المدنيين لتستقر عند سبعة قتلى، وذلك بعد توفي في المستشفى رجل كان يصارع الموت في وحدة العناية المركزة، رغم الجهود الطبية المضنية والتدخلات الجراحية العاجلة التي بُذلت لاستبقائه على قيد الحياة. وتكشف التفاصيل المتعلقة بالضحايا عن أبعاد إنسانية فاجعة تعكس قسوة الاستهداف العشوائي وعمقه التدميري للنسيج الاجتماعي؛ إذ فَقَد طفل في ربيع عمره والده وعمته اللذين لقيا حتفهما في موقع الهجوم، بينما ترزح والدته تحت وطأة إصابة خطيرة في المستشفى، في حين يخضع الطفل ذاته للعلاج من جروح ناتجة عن طلقات نارية استهدفت جسده الغض.

وفي هذا السياق، أفاد عمدة العاصمة فيتالي كليتشكو بأن الحالات المتبقية من الجرحى تتوزع على مستويات متفاوتة من الخطورة، حيث يرقد أربعة بالغين في غرف العناية المركزة تحت مراقبة مشددة، بينما يتلقى مصابان آخران العلاج في قسم الصدمات المتعددة، في حين تُصنف حالة الطفل المصاب بأنها مستقرة حالياً، مما يضع المجتمع الأوكراني والأجهزة المعنية أمام فاتورة إنسانية باهظة تضاف إلى سجل التحديات الأمنية والنفسية التي تفرضها مثل هذه العمليات الاختراقية في قلب المراكز الحضرية.

يُضاف إلى المشهد الكلي بُعد تقني فائق الأهمية يتمثل في طبيعة العتاد المستخدم في الهجوم؛ حيث أكد وزير الداخلية إيغور كليمنكو أن المنفذ كان يتسلح ببندقية “كارابين” من طراز (Kel-Tec SUB-2000) نصف آلية، وهي قطعة سلاح مرخصة رسمياً وفق المعايير القانونية النافذة. ويمثل هذا السلاح الأمريكي الصنع، المصمم أساساً لأغراض الدفاع الشخصي والرماية الرياضية بفضل هندسته الفريدة التي تسمح بطيه وحمله بشكل مدمج وسري، مفارقة بنيوية لافتة في هذا السياق؛ فهذا الطراز بالذات شهد انتشاراً واسعاً في الساحة الأوكرانية منذ مطلع عام 2022 كجزء من حزم الدعم الغربي والمبادرات التطوعية، مما يعني أن منظومات التسليح التي استهدفت بالأساس تعزيز القدرة الدفاعية للمجتمع الأوكرانية قد أفرزت، في تحول دراماتيكي غير مقصود، إمكانية لتوظيفها من قبل عناصر مخترقة أو مضطربة لتنفيذ عمليات إرهابية داخلية. إن هذا التناقض الصارخ بين الغاية الدفاعية والمآل التدميري يستوجب وقفة تحليلية جادة لإعادة تقييم بروتوكولات منح التراخيص، وتشديد آليات الرقابة المستدامة على حاملي الأسلحة في ظل الظروف الاستثنائية التي تفرضها حالة الحرب، لضمان ألا يتحول الدعم الأمني إلى ثغرة تهدد استقرار الجبهة الداخلية وتستنزف موارد الاستجابة الطارئة.

وبالتعمق في المرتكزات الاستخباراتية التي تُشكل الخلفية المعقدة للمنفذ، تشير المعطيات التحليلية المستندة إلى قواعد بيانات روسية مُسربة إلى وجود مؤشرات ترابط مالي ورقمي عابرة للحدود؛ حيث كُشف عن امتلاك منفذ الهجوم لحسابات مصرفية روسية متعددة بقيت في حالة نشاط تقني حتى عام 2021 على الأقل، بالتوازي مع حيازته لرقم هاتفي مسجل لدى الشبكات الروسية، فضلاً عن رصد تحركات ميدانية تمثلت في سفره المتكرر إلى الأراضي الروسية خلال عام 2016، وهي معطيات تمنح فرضية الارتباط ببيئات معادية ثقلاً معلوماتياً لا يمكن تجاوزه عند بناء السيناريوهات الأمنية.

أما على الصعيد الأيديولوجي، فترسم التقارير الاستخباراتية المستخلصة من النشاط الرقمي المكثف والمنظم للمنفذ عبر منصة “فيسبوك” صورة لمنظومة فكرية راديكالية بالغة التعقيد، تتشابك فيها ثلاث مستويات دلالية متداخلة تُشكل في مجموعها محركاً للاستلاب الفكري والاستهداف الوجودي للدولة والمجتمع؛ إذ يبرز المستوى الأول في الرفض المطلق لشرعية الدولة الأوكرانية ككيان سياسي مستقل، واعتبارها “كياناً مزيفاً” فاقداً لسيادته التاريخية والجغرافية، وهو إنكار يتجلى بوضوح في مستواه الثاني عبر التماهي والإعجاب العميق بشخصيات متطرفة تصنفها المنظومة الأمنية الأوكرانية كرموز للإرهاب، وعلى رأسها إيغور غيركين، الذي يراه فاسيلتشينكوف نموذجاً ملهماً “لمن وقف على حافة التغيير التاريخي” لتقويض وحدة الأراضي الأوكرانية منذ عام 2014. هذا الانحياز الصريح للمشاريع الروسية بلغ ذروته في إبداء تحسره المعلن على ما وصفه بـ “تأخر الحسم” في معركة باخموت، معبراً عن رغبة دموية في سقوط المدينة قبل عام 2023، ليعكس بذلك ولاءً عابراً للحدود الوطنية يتجاوز الانتماء لبلد المواطنة نحو مربع التبعية المطلقة للأجندة المعادية.

ويتوج هذا الخليط الأيديولوجي الهجين بمستوى ثالث يتمثل في المعاداة المنهجية والصريحة لليهود، وهي نزعة تعكس تأثراً جذرياً بالخطاب التحريضي الروسي المتناقض الذي يعمد إلى توظيف “البروباغندا السوداء” لصهر كراهية النظام السياسي بكراهية العرق والدين، عبر وصم القيادة الأوكرانية بـ “النازيين اليهود” في آن واحد؛ وهي مفارقة منطقية هدفها توليد عداء وجودي عابر للحدود المجتمعية، بما يحاكي في بشاعته وخيالاته الدموية حول “التطهير المجتمعي” الأساليب الهتلرية الصرفة التي تستهدف إبادة “الآخر” سياسياً وعرقياً.

إن هذا النمط من “التشريب الفكري” والبرمجة الموجهة التي توفرها المنصات الرقمية الموالية لموسكو، تهدف بوضوح إلى صهر التناقضات المنطقية في قالب واحد لتخليق “الذئب المنفرد” المشحون بعداء بنيوي تجاه مجتمعه ودولته، مما يجعل من العملية الأخيرة ثمرة مريرة لسنوات من التوجيه العقائدي المستتر خلف شاشات الفضاء السيبراني.

وبالرغم من أن القراءة الظاهرية للنشاط الرقمي الموثق تشير إلى ذروة بين عامي 2016 و2019، إلا أن التحليل الرصين يرفض فرضية “الخمود الفكري”، ويرجح بدلاً من ذلك فرضية “التلقيح الأيديولوجي” المستدام الذي انتقل من مرحلة النشر العلني إلى مرحلة “الكمون العملياتي” بانتظار لحظة التنشيط الحاسمة، حيث تشير محاولة المنفذ إتلاف وسائطه الرقمية قبيل تحييده بوضوح إلى رغبته في طمس “خيط الارتباط” الاستخباراتي واللوجستي، مما يضع جهود الفحص الفني المعمق للبيانات المستردة أمام اختبار استراتيجي لكشف مدى عمق اختراق هذه “الخلايا النائمة” الموجهة إيديولوجياً للنسيج الأمني والاجتماعي في قلب العاصمة كييف.

وعلى صعيد التحليل السيكولوجي والسلوكي الذي يرصد مسارات الانزلاق نحو العنف الراديكالي، رسم رئيس الشرطة الوطنية بروفايلاً نفسياً للمنفذ بوصفه «شخصية كتومة تميل للعزلة والانكفاء»، مع تبنيه لـ «توجهات سلبية» ورؤى مشوهة تفتقر للاتزان القيمي، حيث اتسمت تفاعلاته الاجتماعية مع محيطه المباشر في مكان اقامته بالتشاحن المستمر والنزاعات البينية المتكررة، وهو ما توثقه السجلات الأمنية التي رصدت سلسلة من البلاغات والحوادث الجنائية المرتبطة بنزاعات الجوار؛ والمثير للقلق هو وجود سوابق جنائية فعلية في ملفه تتعلق بإلحاق أذى جسدي عمدي، غير أن تلك القضايا انتهت بـ «التصالح بين الأطراف»، مما أدى قانوناً إلى إغلاق ملفاته الجنائية ومنحه فرصة التواري عن رادار الملاحقة الأمنية المشددة. إن هذا النمط من “التصالح الجنائي” في قضايا العنف الجسدي مكن المنفذ من الحفاظ على سجل يبدو نظيفاً من الناحية الإجرائية، وهو ما يفسر المفارقة التي طرحها وزير الداخلية إيغور كليمنكو حول أهليته العقلية؛ إذ أكد الوزير أن «حالته النفسية كانت بوضوح غير مستقرة»، موجهاً انتقادات لاذعة للآلية التي مكنته من استصدار الشهادات الطبية وتجديد ترخيص حمل السلاح في ديسمبر 2025، مستغلاً تلك الفجوة بين السلوك العدواني الميداني والوضع القانوني “المُصالح عليه”.

إن هذه الإشكالية الإجرائية الحادة تكشف عن ثغرة بنيوية عميقة في جدار الأمن القومي؛ فبينما يشترط التشريع الأوكراني معايير صارمة للسلامة النفسية وحسن السيرة كشرط جوهري لحيازة السلاح، فإن الواقع الذي تفرضه ظروف الحرب وما تخلفه من ضغوط سيكولوجية هائلة على ملايين المواطنين والمتقاعدين العسكريين، يضع المنظومة الطبية والأمنية أمام اختبار عسير: فهل تتوفر القدرة المؤسسية على إجراء فحص دوري فعال وموثوق يتجاوز الأوراق الرسمية إلى مراقبة “التاريخ السلوكي” العنيف حتى لو انتهى بالتصالح؟ إن حالة فاسيلتشينكوف تبرز كمثال صارخ على الفجوة بين النص القانوني والقدرة على التنفيذ الميداني، حيث تحوّل السلاح المرخص، بفضل تساهل إجراءات الرقابة على ذوي السوابق السلوكية، من أداة للدفاع عن المجتمع إلى وسيلة لترويعه من الداخل في لحظة تحول من النزاع الجواري المحدود إلى الإرهاب المدني الشامل.

أما على صعيد الدور الروسي المحتمل، والذي يمثل البعد الاستخباراتي والجيوسياسي الأعمق والأكثر تعقيداً في بنية هذه الحادثة، فإن التحليل يرتكز حالياً على “روابط ظرفية” متماسكة تتجاوز حدود الصدفة الجغرافية، بانتظار القرائن المادية القاطعة التي تعكف المختبرات الجنائية على استخراجها؛ فعند مواجهة رئيس الشرطة الوطنية إيفان فيهيفسكي بالتساؤل الجوهري حول ما إذا كان منفذ الهجوم “عميلاً مجنداً” ضمن شبكات التخريب التابعة لموسكو، جاءت إجابته متسمة بالتحوط الأمني والشفافية المؤسسية في آن واحد، مؤكداً أن جهاز الأمن الأوكراني يضع هذا الاحتمال كفرضية عمل أساسية ومسار تحقيق لا يمكن إغلاقه، واصفاً الأمر بأنه «وارد تماماً»، وهو ما يعكس القلق البنيوي لدى دوائر صنع القرار من قدرة الأجهزة المعادية على تفعيل “الخلايا النائمة” أو توجيه “الذئاب المنفردة” التي جرى إعدادها وتلقيحها أيديولوجياً بعناية فائقة خلال فترات إقامتها المريبة على الأراضي الروسية، وتحديداً في مراكز حساسة مثل ريازان.

وقد عزز هذا الغموض العملياتي المقصود الطابع المعقد للحادثة، حيث أشار الرئيس فولوديمير زيلينسكي في إحاطته للشعب الأوكراني إلى أن المنفذ لم يكن بعيداً عن الرصد الأمني تماماً، بل كان «موضوعاً للملاحقة القضائية» وربما المراقبة الاستخباراتية في فترات سابقة، وهو ما يطرح تساؤلات حادة حول طبيعة تلك الملاحقات: هل كانت مجرد قضايا جنائية مرتبطة بسلوكه العدواني، أم أنها كانت تمس جوهر الأمن القومي ورصد نشاطات مشبوهة مرتبطة بجهات أجنبية؟ إن هذا التداخل بين الجنائي والسياسي يمثل جوهر “الحروب الهجينة” التي تسعى موسكو من خلالها إلى تمويه عملياتها الاستخباراتية بغطاء من الحوادث الفردية والاضطرابات النفسية لضمان “الإنكار المعقول”.

وفي الوقت الراهن، تركز مختبرات الأدلة الجنائية الرقمية وجهود الاستخبارات التقنية على تشريح محتويات أجهزته الإلكترونية التي حاول المنفذ إتلافها بشكل احترافي قبيل تحييده، في محاولة لفك شفرات شبكة علاقاته الشخصية والافتراضية العابرة للحدود، بحثاً عن “خيط التنشيط” أو ما يُعرف بـ “الوميض العملياتي” الذي قد يربط لحظة الانفجار السلوكي الدامي بمركز توجيه أو “ضابط اتصال” في موسكو. إن هذا المسار التحقيقي يحول الواقعة من مجرد جريمة محلية أو حادثة إطلاق نار عشوائية إلى فصل سيادي جديد من فصول حرب الاستنزاف الإدراكي والأمني، التي تستهدف ضرب الروح المعنوية في العمق الأوكراني وزعزعة الثقة في المؤسسات الأمنية، ضمن استراتيجية روسية أوسع تهدف إلى تحويل التناقضات السلوكية للأفراد إلى أدوات هدم استراتيجي لاستقرار الدولة من الداخل.

إن هذا الدور الروسي المحتمل لا ينفصل عن السياق الأوسع للحروب الهجينة التي تمثل نموذجاً استراتيجياً متطوراً يتجاوز الصراع العسكري التقليدي ليصبح حرباً “غير خطية” شاملة، تستهدف تقويض ركائز الدولة والمجتمع من الداخل لتحقيق أهداف سياسية كبرى دون الحاجة لمواجهة مباشرة في كل مرة، وقد بات هذا النمط موثقاً بإحصاءات دقيقة ومقلقة؛ إذ كشف تحقيق استقصائي نشرته صحيفة “واشنطن بوست” أن أجهزة الاستخبارات الروسية طورت أساليب تجنيد رقمية تستهدف الفئات الهشة، بما في ذلك الشباب والمراهقين الأوكرانيين عبر قنوات “تيليغرام”، من خلال عروض عمل وهمية ومكافآت مالية تتراوح حول بضعة آلاف من الدولارات مقابل تنفيذ عمليات تخريب وتفجير ميدانية، وهو مسار عملياتي أكده جهاز الأمن الأوكراني الذي استطاع ربط نحو 1400 عملية تخريبية بهذا النمط من التجنيد “عن بُعد” خلال العامين الماضيين. وبتحليل النمط الاستراتيجي الأوسع الذي يندرج فيه هجوم كييف الأخير، يتبين أن الاستهداف الروسي لا يقتصر على الأهداف العسكرية المباشرة، بل يمتد ليطال البنية التحتية الحيوية، لا سيما شبكات السكك الحديدية التي تمثل الشريان اللوجستي للدولة، حيث تُفضل موسكو عمليات الحرق المتعمد والتخريب الممنهج للمركبات العسكرية ومنازل الأفراد المنخرطين في القوات المسلحة داخل المدن الكبرى مثل كييف وأوديسا وخاركيف ودنيبرو. وتكمن الخطورة الاستراتيجية لهذه الهجمات في توفير قدر من “الإنكار المعقول”، عبر محاولة تصويرها كحالات سخط شعبي داخلي أو جرائم جنائية فردية، بينما تشير البيانات الرسمية إلى حقيقة صادمة تتمثل في تجنيد أكثر من 800 مواطن أوكراني من قبل الاستخبارات الروسية خلال العامين الأخيرين، من بينهم نحو 240 قاصراً، مما يعكس تحولاً نوعياً في تكتيكات “الاستنزاف الداخلي” التي تهدف إلى تحويل المواطن، بعلمه أو دون علمه، إلى أداة تدميرية ضد أمن واستقرار وطنه.

يعتمد هذا النموذج العملياتي، الذي عكفت روسيا على تطويره منذ أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، على المبدأ الاستراتيجي المعروف بـ “السيطرة الانعكاسية”؛ وهو مفهوم يسعى إلى صياغة وتوجيه إدراك الخصم بشكل منهجي، ودفعه قسراً نحو اتخاذ قرارات تخدم المصالح الحيوية لموسكو، بينما يتوهم الخصم أنه يتصرف بمحض إرادته واستقلاليته. ويكمن الجوهر البنيوي لهذه الاستراتيجية في الربط العضوي بين أدوات متعددة الأبعاد تعمل بالتوازي على مستويات متباينة؛ تبدأ من شن حملات تضليل رقمي وإعلامي ممنهجة تهدف إلى تقويض التماسك الاجتماعي والسياسي، مروراً بالهجمات السيبرانية النوعية التي تستهدف شل البنية التحتية الحيوية، وصولاً إلى التوظيف التكتيكي للوكلاء المحليين أو “العناصر الكامنة” التي يتم تنشيطها في لحظات حرجة. ويمثل هذا النمط، الموثق بدقة في السياقات الأمنية الأوروبية، التطور العملياتي الأبرز لما يُعرف بـ “عقيدة جيراسيموف”؛ التي تؤصل لفكرة أن الحروب الحديثة قد غادرت خنادقها التقليدية لتصبح مواجهة شاملة و”غير خطية”، تحتل فيها السيطرة على التدفق المعلوماتي، والإنهاك الاقتصادي، والحرب النفسية الجماعية، صدارة الأولويات الاستراتيجية.

وفي الحالة الأوكرانية على وجه التحديد، تتبلور هذه الحروب الهجينة كاستراتيجية استنزاف مستمرة منذ عام 2014، حيث تسعى موسكو إلى استغلال الثغرات البنيوية الناتجة عن النزوح القسري، والتوترات الاجتماعية الحادة، والخلفيات الجيوسياسية المزدوجة للأفراد، لتخليق وتنشيط خلايا تخريبية أو “ذئاب منفردة” موجهة. إن هذا التوظيف الاستراتيجي للأفراد يحقق لموسكو هدفين مزدوجين في غاية الخطورة؛ الأول هو الإجهاز على الروح المعنوية للمجتمع عبر ضرب الشعور بالأمن في العمق المدني، والثاني هو إرباك صانع القرار الأمني وإجباره على تفتيت وتوزيع الموارد والجهود الأمنية والعسكرية بين جبهة القتال الخارجية والجبهة الداخلية المضطربة في آن واحد، مما يجعل من هجوم كييف الأخير فصلاً نموذجياً في كتاب “الحرب الشاملة” التي تُدار من خلف الستار، مستهدفةً تحويل التناقضات الداخلية إلى أدوات تدمير ذاتي للدولة.

وعلى صعيد الإخفاق المؤسسي والبنيوي، يكشف هذا الهجوم عن قصور “متعدد الطبقات” في المنظومة الإدارية والقضائية والأمنية الأوكرانية، وهو ما يستوجب مراجعة جذرية وفورية تتجاوز حدود الواقعة الجرمية لتطال آليات التقييم المؤسسي؛ فمن جهة، تبرز الثغرة القانونية في قدرة منفذ الهجوم على تجديد رخصة سلاحه الناري في ديسمبر 2025، رغم وجود سجل جنائي سابق في قضية إلحاق أذى جسدي، ورغم تراكم الشكاوى الميدانية ضده والتقارير التي تشير بوضوح إلى اضطراباته النفسية المتفاقمة، مما يعكس فشلاً في “منظومة الإنذار المبكر” التي كان ينبغي أن تمنع وصول السلاح إلى يد شخص يحمل هذه السمات العدائية.

وقد سلطت حادثة ميدانية موثقة الضوء بقسوة على البعد الإخفاقي في مستوى الاستجابة العملياتية الأولى، وهي اللقطات الصادمة التي تداولتها وسائل الإعلام الأوكرانية، والتي أظهرت ضابطاً وضابطة من الشرطة يرتديان الزي الرسمي في الشارع، حيث كانا يقفان على مقربة من شخص ملقى على الأرض، وبدلاً من الاشتباك مع مصدر التهديد أو تأمين الحماية للمدنيين، لاذا بالفرار فور دوي طلقات الرصاص، تاركين وراءهما مدنيين عزلاً، من بينهم طفل، في مواجهة مباشرة مع خطر الموت، وهو سلوك يضرب في عمق العقيدة الأمنية والالتزام الأخلاقي للمؤسسة الشرطية. وفي رد فعل حاسم، وصف وزير الداخلية إيغور كليمنكو هذا السلوك صراحةً بأنه «عار ومشين وإهانة للمنظومة الأمنية بأكملها»، مؤكداً اتخاذ إجراءات عقابية فورية شملت تعليق عمل الضابطين وفتح تحقيق موسع يطال التسلسل القيادي المسؤول عن تدريبهما وتوجيههما ميدانياً، تمهيداً لاتخاذ قرارات “كادرية” حازمة.

إن هذا الإخفاق المزدوج، الذي يجمع بين الترهل الإداري في منح التراخيص والارتباك الميداني في لحظة المواجهة، يكشف عن ضرورة إعادة بناء الثقة في المؤسسات التنفيذية عبر إصلاحات هيكلية تضمن عدم تكرار مثل هذه “الفجوات القاتلة” في قلب الجبهة الداخلية.

وجاء رد الفعل المؤسسي حازماً وحاداً في آنٍ معاً، ليعكس حجم الاستشعار بالمسؤولية الأخلاقية والمهنية أمام هذا الخلل البنيوي. إذ أعلن رئيس دائرة الشرطة الوطنية يفغيني جوكوف، الذي يتبوأ منصبه منذ عام 2015، استقالته الفورية من منصبه، مقدماً اعترافاً صريحاً بأن السلوك الميداني المسجل لم يرقَ إلى مستوى المعايير المهنية العسكرية، وصرح بنبرة ضابط مقاتل متمرس: «بوصفي ضابطاً قتالياً، قررت تقديم استقالتي؛ إذ أرى في هذا المسار تجسيداً للعدالة والمسؤولية». وفي خطابه المسائي الموجه للشعب يوم 19 أبريل، شدد الرئيس فولوديمير زيلينسكي على أن الضباط الذين غادروا مسرح العمليات «كانوا مُلزمين قانونياً وأخلاقياً بالتصرف وفق مقتضيات القسم في تلك الملابسات الحرجة»، معلناً عن إطلاق مراجعة استراتيجية شاملة لكافة بروتوكولات الاستجابة الطارئة لمثل هذه الحوادث، وإعادة تقييم معايير التوظيف وآليات التدريب القتالي والنفسي. كما أكد الرئيس أن وزير الداخلية سيتولى إجراء مراجعة كادرية واسعة النطاق تطال السلسلة القيادية بأكملها، لضمان استعادة الثقة في عقيدة المؤسسة الأمنية وقدرتها على حماية المواطنين في أحلك الظروف.

هذا الإخفاق المؤسسي أدى إلى تفجير نقاش تشريعي وسيادي واسع النطاق، تجاوز حدود المعالجة الإجرائية الآنية ليلامس الفلسفة العميقة للبنية القانونية الناظمة للأمن المجتمعي في أوكرانيا؛ إذ دفعت تداعيات هذه المأساة وزير الداخلية إلى الإعلان عن توجه الوزارة بجدية نحو صياغة النسخة النهائية لمشروع قانون “حيازة الأسلحة المدنية”، منطلقاً من قناعة استراتيجية مفادها أن «للمواطنين الحق الأصيل في الدفاع المسلح عن أنفسهم وممتلكاتهم»، وهي قناعة تستند على استقراء الدروس المستفادة من التجربة القاسية للغزو الروسي الشامل في فبراير 2022، حين شكل تسليح عناصر الدفاع المدني والمواطنين حائط صد حيوي أسهم في حماية كيان الدولة، بيَد أن هذا التوجه السياسي والتشريعي ينطوي في جوهره على “توتر بنيوي” ومعضلة أمنية معقدة؛ فمنظور “عسكرة المجتمع” لأغراض دفاعية، رغم كونه يعزز من مرونة المقاومة الفردية والجمعية في مواجهة الأزمات الوجودية، إلا أنه يرفع بالتوازي من منسوب المخاطر المرتبطة بإساءة استخدام الأدوات القتالية، لا سيما من قِبل عناصر مخترقة استخباراتياً أو أفراد يعانون من اضطرابات سيكولوجية حادة وتراكمات ناتجة عن صدمات الحرب، ممن قد يحملون تراخيص قانونية تبدو مستوفية للشروط في ظاهرها.

إن هذا التناقض يضع المشرع الأوكراني أمام تحدٍ سياسي – استراتيجي يتمثل في كيفية الموازنة بين ضرورة “التسليح الشعبي” كركيزة للدفاع الوطني، وبين حتمية ضبط “الأمن الداخلي” عبر بروتوكولات رقابة صارمة وفحص دوري يتجاوز البعد الإداري السطحي نحو مراقبة السلوك الاجتماعي والنشاط الرقمي لحاملي السلاح، لضمان ألا تتحول أدوات الحماية إلى ثغرات تخدم أجندات الحروب الهجينة المعادية.

ولا بد هنا من الوقوف عند الأبعاد الحقوقية والقانونية التي أثارتها تقارير صادرة عن منظمات حقوقية متخصصة، والتي تطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة العملية التكتيكية ومنطق الاستجابة المسلحة؛ إذ تتركز هذه التساؤلات حول مدى استنفاد كافة سبل الحل السلمي والوساطة قبل صدور الأوامر العملياتية بالتحييد، وهل يحق لجهة رقابية مستقلة مراجعة التوقيت الدقيق الذي اختارته قوات النخبة (KORD) لاقتحام المركز التجاري الذي كان يحتجز فيه المنفذ رهائن مدنيين؟ وتستند هذه المقاربات الحقوقية إلى اجتهادات مستقرة للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضايا مماثلة، والتي تؤكد بوضوح أن التحقيق القضائي والمهني في مثل هذه الحوادث لا يجب أن يقتصر على الأفعال الفورية لمنفذي العملية لحظة الاشتباك فحسب، بل يجب أن يمتد ليشمل تخطيط العملية وضبطها وإدارتها برمتها، لضمان مواءمة استخدام القوة المميتة مع المعايير الدولية للضرورة والتناسب.

وفي المقابل، ومن منظور التحليل الميداني والمهني، ينبغي التأكيد على أن وحدة النخبة (KORD) أبدت كفاءة تكتيكية عالية موثقة في سجلات الاشتباك، حيث نجحت في تحييد المنفذ بضربة جراحية حالت دون وقوع إصابات في صفوف القوة المقتحمة، وأدت إلى إنقاذ أربعة رهائن كانوا تحت التهديد المباشر، وذلك بعد استنفاد أربعين دقيقة من المفاوضات الشاقة التي اصطدمت بتعنت المنفذ ورفضه لأي تسوية سلمية.

إن هذا التباين بين مقتضيات الرقابة الحقوقية والضرورات الميدانية يعكس التحدي الأخلاقي والعملياتي الذي تواجهه وحدات المهام الخاصة في “بيئة حرب” تتداخل فيها الجريمة الجنائية بالتهديدات الهجينة، مما يجعل من نجاح العملية في إنقاذ الأرواح معياراً حاسماً في تقييم كفاءة الردع الأمني الأوكراني.

وفي ختام هذه القراءة الشاملة، يبرز هجوم الثامن عشر من أبريل وما كشفه من تفاصيل الخلفية الشخصية والرقمية والسيكولوجية للمنفذ، وصولاً إلى الروابط الظرفية مع البيئة الروسية، كجرس إنذار استراتيجي متعدد الطبقات؛ فهو يسلط الضوء على التطور النوعي لظاهرة “الذئاب المنفردة” في سياق الحروب الهجينة، سواء كانت هذه العمليات مُهندسة استخباراتياً من الخارج بشكل كامل، أو مستغلة جزئياً، أو نابعة من انهيار بنيوي داخلي يتقاطع عرضياً مع المصالح الاستراتيجية لموسكو. إن الكراهية الرقمية المتراكمة، عندما تتحول إلى وقود للعنف الفردي في لحظة انهيار نفسي مسنود بولاءات مزدوجة محتملة، تؤكد أن النزوح القسري والضغوط الوجودية المصاحبة له يمثلان مادة قابلة للتوظيف المعادي. كما أن الثغرات في منظومة تراخيص الأسلحة تُفضي بالضرورة إلى كوارث أمنية قابلة للتكرار ما لم يتم تداركها. ويستدعي هذا المشهد المعقد ضرورة تطوير عقيدة أمنية وقائية متكاملة، تتجاوز أنماط الرد التقليدية لتجمع بين الرصد السلوكي الاستباقي، والتحقيق الرقمي المعمق، والتحقق المنهجي من مخاطر الولاءات المزدوجة، بالتوازي مع فرض رقابة نفسية صارمة ومستمرة على حاملي الأسلحة، ومتابعة دقيقة للتدفقات المالية العابرة للحدود. ومع ذلك، فإن هذه المقاربة الأمنية يجب أن تبقى محكومة بمبدأ التوازن الدقيق بين متطلبات الأمن الوطني الصارمة وبين الحفاظ على تماسك النسيج الاجتماعي وصيانة الكرامة الإنسانية، لتجنب الوقوع في فخ الاستقطاب الذي يسعى إليه الخصم لإضعاف الاستقرار الداخلي، مع التأكيد الصريح على أن بعض الحيثيات الفنية والروابط الاستخباراتية لهذا الحادث لا تزال خاضعة لمسارات التحقيق الرسمي والتدقيق المخبري، مما يجعل الجزم بقطعية النتائج النهائية رهناً بما ستسفر عنه التحقيقات في المراحل اللاحقة.

 

Залишити відповідь

Ваша e-mail адреса не оприлюднюватиметься. Обов’язкові поля позначені *