عقيدة “المناطق العازلة” وإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية:
الأبعاد الاستراتيجية للمناورة الروسية بين التمدد الميداني وإعادة هيكلة الأمن الأوروبي

د. سعيد سلّام – مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية
22\7\2026
تكتسب التسريبات الأخيرة الواردة عن أروقة صُنّاع القرار في الكرملين بشأن التمسك القاطع بالأراضي الأوكرانية المحتلة، وسعي موسكو لإعادة تأطير تواجدها العسكري الميداني تحت مفهوم “المناطق العازلة” أو “الحزام الآمن”، أبعاداً استراتيجية بالغة التأثير والخطورة في مسار الحرب؛ إذ لا يمكن فصل هذه التحركات العملياتية عن التوقيت الجيوسياسي الحرج الذي تتوزع فيه القدرات والتركيز الأمريكي الاستراتيجي على إدارة المواجهة العسكرية والترتيبات الإقليمية الشديدة التعقيد في الشرق الأوسط مع إيران، وهو ما يوفر لموسكو نافذة استراتيجية مواتية لمحاولة إعادة رسم قواعد الاشتباك وتثبيت واقع ميداني وسياسي جديد بحكم الأمر الواقع. وتتجلى هذه العقيدة بشكل واضح في التصريحات المباشرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والتي شدد فيها على أن موسكو قد تضطر في مرحلة ما إلى إنشاء “منطقة آمنة عازلة” داخل الأراضي الخاضعة لسيطرة كييف لحماية العمق الروسي من الاستهداف، وهو ما تقاطعت معه تصريحات المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف والتأكيدات المتكررة لوزير الخارجية سيرغي لافروف بأن أي صيغة للحل السياسي أو المفاوضات مستقبلاً يجب أن تنطلق حتماً من “الاعتراف بالحقائق الجيوسياسية الميدانية والواقع الجديد على الأرض”. إن هذا التناغم القولي والعملياتي يؤكد أن الحسابات الروسية لم تعد تتأطر ضمن حدود استخدام الأراضي كمجرد أوراق مساومة مرحلية لانتزاع تنازلات سياسية في مفاوضات مرتقبة، بل انتقلت بوضوح إلى مرحلة الفرض القسري لخريطة أمنية جديدة تنطلق من عقيدة الفرض الميداني، والتي تسعى من خلالها موسكو إلى تجريد أوكرانيا من أي قدرة عملياتية على تهديد العمق الروسي، وتحويل الأقاليم المحتلة التي تم ضمها والمشاطئة إلى حزام أمني واقٍ يضمن تحييد النفوذ الغربي ويمنع أي احتكاك مباشر مع البنية التحتية العسكرية لحلف شمال الأطلسي.
ولا يقف تجسيد هذا البعد الجيوسياسي عند حدود المناورات الميدانية والعمليات العسكرية الجارية على محوري خاركيف وسومي الحدوديين لتثبيت جيوب استراتيجية فقط، بل ينكشف عمقه الحقيقي عند ربط هذا التمدد الشمالي بالمحور الجيواقتصادي والبحري في الجنوب؛ إذ إن التصريحات الروسية الرسمية والبرلمانية المتكررة المطالبة بالسيطرة على إقليم أوديسا بالكامل توضح أن الهدف الروسي يتجاوز مجرد تأمين الحدود المتاخمة. وتتجلى هذه الأبعاد في تصريحات الرئيس فلاديمير بوتين الذي وصف أوديسا مراراً بأنها “مدينة روسية تاريخياً”، إضافة إلى التصريحات الصريحة لنائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري ميدفيديف وعدد من كبار البرلمانيين في مجلس الدوما، الذين أكدوا نية الكرملين السيطرة على كامل أقاليم ما يُسمى بـ “نوفوروسيا” (روسيا الجديدة) والشريط الساحلي الممتد، والدعوة المباشرة لاحتلال إقليم أوديسا لحرمان كييف من أي إطلالة بحرية. إن هذا الخطاب يؤكد أن الكرملين يتبنى استراتيجية خنق جيواقتصادي شاملة تستهدف قطع وصول أوكرانيا الكلي إلى البحر الأسود وتحويلها إلى دولة حبيسة ومقطوعة الشريان الاقتصادي والبحري الرئيسي، وهو ما يفسر الهجمات الصاروخية المكثفة والقصف الروسي الممنهج على البنية التحتية والموانئ الحيوية في أوديسا وتشورنومورسك، حيث يهدف هذا التدمير لقدرات الموانئ وسلاسل الاستيراد والتصدير، بالإضافة إلى شل قدرة كييف على تصدير الحبوب والموارد الأساسية، وإعادة تشكيل مسارات التجارة البحرية وسلاسل الإمداد العالمية للأغذية والطاقة، لاستخدامها كأداة ضغط استراتيجي غير مباشر على القوى الغربية والدول النامية على حد سواء، وحرمان كييف من أهم موارد الدخل القومي الكفيلة باستدامة المجهود الحربي وصمود مؤسسات الدولة.
استراتيجية التآكل الوجودي: الفشل العسكري والارتباك البنيوي في الدولة الروسية ومنعطف 2026
ومع ذلك، فإن السعي الروسي لفرض هذا الخنق الجغرافي والبحري يصطدم بتحولات البعد التكنولوجي والعسكري المتقدم؛ حيث ينكشف التناقض الجوهري في مفهوم “المناطق العازلة” عند إخضاعه لمعطيات بيئة الحرب الحديثة غير المتناظرة؛ إذ تُعد فكرة إنشاء شريط جغرافي بعمق بضع كيلومترات أو عشرات الكيلومترات مفهوماً تقليدياً متقادماً ينتمي لأدبيات الحروب التموضعية الكلاسيكية، ولا يوفر حماية عملياتية حقيقية في مواجهة قدرات الردع الجوي والتسلح الحديث. ورغم الترويج المستمر لهذا المفهوم في الخطاب الرسمي الروسي، والذي تجلى بوضوح في تصريحات الرئيس فلاديمير بوتين بشأن ضرورة إقامة “حزام صحي وآمن” لحماية المناطق الحدودية الروسية من الاستهداف، إلا أن الواقع التقني الميداني يثبت عقم هذه الرؤية التكتيكية؛ إذ إن امتلاك أوكرانيا لطائرات مسيّرة انتحارية وهجومية متطورة بمديات عملياتية تمتد لآلاف الكيلومترات في العمق الروسي وتستهدف المنشآت الحيوية والقواعد الجوية ومصافي النفط، إلى جانب المنظومات الصاروخية المجنحة والباليستية ذات التوجيه الدقيق التي يتم تطويرها بشكل حثيث، يجعل العوائق الجغرافية الشريطية عاجزة تماماً عن تأمين المراكز الحيوية الروسية في بيلغورود أو كورسك أو خطوط الإمداد الاستراتيجية الممتدة. هذا التباين الشاسع يؤكد الفجوة القائمة بين الخطاب السياسي للكرملين والواقع الميداني التقني، ويكشف أن مصطلح “المنطقة العازلة” لا يعبر عن ضرورة أمنية تقنية مجردة، بقدر ما يُستخدم كغطاء سياسي ودعاية استراتيجية محبوكة للتغطية على أهداف الاحتلال المباشر والتمدد الميداني التدريجي، وتقليل تكلفته السياسية والدبلوماسية أمام المجتمع الدولي.
ولا يقتصر هذا التعارض على حدود التكنولوجيا العسكرية وتكتيكات الردع فحسب، بل يمتد ليشتبك مع محور الديناميات السياسية والاجتماعية الداخلية ومدى قدرة الطرفين على تحمل كلفة الاستنزاف طويلة الأمد؛ حيث يراهن الكرملين على قدرة الاقتصاد الروسي على التحول الهيكلي الدائم نحو “اقتصاد الحرب” والتعبئة الصناعية والعسكرية الشاملة، وإدارة الضغوط المالية والتكيف الهيكلي مع الضربات الأوكرانية في العمق الروسي والعقوبات الغربية الممتدة عبر ممرات التجارة البديلة وشراكات الطاقة الشرقية، وهو ما عكسه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تصريحاته المتكررة بشأن استقرار أسس الاقتصاد الوطني وقدرة المجمع الصناعي العسكري على تلبية احتياجات الجبهة لفترات طويلة دون السقوط في فخ الإجهاد الهيكلي، في مقابل السعي المنهجي لإرهاق الجبهة الداخلية الأوكرانية واختبار مدى صلابتها المجتمعية والسياسية. ويأتي هذا الرهان الروسي في ظل التحديات المعقدة والضغوط المتزايدة الناتجة عن استدامة الحرب والتدمير الممنهج الذي طال بنية الطاقة التحتية والقطاعات الاقتصادية الحيوية، إلى جانب التغيرات والتعديلات التنظيمية والقيادية في المؤسسات السياسية والعسكرية في كييف، وتعقد ملف التعبئة العامة والتجنيد. وتتقاطع هذه المعطيات مع التصريحات الرسمية الصادرة عن المسؤولين الروس، ولا سيما وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي يؤكد باستمرار أن “استمرار النزيف الميداني والاقتصادي سيعيد صياغة خيارات كييف وحلفائها الغربيين”، مفترضاً أن هذا الاستنزاف البشري والمادي المستمر سينتج حالة من التآكل التدريجي للقدرة الأوكرانية على الصمود والتعبئة، مما قد يدفع صانع القرار في كييف، تحت ثقل استراتيجية الإنهاك المتواصل وتراجع الرهانات الغربية، إلى مواجهة خيارات استراتيجية مريرة إما بالقبول بتنازلات إقليمية قسرية، أو التكيف مع سيناريو تجميد الصراع وفق معادلة “الأمر الواقع الميداني” التي تسعى موسكو لترسيخها.
كييف تسيطر على عمق روسيا وتعلن حرب تدمير اللوجستيات الاستراتيجية
غير أن قدرة الطرفين على استدامة هذه الديناميات الداخلية لا تتشكل في معزل عن البيئة الجيوسياسية المحيطة، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمحور التوزيع الاستراتيجي للقدرات الدولية ومدى إجهاد التحالفات؛ حيث تعتمد المناورة الروسية على حسابات دقيقة تستهدف استغلال تشتت الانتباه الدولي وإنهاك المنظومة الغربية عبر تحولات المشهد العالمي؛ إذ أدى الانشغال الأمريكي المكثف بالحرب والترتيبات الإقليمية الشديدة التعقيد في الشرق الأوسط مع إيران إلى تشتيت التركيز الاستراتيجي واستنزاف المخزونات التسليحية والموارد العسكرية للولايات المتحدة، وهو ما يضعف قدرة واشنطن الهيكلية على إبقاء الملف الأوكراني في صدارة أولوياتها الدبلوماسية والعسكرية. وتتجلى أبعاد هذا الرهان في تصريحات الرئيس فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف التي تؤكد باستمرار حتمية “تآكل الإرادة الغربية” وإصابة المنظومة الغربية بـ “إجهاد الدعم المالي والعسكري”، مع التركيز في الخطاب الرسمي للكرملين على أن العواصم الغربية عاجزة عن الاستمرار في مواجهة تكتيكات الاستنزاف طويلة المدى، وأن توزيع انتباه واشنطن على جبهات متأزمة متعددة يكشف حدود القدرة الاستراتيجية الغربية. غير أن التعاطي مع هذا الانكشاف الأمريكي على أنه دليل قاطع على الشلل الأوروبي يتغافل عن تحول استراتيجي جوهري في الإرادة السياسية والمواقف الرسمية المعلنة للقيادات الأوروبية؛ فبالرغم من وجود فجوة قدرات وإمدادات حادة على المدى القريب ناتجة عن بطء استجابة القطاع الصناعي الدفاعي الأوروبي، إلا أن القارة تشهد إعادة صياغة شاملة لعقيدتها الأمنية وتوجهاتها الدفاعية السيادية. وتتجلى هذه المراجعة الاستراتيجية في الاتفاقيات الأمنية الثنائية الممتدة، والالتزامات الهيكلية طويلة الأمد التي تبنتها العواصم الأوروبية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي تتجاوز الدعم المالي الطارئ إلى التأسيس لبرامج تسليح وإنتاج دفاعي مشترك، مع رفع مستويات الإنفاق العسكري إلى معدلات قياسية، وترسيخ ترتيبات الردع المكثفة على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي. إن هذا التطور يعكس إدراكاً أوروبياً جمعياً صريحاً بأن التكيف مع انشغالات واشنطن لا يعني الخضوع للشروط الروسية، بل يفرض الانتقال السريع نحو تعزيز “الاستقلالية الاستراتيجية” وبناء منظومة ردع قارية مستدامة، مما يصدم الرهان الروسي على كسر التماسك الغربي بإرادة سياسية أوروبية متصلبة ترى في أي انكسار لأوكرانيا تهديداً مباشر ومباشراً لبنية الأمن القومي الأوروبي برمتها.
ولا تقتصر خطورة هذا الصراع الهيكلي ومحاولات إعادة رسم الخرائط الأمنية بالقوة على اختبار تماسك البيئة الإقليمية والتوازنات الميدانية فحسب، بل تمتد لتلقي بظلالها الجسيمة على الصعيد القانوني والمعياري للنظام الدولي برمتها؛ إذ إن المسعى الروسي لفرض “المناطق العازلة” واقتطاع الأراضي بالقوة يمثل تقويضاً صريحاً للمبادئ المستقرة لسيادة الدول وحرمة الحدود المعتمدة في ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المادة الثانية (الفقرة الرابعة) التي تحظر صراحة التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. كما يشكل هذا النهج انتهاكاً مباشراً لإعلان هيلسينكي الختامي لعام 1975، الذي وقّع عليه الاتحاد السوفيتي وتلتزم به روسيا الاتحادية قانونياً بصفتها الدولة الخلف، والذي كَرّس مبادئ عدم المساس بالحدود وحرمة التخوم الإقليمية كحجر زاوية لاستقرار الأمن القاري في أوروبا. وينتهك هذا التوجه أيضاً قواعد القانون الدولي البحري المتمثلة في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والاتفاقيات الدولية المنظمة لحرية الملاحة والسلامة البحرية في الحوض البحري، وهو ما تتناغم معه قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعاقبة، وفي مقدمتها القرار (ES-11/1) الذي أعاد التأكيد على التزام المجتمع الدولي بسيادة أوكرانيا واستقلالها ووحدتها وسلامتها الإقليمية داخل حدودها المعترف بها دولياً، ورفض أي تغييرات إقليمية تنشأ عن استخدام القوة. إن إقرار المجتمع الدولي أو تكيفه مع مرجعية “الحقائق المنجزة على الأرض” يُرسي سابقة استراتيجية وقانونية شديدة الخطورة تُشرعن استخدام القوة العسكرية والتمدد الميداني كأداة لإعادة رسم الحدود الجغرافية للدول المستقلة وفرض خرائط نفوذ جديدة خارج أطر الشرعية الدولية، مما يهدد بانهيار المنظومة الأمنية متعددة الأطراف القائمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويُشجع قوى إقليمية ودولية أخرى تتبنى أجندات مراجِعة للنظام الدولي على اتباع نهج مشابه في مناطق صراع حيوية وحساسة حول العالم، الأمر الذي يفرغ قواعد القانون الدولي من محتواها الآمر، ويعيد العالم إلى بيئة التنافس الإمبراطوري المفتوح القائم على موازين القوة المجردة والفرض القسري للأمر الواقع.
وبناءً على هذه التقييمات الاستراتيجية المتشابكة والمستفيضة، تتكشف المناورة الروسية كنهج شمولي متعدد الطبقات يدمج بين الضغط العسكري الميداني في المحاور الشمالية على خاركيف وسومي، وبين الخنق الجيواقتصادي البحري المباشر في الجنوب على طول شريط أوديسا والحوض الشمالي للبحر الأسود، مع الاستغلال الممنهج لتشتت الانتباه الدولي والانقسامات الغربية لمحاولة تفكيك المقومات الهيكلية للدولة الأوكرانية وفرض إعادة صياغة شاملة للهندسة الأمنية في شرق أوروبا.
ومع ذلك، يبقى هذا الرهان محفوفاً بمخاطر استراتيجية عالية الكلفة على موسكو نفسها؛ بالنظر إلى تزايد عبء النزيف الاقتصادي والبشري المتراكم، وتصاعد احتمالات حدوث قفزات تكنولوجية غير متوقعة في قدرات الردع الأوكرانية العابرة للحدود والضاربة في العمق الاستراتيجي الروسي.
إن هذه الديناميات المركبة تجعل الساحة الجيوسياسية مفتوحة على سيناريوهين رئيسيين: إما الانزلاق نحو صراع مجمد مدجج بالسلاح ومحاط بخطوط هدنة غير رسمية تكرس حالة الاستنزاف المتبادل، أو تحول الحرب إلى مواجهة هيكلية ممتدة تعيد تشكيل توازنات القوى العالمية ورسم ملامح النظام الدولي لعقود قادمة.

